لم يكن النعمان بن المنذر في حاجة إلى «فوتوشوب» على طريقة أوكتافيان الروماني، لكي يقوم بحملة تضليلية يغير بها اسمه، وينشر صورته بكامل «شبوبيته»، ليعلق في ذهن التاريخ كقائد لا يهرم، حتى في أوج شيخوخته… كل ما كان يحتاجه ملك الحيرة الشهيد، هو «دحنونة» تنبت على قبره لتستعير منه اسمه، فتغدو شاهد الضريح الأخيرعلى جريمة الفرس النكراء في صراع جمهوريات الموز أو حتى اللب أو اللبان … لا فرق!
الإعلامي والصحافي الأمريكي «أندرو جايمس بريتبارت»، كان يرى أن تغذية الميديا تشبه تدريب «كلب منزلي»، لا يمكنك أن تعطيه شريحة لحم كاملة لتعلمه على الجلوس، وهو ما طبقه المحرر مايكل أرينجتون حين جنى خمسة وعشرين مليون دولار، معتمدا على حقيقة واحدة: «أن تحصل على الحقيقة أمر باهظ، ولكن أن تكون أول من يحققها فهو أمر غير مكلف البتة)، وهذا يعتمد على مقدرة المتلاعبين أو المضللين الإعلاميين للفت انتباه القراء والمعلنين بحيلة متعمدة أو بحسن نية أو نكتة أو قصة مثيرة أو جدلية أو صورة غاوية، مقنعة عاطفيا إلى الدرجة التي يصعب بها تفكيك نفوذ تأثيرهم الإعلامي، سوى بحيلة موازية!
عود ثقاب الكتروني في يوم الرجم الفضائي
تقر دراسة أجرتها صحيفة «التلغراف» البريطانية العام الفائت، أن الفبركة فن قديم، مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ تطور الحقيقة أو ما يسمى بالأخبار الكاذبة، التي أصبحت أكثر سرعة، ولا تستغرق وقتا لبناء الجمهور والثقة والسمعة، فهي أسهل تداولا، وأقل عرضة للعواقب القضائية أو الحواجز الاقتصادية، بما يحول دون القفز الالكتروني فوق أرضية خصبة لها وبصحون وثابة!
لم يعد العالم إذن، بحاجة إلى عود ثقاب ليدغدغ كومة قش بشرارة هائجة، ولا هو بحاجة إلى قنبلة ذرية لينتج ضحايا جددا يحملون جين الجريمة، كل ما هنالك: خفة يد، ومزاج مزبوط، وفريسة مثيرة للشهية، وطبلة فضائية وشوية فواصل لـ «مزز وأمامير»، ومشاهد لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، لأنه من لزوم ما لا يلزم، وأشقاء يبتلعون الطعم وألسنتهم متدلية فوق صدورهم، وأعداء مولعون بالضحك علينا وعلى ذقوننا، ثم جندي مجهول أو كفيل الكتروني، وصافرة أوتوماتيك، وعمرو أديب، وعبارة الماغوط، التي يتداولها مساطيل الفيسبوك كأفيون مغشوش: سأخون وطني»، وبعدها فليذهب الوطن العربي إلى مراجيح الصراط في «جهنم لاند»، المهم أن يعود بعد منتصف الليل بتوقيت «العربية»، ليتابع يوم الرجم الفضائي ليس على إسرائيل ولا إيران ولا روسيا ولا أمريكا ولا «داعش» ولا أخواتها، إنما على….. ذاتها!
وداعا رمضان بين مدفع أديب ومسحراتي «العربية»
نحن نتخاصم، والعالم يتفرج علينا، فماذا بعد؟َ! لم يتبق لدينا لحى ولا شوارب للنتف بعد كل هذه «الخرمشة» الالكترونية، و«التمعيط» الإعلامي، الذي يجردنا من هيبتنا أمام الأمم، وأمام مرايانا العمياء، لم نراع لدمنا ولا لعروبتنا ولا ديننا ولا صومنا ذمة، في حرب نسف الأدمغة الألكترونية، التي تنبأت كل الصحافة الغربية بلا استثناء، منذ لحظة اندلاعها الأولى، أنها ليست سوى البداية والأسابيع المقبلة ستشهد تصعيدا حادا، ومدمرا للمنطقة بأسرها، فهل هذه نكبة الكترونية جديدة تضاف إلى قائمة النكسات العربية عبر التاريخ!
في ليلة ظلماء، نشرت «العربية» سندات الحرب الألكترونية ووزعتها على مواقع التواصل الاجتماعي مجانا، وهي تكرر قصتها الرسمية مستفيدة من الصدمة المباشرة لاستثنائية الهجوم على شقيقة خليجية، مثيرة جلبة فضائية ألزمت المتلقي بخبر مشوه، فما هو مرد هذا الاضطراب الإعلامي، الذي قام بدور المسحراتي الإخباري في «العربية»؟
عمرو أديب يصوم ويفطر على مدفع الفتنة والتحريض، على طريقة زوبع في فنجان قهوة تركية، يتلقف الخبر فيقطع العرق ويسيح دمه، وهو يسن أسنانه لحتة بتلو، من مائدة اللحم العربي المستباح، وقسما عظما، لو أن إسرائيل اعتدت على مصر بقنبلة عنقودية، لن تراهم يتهافتون لعضعضة بعضهم هكذا!
لم يتبق لهم في لعبة الطاولة الإعلامية سوى رمي آخر حجارة النرد: دمج المقاومة بالإرهاب، ليس شجاعة في محاربة العنف، إنما جبنا من مواجهة الشجاعة، فإن كان التنازل عن الأعداء من أجل الاكتفاء بمحاربة الأشقاء، مزلزلا إلى هذا الحد، فهذا يعني أن عمرو أديب يخوض حرب أموات لا تنتصر فيها سوى «القبور الزجاجية» الشاشات، التي لا تحمي الأقفال من الثائرين، وليتذكر لعيبة الطاولة الإعلامية، أن حكمة الدواب بعد الشبع لا تتجاوز أوتار الحنجرة، ورياضة النهيق، وأن من يقدم ظهره لن يحق له بعد أن يشكو من الطعنات!
سندات الحرب الالكترونية وكراسي اعتراف
لقطر ما لقطر، من مواقف ووجوه إعلامية وسياسية، مثلها مثل أي دولة في العالم، ولكن أن يكون «الرجم الفضائي» في رمضان هو العقاب العربي على عروبتها، فهذا يعني أن «التارالالي» عنوان المرحلة، وأن طيور الأبابيل الإعلامية تمارس هدما وتدميرا ذاتيا للكعبة، ولن تحتاج لا إلى إيران ولا «داعش» ولا حتى إسرائيل للقيام بمهمة جمع الحجارة الالكترونية أو إشعالها!
ولم يعد أمامك سوى متابعة برنامج «المسامح لئيم» لمحمد ناصر، وهو يضع السيسي والبشير فوق كراسي الاعتراف الفضائية، ليصدمك بأشد الحروب قذارة في التاريخ، ألا وهي حرب الإخوة الأعداء، إذ لا سلاح لك فيها أقوى من دمك، فهل أنت عربي، أم مجرد سند الكتروني لحرب مفبركة، أم ركوبة إعلامية؟!
تتذكر مجلة «فوربس»، ديك تشيني الذي كان يزود جوناثان ميلر في «النيويورك تايمز» بمعلومات عن الحرب، وكان هو المصدر المجهول إياه الذي تعتمده الصحيفة في تقاريرها الإخبارية عن حرب العراق، داعية جمهورها لتغيير الحوافز للحصول على الحقيقة، والصبر لتدريب المتلقي على اكتساب المعلومة الصادقة لا السريعة، لأن كبسة الزر هي الخط الفاصل، الذي لا يمكن تمييزه بين الحق والباطل، فحين تتسارع الأحداث، تتخلى عن الكثير من التفاصيل، لتصل ناقصة، وإن عدت لكتاب «الصورة: دليل الأحداث الزائفة في أمريكا» تعثر على التيه فيما قاله دانييل جوزيف بورستن: «غابة تقف بيننا وبين الحقيقة»، لأن ما وراء كل مشهد هو عكسه، والحروب الحقيقة ليست هذه التي تخاض أمامك على الشاشات، إنما تلك التي لا يسمح لك بأن تراها!
احتجاجات المغرب
تعتبر « اليورو نيوز» أن ما يجري في المغرب مجرد احتجاجات تطالب بالمزيد من الحريات والإصلاحات، التي لا تستهدف الملك ولا تقوم ضده، فلنظام الملكية في المغرب جذور عميقة لأطول سلالة حاكمة في العالم الإسلامي، ولا يسهل التفريط فيها!
لا يمكن أن تشكل هذه التظاهرات بادرة للفتنة أو الخطر على الوحدة الوطنية، إلا في حالة واحدة، حين تكون مسرحا مباحا للفساد والتخريب والعمالة، وحقن الأوردة الالكترونية بأمصال سامة تثير النقع الراكد وغبار الدم الكظيم في عروق المستنقعات المتثائبة: الطوائف والإثنيات، حينها لن يدخل المغاربة إلى جنة الحرية والخلاص… وللمغربيين عبرة بالمشرقيين، فلن نقبل بعد كل هذا الدمار أن «نبيع القرد ونضحك على اللي شراه»!
المهمة جسيمة على عاتق الإعلام، الذي وجب عليه عدم معاقبة الجماهير بالهراوات الإعلامية، طالما أن السياق الأمني لا يعني التعامل مع المشاهد خارج السياق الوطني والإنساني «فالحر بالغمزة، والعبد – فقط – بالدبزة»!
الساحات مفتوحة كظهور عارية، والنفايات الوطنية «الحروب الأهلية» متكدسة في القلوب والعقول قبل الشوارع والأرصفة، في وطن يتأبط صحونه الطائرة قبل بندقيته أو شبريته، لا ليقاتل عدوه، بل لينتقم من نفسه صارخا في وجه الشاشة «المرآة»: عليهم عليهم يا عرب!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر