جربنا الكلام لعقود فلنجرب السكوت

حجم الخط
4

فكرة مجنونة تستحوذ على تفكيري منذ فترة، وأصبحت أكثر إلحاحا خلال الاسابيع القليلة الماضية، وأنا أقرأ واستمع كل يوم الى سيل من التصريحات والفتاوى السياسية الصادرة عن مسؤولين فلسطينيين، تصريحات وفتاوى تأتي دوما كردات فعل على بالونات اختبار، يطلقها بنيامين نتنياهو وجوقته من الوزراء في الحكومة الاسرائيلية، غرضها وضع العراقيل في طريق الوصول لاي اتفاق مع الفلسطينيين.
تصريحات وفتاوى في معظمها، إن لم يكن كلها، تبعث رسائل خاطئة، تأتي لتأكيد المؤكد وتشويه الموضح، وغرضها غير المعلن طبعا، ان يثبت صاحبها وجوده وفق قاعدة «انا اتكلم فأنا موجود»، ولا يهم إن كان ما يقوله ذا معنى، أو ذا قيمة، أو أنه يعكس عدم استيعاب لاهمية التصريح السياسي ومفهومه، وهو يعرف مسبقا انه لن يحاسب على ما يقول، وفي بعض الاحيان يتبرعون بسخاء للإدلاء بمعلومات مجانا.
قد يعتبر البعض هذ الفكرة ضربا من الجنون، وانها لن تلقى استحسانا في اوساط «الكلامانجية»، ورغم ذاك فإنني مصر على مشاطرتها، مع القراء لعلي أجد من بينهم من يوافقني الرأي.
فما هي الفكرة؟
كمراقب سياسي ارى ان المطلوب فلسطينيا في هذه المرحلة، وبعد تجربة ربع قرن مريرة من اتفاق سلام غير متوازن ومتأرجح منذ اليوم الاول الذي وقع فيه، صدرت خلالها مئات الاف التصريحات، لم يتمخض عنه ما كان يفترض ان يتمخض، وتحديدا قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران1967 عاصمتها القدس الشرقية، او كما يقال القدس الشريف.
لن نخوض في الاخفاق ومسبباته، المطلوب فلسطينيا في هذه الفترة الحرجة «فرمان» لا لبس فيه، واضح وضوح الشمس يصدر عن «الباب العالي» الى جميع المسؤولين الفلسطينيين دون استثناء.. سواء كانوا في السلطة او خارجها، وفرمان مثله يصدر عن قيادات القوى والفصائل التي لا تتلقى اوامرها من السلطة، بجميع توجهاتها الاسلامية واليسارية والوطنية، يعني باختصار مجمل الطيف السياسي الفلسطيني، يمنع اي مسؤول، ولفترة تجريبية، لا تزيد عن الشهر، من الادلاء بتصريحات.
فرمان يأمرهم بـ «السكوت عن الكلام المباح وغير المباح».
لا اقول ان الامر سيكون سهلا، بل صعبا للغاية بدون شك، لان الفكرة إن نجحت ستلغي وجود الكثير من هؤلاء المسؤولين، الذين يسترزقون من هذه التصريحات، وربما يحالون على المعاش، أو تقطع أرزاقهم، وليس هذا هو المراد فـ «قطع الارزاق من قطع الاعناق».
المطلوب بالمطلق ومن اجل المصلحة العليا، التوقف عن اطلاق التصريحات الضارة دون قصد يمينا ويسارا، تصريحات بمجملها ثرثرات عبثية لا تسمن ولا تغني من جوع.. تصريحات فاقدة للمصداقية.. تضر ولا تنفع، على شاكلة أن «اشتراطات الرئيس الأمريكي، من أجل بدء عملية السلام، والقائمة على عدم البدء بحل الدولتين قبل تطبيق المبادرة العربية والتطبيع العربي مع إسرائيل، يشكل انحيازاً أمريكياً لمصالح دولة الاحتلال وتساوقاً أمريكياً على حساب الحقوق الفلسطينية»، و»ان وصف (الرئيس ترامب في القمة الامريكية – العربية/ الاسلامية في الرياض) حركة حماس بأنها إرهابية، انحياز صارخ للاحتلال الصهيوني، واصطفاف ضد قيم العدل والحرية». و»إذا كان الحراك السلمي لم يجد نفعاً مع هذا العدو المتغطرس، الذي لا يفهم إلا لغةَ القوة، فإننا جاهزون للحديث مع عدونا باللغة المناسبة التي يفهمها جيداً، و»الدعوات لتكثيف الاقتحامات للأقصى، وتصعيد المسيرات والاحتفالات الاستفزازية في البلدة القديمة من القدس بما يسمى «يوم توحيد القدس» يعكس حقيقة التوجهات الاستيطانية العنصرية لدى نتنياهو وائتلافه اليميني الحاكم». وهذا غيض من فيض، تصريحات لا تقدم ولا تؤخر، ومضيعة للوقت والجهد وتضر حتى بصاحبها وتفقده المصداقية.
ما نحن بصدده ببساطة شديدة هو الدعوة للصمت حتى لا ننجر وراء بالونات الاختبار و»القنابل الصوتية» التي يطلقها نتنياهو وجوقته، الغرض منها، اقحامه الجانب الفلسطيني في معارك جانبية مصطنعة، يكون الخاسر الاكبر فيها القضايا المركزية الاساسية العليا، عبر تشتيت الموقف الفلسطيني المشتت اصلا، وتعزيز التباين والاختلاف في المواقف، وعدم اعطاء الفلسطينيين مجالا لالتقاط الانفاس. صحيح ان مثل هذا الطلب قد يكون صعبا، أو مستحيلا بالنسبة للعديد من المسؤولين، سواء في السلطة، أو في الفصائل، لانه يعني عمليا، حرمانهم من شريان الحياة والبقاء.
وقد يسأل سائل ولما كل هذه التضحية؟ وما الذي ستجنيه القضية الفلسطينية، والمقصود طبعا ما سيجنونه هم من هذا السكوت؟ وهل نترك الميدان لحميدان؟ والجواب ببساط شديدة لا، وانما بسكوتكم تضيقون الميدان على حميدان وتسحبون البساط من تحت ارجله وتحرمونه من جركم الى معاركه التضليلية.
وقد يقول آخر ان السكوت علامة قبول او علامة ضعف. ولكن العكس قد يكون الصحيح.. فالسكوت يضع العدو في حيرة من أمره، وتحرمونه من اطلاق التصريحات الاستفزازية. فعلى سبيل المثال ليس ثمة حاجة للرد على تصريح نتنياهو على توقيع الرئيس ترامب امرا رئاسيا بتأجيل نقل السفارة الامريكية الى القدس، قال فيه انه سيؤخر السلام مع الفلسطينيين، لانه سيغذي اوهامهم بألا علاقة لليهود واسرائيل بالقدس.. فالرد عليه قد يدخلنا في مطب نحن بغنى عنه.. فهو تصريح لا يخص الفلسطينيين، وان ورد اسمهم فيه. ودع نتنياهو وترامب يتصادمان.
ولكن وقبل اصدار «فرمان السكوت» لا بد من إلقاء الكرة في ملعب نتنياهو، بسؤال مباشر او طلب موجه له، عبر راعية السلام الولايات المتحدة التي هي بصدد وضع تصورها لتحقيق ما يسمى بالسلام، وكذلك الدول الاوروبية.. طلب بسيط وواضح.. ان يتقدم نتنياهو بمبادرة برؤيته وتصوره لاتفاق سلام.. طلب مرفقة به رسالة واحدة للاطراف الثلاثة السالفة الذكر، مفادها.. وصلنا ـ نحن الفلسطينيين ـ الى باب مسدود.. قدمنا اقصى ما يمكن ان نقدمه من تنازلات.. رضينا بـ22% من فلسطين التاريخية.. واعترفنا بوجود اسرائيل دون مقابل.. وقبلنا بفكرة تبادل الاراضي.. وما زلنا بعد24 عاما على اتفاق اوسلو المشؤوم، نواصل التنسيق الامني والاقتصادي، رغم انهما يضران بمصلحتنا.. وطرحنا تصورنا للسلام بالمبادرة العربية، التي تقدم هدية مجانية لاسرائيل، ممثلة بتطبيع كامل بما فيها اقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع جميع الدول العربية والاسلامية.. باختصار شديد ليس لدينا ما نقدمه او نقوله اكثر من ذلك. والان على الجانب الاسرائيلي ان يقدم تصوره.
بعدها يطلق مدفع الامساك عن الكلام الى ان نتلقى الرد الواضح والصريح.. والى ان نتلقى الرد نلتفت قليلا الى شؤوننا الداخلية، ونعيد بناء الثقة وجسور التواصل مع شعبنا، الذي يستحق منا بعض الاهتمام، ونلتفت ايضا الى احتياجاته، والاعتناء باقتصاد المواطن، عبر توفير فرص العمل له، وبناء الاقتصاد الوطني على اسس التحرر من الهبات المذلة والمشروطة في كثير من الاحيان، حتى لا تكون كالسكين على نحورنا.. وبناء طبعا المؤسسات الوطنية كل المؤسسات السياسية والنقابية والشعبية وفي مقدمتها منظمة التحرير الخ.
صحيح ان وسائل الاعلام المرئية منها والسمعية قد لا تجد ما تقوله، وستصدر الصحف بصفحات اقل.. لكن كل ذلك سيصب في مصلحة المواطن، المشاهد والمستمع والقارئ.. ويأتي ايضا في اطار الاعتناء بعقل المواطن وعدم الاستخفاف به، وهذه قد تكون الفائدة الثانية.
وفي الختام جربنا الثرثرة الزائدة، والتصريحات خالية المحتوى والمضمون، فلما لا نجرب السكوت والصمت الى حين.. لعل حظنا في السكوت يكون افضل منه في الكلام ويأتي بالمنفعة التي نتمناها ويتمناها الجميع.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس الغربي»

جربنا الكلام لعقود فلنجرب السكوت

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية