هناك بقعة سوادء شاسعة، يقفز عليها تاريخ الأدب في الجزائر.
«عتمة» يتجنّب الدّارسون الخوض فيها كثيراً، لأسباب أيديولوجية، وليس أدبية. بقعة سقطت من كتب الأدب تتجاور فيها ثلاثة أسماء من فرنسيين، خدموا الأدب الجزائري، لكن «الذّاكرة» تميل لمحو أثرهم، للتّنكر لهم. أوّلهم شارل دوفوكو (1858-1916)، الذي قضّى أكثر من عشر سنوات في تعلّم لغة الطّوارق (أو ما يُطلق عليها: تماهق)، في صحراء الجزائر، عاش بينهم حوالي 20 عاماً، طاف بين واحات، عبر أرض الرّمال، ووثّق الشّعر الشّفوي للمنطقة، ثمّ وضع أوّل قاموس لغوي «طارقية – فرنسية» (مع العلم أنّه لحدّ السّاعة لا يوجد قاموس معتمد طارقية ـ عربية، كلّ الدّراسات اللغوية تستعين بمجهودات شارل دوفوكو). ثانيهم، النّاقد الأدبي جان ديجو (1921-1993)، الذي كان وما يزال أكثر الدّراسين للأدب الجزائري موضوعية، فقد قضّى أكثر من ثلاثين سنة من حياته في متابعة النّتاج الأدبي في الجزائر (شعر، رواية ومسرح)، قراءته ونقده وعرضه في المنصّات الأكاديمية. ثالثهم، المترجم مارسيل بوا (1925)، الذي نقل، في الخمسين سنة الماضية، أهمّ الرّوائيين الجزائريين باللغة العربية، إلى الفرنسية، وما يزال – لحدّ السّاعة – يترجم الأدب الجزائري، ويحرص على نقل أهمّ الرّوايات للفرنسية.
هؤلاء المثقّفون الثّلاثة، هم عيّنة صغيرة من كثير من المثقفين الأجانب، الذين عاشوا داخل الأدب الجزائري، عملوا لأجله ولصالحه، رافقوا كتّاباً جزائريين بارزين، رسّخوا سيرهم وكتبوا عن إصداراتهم، لكن التّاريخ دفعهم إلى الهامش، أدار ظهره لهم. لا ينكر مُتابع فضلهم على الثّقافة الجزائرية، لكن حسابات سياسية جعلت منهم أسماء ثانوية، تمّ استبعادهم من المركز، صار من النّادر ما نجد ذكراً لهم، بعض منهم تعرّض – لأسباب غير معروفة – لحملات شيطنة وتشويه وتخوين، هكذا تغفل الذّاكرة الجزائرية عن أعمالهم، تتجاهلهم، تطردهم إلى الخارج، من حيت أتوا، تغمض عينيها عن كتابتهم وجهودهم، وتضعهم في سلّة واحدة: سلّة الإهمال المُعلن.
عام 2005، قام بابا الفاتيكان جان بول الثّاني بتطويب شارل دوفوكو، ورفعه إلى درجة القديسين، وهي واقعة كان يمكن للجزائر أن تستغلها، وتستفيد من ذاكرة الرّجل ومن سمعته العالمية، في التّرويج لنفسها – على الأقلّ – لكنها تجاهلته وضيّعت إرثه، مثلما فعلت قبله بالإرث الإنساني للقديس أوغستين.
جهود شارل دوفوكو الأدبية لا تخطئها العين، قاموس الطارقية – الفرنسية كان وما يزال شاهداً على اشتغاله الرّصين بثقافة بربر الصّحراء، ضفْ إلى ذلك كتابه المهمّ «أناشيد طارقية»، الذي صدر، لأوّل مرّة، في جزأين منفصلين، بين 1925 و1930. وهو كتاب جمع فيه دوفوكو قصائد من ألسنة شعراء طوارق، ذكر فيه أسماءهم وسيرهم، ونقلها حرفياً من التيفيناغ إلى الفرنسية، بل إنه أضاف ملحقاً للكتاب نفسه، تضمّن شروحات للسّياقات التي كُتبت فيها القصائد، وحكى فيه كيف كان يطوف بين القبائل الطّوارقية، في صحراء الجزائر لجمع النّصوص الشّفوية. هذا الكتاب – الوثيقة يمثّل مصدراً أساسياً في الدّرسات الأدبية، وفي محاولات فهم وقراءة أدب صحراء الجزائر، فبعد شارل دوفوكو سنُلاحظ شحاً في الدّراسات الجادّة وفي التّرجمات عن طوارق الصّحراء، بل هناك تغييب – غير مبرّر – لهذه الثقافة وأدبها، في المشهد الأدبي العامّ في البلد.
من جهته، خلّص النّاقد جان ديجو الأدب الجزائري من الكليشيهات، التي رافقته طويلاً، لم يهتم كثيراً بالأدب الجزائري الذي كتبه فرنسيون (خصوصاً قبل الاستقلال)، بل ركّز جهده الأكاديمي في دراسة وتقديم أعمال كتبها جزائريون (من الأهالي أحياناً)، كان أوّل النّاقدين المختصين الذي تحدّث عن أعمال عبد القادر حمو رواية «زهرة» 1925، شكري خوجة رواية «العلج أسير البرابرة»، 1929، رواية محمد بن الشّيخ «مريم بن النّخيل»(1936)، وقارب رواية «مذكرات من طفولة بلديّ»(1941) لعلي بلحاج (اسمه الحقيقي محمد سيفي). كما رافق مولود فرعون في بداياته، ومحمد ديب في ثلاثيته الشّهيرة: «الدّار الكبيرة، الحريق والنول». لقد قدّم جان ديجو، في كتابه الشّهير»الأدب المغاربي، المكتوب بالفرنسية»(1973) عملاً أنطولوجياً مهماً، عن الأدب في الجزائر والمغرب وتونس. إلى جانب عمله في التّدريس في الجامعة، فقد قدّم أيضاً بيبليوغرافيا للأدب الجزائري، للعشرين سنة الأولى التي تلت الاستقلال.
جان ديجو عبر بالأدب الجزائري من مرحلة الاستلاب إلى التّحرّر، عاصره في عقوده الأوّلى، وثّق وأرخ للكتابات المؤسّسة، وترك مجموعة من الأعمال النّقدية، التي يعود إليها القارئ – باستمرار – في كلّ واحدة من مراجعات الأدب الجزائري.
ليس بعيداً عن الاسمين السّابقين، يُواصل مارسيل بوا قراءاته للرّوايات الجزائرية وترجمتها للفرنسية، يجعل من بيته، في الجزائر العاصمة، مغارة للأدب، يستقبل أحياناً كتاباً يُناقشهم في آخر أعمالهم، يستمع إليهم ويأخذ بآرائهم، ويتفرّغ، في غالبية الوقت، للتّرجمة. عبد الحميد بن هدوقة، الطّاهر وطار، إبراهيم سعدي، واسيني الأعرج، إلخ، كلّهم كتّاب جزائريون لم يكونوا ليصلوا للغة الفرنسية لولا فضل مارسيل بوا عليهم. مارسيل بوا، الذي تعلّم العربية في بيروت وتونس، قبل أن يصل إلى الجزائر، في آواخر خمسينيات القرن الماضي، كان سببا في وصل كتّاب جزائريين، من فرانكفونيين ومعرّبين، ببعضهم بعضاً، فلولا جهوده لما استطاع محمد ديب أن يقرأ أعمال مواطنه عبد الحميد بن هدوقة، كما كان عتبة مهمّة لانتقال الرّواية الجزائرية بالعربية، من فضائها المحلي، إلى قارئ أوروبي. يبدو أن الذّاكرة الأدبية، في الجزائر، تستمتد طاقتها من النّسيان، تُعالج نفسها بالتّغاضي عمن صنعوها، ونحتوا ماضيها. تاريخ الأدب في الجزائر يستمر في السّير وفي الوجود بالنّسيان، هي ذاكرة لا تحترف هواية أخرى غير النّسيان، جعلت منه سنداً لسلطتها.
كلّما تقدّم الأدب الجزائري إلى الأمام وسّع من دائرة النّسيان، وهو نسيان ليس يشمل فقط بعضاً من الفرنسيين، الذين خدموه، بل أيضاَ نقاداً وكتاباً عرب، كان لهم دور في إخراج الأدب الجزائري من «محليته» وفي تقديمه للقارئ في المشرق العربي، كتّاب ونقّاد من مصر وسوريا وفلسطين والعراق، لعبوا دوراً في السبعينيات وفي الثّمانينيات، في تخليص الأدب الجزائري من «عقدة الدّونية»، التي لازمته، لكنهم تنكّروا لهم، وصاروا اليوم يذكرون – أحياناً – باحتشام، وبصوت منخفض.
قد يُعلّل البعض هذه الوضعية بضعف القراءة، ولأن الجزائري صار لا يقرأ، وهنا نقصد الجزائري العادي والأكاديمي على حدّ سواء، فالقراءة لم تعد ممارسة يومية، بل ظرفية، ونجد الأكاديمي نفسه منصرفاً عن دوره في المطالعة، لكنها حجّة ظرفية، وغير مقنعة، لأن كتابات الأسماء السّابقة، وغيرهم ممن خدم الأدب الجزائري، من أجانب، إبداعاً ونقداً، أيضاً غير متوفّرة، لم يعد طبعها، ولم تهتم المؤسسات الرّسمية بإعادة بعثها. هل هي نيّة مسبقة لمحو جزء مهم من تاريخ الأدب الجزائري؟ محو أثر الأجانب ـ هم جزائريون مثل غيرهم بالانتماء وبخدمة ثقافة أحبّوها ـ لتعميم فكرة أن الأدب الجزائري صناعة جزائرية، هي احتمالات، لكن الثّابت فيها أن الأدب الجزائري، قديماً وحديثاً، هو مزيج من جهود جزائريين وأجانب، يجب ألا نغفل عن دورهم وجهدهم.
٭ كاتب من الجزائر
سعيد خطيبي