إعادة التفكير بالشرق الأوسط

لعلّ وجود القواعد العسكرية الأمريكية في كلّ دول الخليج تقريبا، إضافة إلى البوارج البحرية، ينهض دليلا على إدراك الولايات المتّحدة أنّ إسرائيل لا يُعوّل عليها، وبالتّالي فقوّات الانتشار السريع هي الحلّ.
ويدعم ذلك ما أورده برنارد لويس اليهودي الأشكنازي، أحد أهمّ منظّري السياسة الخارجية الأمريكية، ضمن «إعادة التفكير بالشرق الأوسط». فالقيمة التي كانت اسرائيل تنطوي عليها بوصفها ذخرا استراتيجيا خلال الحرب الباردة، انتهت حين وصلت الحرب الباردة نفسها إلى نهايتها. وقد تجلّى التغيير الحاصل بوضوح في حرب الخليج الثانية، حين كان أقصى ما طلبته الولايات المتحدة من إسرائيل هو البقاء خارج حلبة الصراع، والتزام الصمت وعدم الإقدام على أيّ فعل.
ولعلّ الولايات المتحدة أرادت أن تتفادى ردّة فعل العرب التي حدثت سنة 73 إثر دعمها العسكري لإسرائيل، الفعل الذي انجرّت عنه مقاطعة نفطية من الأوبك، ألحقت أضرارا كبيرة بالاقتصادات الغربية.
ومن جهة أخرى يضفي استعداد إسرائيل للتجسّس على وليّ نعمتها أمريكا، مزيدا من الشكّ حول قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، خاصّة أنّ سلوك إسرائيل الدّائم لا يُوفّر لها أيّ أساس أخلاقي لتكون جديرة بدعم أمريكي غير مشروط، كما يدّعي مؤيّدو إسرائيل. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه لا وجود لديمقراطية إسرائيلية، كما يجري الادّعاء، لأنّ من يتحكّم بحياة الملايين من الفلسطينيين في غزّة والضفّة الغربية، ويُواصل الاستيطان وافتكاك الأراضي وهدم البيوت وتهجير السكّان الأصليين، إضافة إلى حرمانهم من حقوقهم السياسية والمدنية، ورفض إعطاء الفلسطينيين دولة قابلة للحياة، لا يمكن أن يُجاهر بالديمقراطية. ومثل هذه الإهانة المنظّمة التي يتعرّض لها الفلسطينيون تنسحب على الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية والاسلامية، وإن بقيت القضية الفلسطينية بلا علاج، ولم يُعترف بحق الفلسطينيين في بناء دولتهم فإنّ الوضع الاقليمي والعالمي سيزداد خطورة.
«نحن شعب الولايات المتّحدة، لكي نؤلف اتّحادا أكثر رسوخا، ولكي نُقيم العدالة ونضمن الاستقرار الداخلي، ونضع أسس الدفاع المشترك، ونزيد الرفاهية العامة، ونصون نعمة الحرية لأنفسنا وللأجيال القادمة. نضعُ هذا الدّستور للولايات المتحدة الأمريكية». تلك مقدّمة الدستور الأمريكي التي تكشف وطنية ديمقراطية ضيقة وأنانية، ديمقراطية محصورة محلّيا وعنوان تجارة وأطرا زائفة عندما يتعلّق الأمر بالتعامل مع بقية دول العالم، ويزداد الأمر افتضاحا عندما يتمّ استخدام الأمم المتحدة للسيطرة على الدول، ومصادرة حق الشعوب المستضعفة في العيش بسلام، أمّا «الهيئات الدولية وفلسطين» فهو العنوان الأكبر للفشل، بالمعايير القانونية والإنسانية، وعلى مثل هذه المنظمات الدولية أن تُعيد تعريف نفسها وأهدافها، على أن تمتلك إثر ذلك ما افتقدته منذ نشوئها وهو «الإرادة الأخلاقية « في التعامل مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنشاء دولها المستقلّة ذات السيادة. عدا ذلك ستبقى الديمقراطية فلسفة تُباع لا تمتلك أسسا دولية خيّرة، وستحجب السياسات القاصرة التفكير العقلاني والعمل المنطقي، أمّا السياسة الاقتصادية الدولية، التي تسبّب الحرمان وتُعمّق التفاوت، فتواصلها باق بقاء أفراد العصابة المزوّدين بمركّب الغرور، والصورة التي تتّضح للعالم مفادها إخفاق مُخز للسياسة الدولية في إدارة الأزمات، وطمع لا محدود في خيرات البلدان، واشعال للفتن والحروب حيثما يكون النفط، أو حينما لا يكون مُزوّد النفط خاضعا لإرادة أمريكا وإسرائيل.
تلك سياسة بلا أخلاق بسببها جرت مصادرة طرق العيش الخيّرة التي دعت إليها الديانات السماوية، المُوجّهة لتعديل تصرّفات البشر وتقويم اعوجاجها ورفع أخلاقياتها. ويبدو أنّ تشكّل أخوّة إنسانية مشروط بإزاحة المتحكّمين في السياسة الدولية، كونهم مجموعة من الخارجين عن القانون والأعراف الإنسانية.
كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية