يجب للرحلة أن لا تنتهي

حجم الخط
7

يصدر الكتاب في القاهرة، ويطلبه قارئ من العراق على صفحته فيسبوك، فيتولى قارئ آخر الرد عليه، ويخبره أنه اقتنى الكتاب من مكتبة الأمان في زنقة المامونية في الرباط، بمساعدة صديق مغربي، وأنه أهداه لصديق لبناني يحضر أطروحة الدكتوراه في الجامعة اللبنانية، وأنه سيتصل به ليرى إن كان الكتاب لا يزال في حوزته ليرسله له.
تبدو القصّة عادية للبعض، لكنّها غير عادية لقارئ جاد يجتهد في البحث، وغير عادية بالنسبة لرحلة كتاب بدأت من القاهرة، ومرت بالرّباط، ثم بيروت، ثم انتهت في بغداد، هذه القصة تروي أهمية الكتاب وجدية القارئ الذي يبحث عن نوادر الكتب وأثمنها، وتضعنا أمام حقيقة القارئ الفعّال وأهمية القراءة كفعل مُنتَج في خضمِّ دوّامة التسويق، التي تخضع لها آلاف العناوين على تنوُّعها وتوزُّعِها بين رواية وشعر وقصة ونقد وعلوم أخرى.
إنها سفر لمادّة ثمينة، وفي أثرها يركض العقل لاقتناصها، وهذا لا يحدث مع كتب كثيرة، تصدر لتنتهي، أو تصدر لتثير زوبعة آنية تنتهي بعد فترة. إنّما تحدثُ مع جواهر الكتب، تلك التي قاومت الحروب، والغباء البشري، وحملات الإتلاف، وعقبات الحجر والعزل الجغرافي.
هناك سر قد يفهمه القارئ الجيد وحده، في دوّامة بحثه عن الكتب القيّمة التي تخدم بحثه، أو شغفه للمعرفة، وهو أن قيمة الكتاب تكمن في ما يحويه، أما متعة القراءة فحتما تبدأ بتلك المغامرة في أثر الكتاب، فقبل القراءة هناك استقرار و ثبات، وبعد القراءة هناك فلك كبير ينفتح أمامه. لهذا ارتطبت عناوين كتب كثيرة اهتمت بفعل القراءة بكلمة «لذة»، وهي كلمة ذات معنًى بعيد في المخيلة الاجتماعية عن المعقول، فاللذة حسب المفهوم المتداول مرتبطة بما هو حسي وملموس، وهي أقرب إلى المعنى الجنسي منها للمعنى العلمي، ومع هذا تقف حائرا فعلا أمام القراء الذين تمتعهم الكلمة، ويهيمون هياما في متن النصوص، كأن تجد دعوة جارفة للقراءة واكتشاف ناقد بحجم عبد الفتاح كليطو بعنوان يلامس اللامعقول « لذّة التسكُّع والحلم في المتون السردية الكبرى» لروث غروسريشارد، في مقالة مترجمة نشرت في «القدس العربي» بتاريخ 13- 14 يونيو/حزيران 2009 . توصيف لا يمكن لقراء الروايات الغرامية السطحية أن يمسكوا بزمامه، إنّه فوق إدراكهم واحتمالهم أيضا.
فما يحدث بالضبط مثل السّحر حين يقفز القارئ في بحر الكلمات، فيجد نفسه في عالم غريب، لا أفق له ولانهاية، وكما تسافر الكتب من بلد إلى بلد لتستقر بين يدي القارئ، يسافر القارئ إلى أبعد من ذلك. وهذا ما مكّنه من التّفوُّق على غيره. سبحان الله «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (الزمر 9).
ما يقال حول الكتاب والقراءة يقال عن الكاتب، فهذه الرّحلة التي يعيشها القارئ وهو يقطع مسافات وهمية تبنيها الكلمات في مخيلته، يعيشه الكاتب خلال انشغاله ببناء نصه، والغريب أن هذا الإبحار الغريب في هلام الكلمات والمعاني ماتع ولذيذ، سواء كان النّص حكاية أو نقدا أو تاريخا أو غيره. وهذا لا يعني أن سر «الكلمة» قد فكّ، فهناك سرّان مهما بحثنا فيهما سنبقى على مبعدة عظيمة عن فهمهما، وهما الكلمة والزمن، وهما أيضا ما يلزمان الكاتب لخلق عالمه وعالم نلجأ إليه حين نشعر أن الرّدم طمر الكثير من جماليات أرواحنا.
لا يشعر البعض بأي شيء حين يدخل مكتبة، بينما القارئ الحقيقي يرى جنته هناك، يقطع مسافات ليزور المكان على الأقل مرة في الشهر، يتنقل بين الرفوف الملونة ويقلّب بين العناوين والأسماء، ملمس الكتب في حد ذاته ملمس فيه متعة، رائحة الورق فيها عبق خاص لا يعرفه إلا مرهفو القلوب، أولئك الذين حاكت الكتب جزءا كبيرا من سلوكهم ومشاعرهم.
لكل كتاب حكاية، لو أننا تمعنا وبحثنا وتسامرنا مع مؤلفي الكتب، عن حواديت تورطهم في شباك الكتابة، وعن مولد الفكرة الأولى لكل كتاب، لوجدنا أن قصص ما قبل التأليف أيضا لها سحرها، ولأننا في زمن ينهي وظيفة الكاتب بمجرّد صدور نصه، ويترك للقارئ فرصته لإعطاء سمعة للكتاب، حسب تلقيه لمحتواه، فإن حكاية ما قبل تأليف الكتاب تقريبا ما عادت تعنينا. وأعتقد أن فكرة «قتل الكاتب» وإن خدمت النص على مدى سنوات طويلة، إلا أنها أساءت له، خاصة في بيئتنا نحن، فقد تابعت أشهر كتابنا في مقابلات تلفزيونية وهم يستعينون بسرد حكاياتهم مع قرائهم كدليل على نجاح كتبهم، وأدركت أن تلك الحكايات جزء من الترويج للكتاب، وكأن الكتاب في حدّ ذاته لا يكفي للترويج لنفسه، إنّما نحتاج لحكايات جميلة تغلفه قبل أن نهديه للقارئ المتعطش لمعرفة ما يخفيه الغلاف.
وأستطيع أن أجزم أن الترويج للكتاب هو كل ما يلزمنا لينهض القارئ من أمكنته المألوفة ويكتشف جديد الكتب. أقول هذا وقد صادفتني مقولة جميلة نشرتها مكتبة «تكوين» في الكويت، على موقعها في تويتر، لامست قناعاتي وهزّتني من الداخل لوليم هاورد غاس قال فيها «إذا كنت تكتب بشكل رديء سيصبح لك جمهور، وإذا كنت تكتب بشكل جيد سيصبح لك قراء». وفي اللحظة نفسها خطر ببالي أن بين الجمهور اليوم وبين القراء هناك « فولورز» لا يعرفون من القراءة شيئا.
أن يذهب الكتاب إذن في اتجاهين رحيمين به، أفضل من فقاعة الوهم الإلكتروني ومواقع التّواصل الاجتماعي، التي أنهت رحلته عند كبسة زر، وأوقفت سجالات كانت تثار حول محتواه عند لغة «اللايكات» وعددها، وكلّما ارتفع رقمها تضخمت أنا الكاتب، فيما سجّل الكتاب مزيدا من الخسارات، لأنه اختصر في مقولات يكررها الكاتب حتى التخمة على متابعيه. ذكرت هذا ربما في مقالتي السابقة حول هذه المقولات، لكنني لم أذكر أن الكاتب الذي اختصر نفسه في مقولات قليلة قتل نصّه، وأن وفاءه لهاتفه أو جهازه اللابتوب ولجمهور يطالبه بمزيد من الحكمة والاختصار، إنّما هو انتحار حقيقي، ومأدبة صاخبة أدخل فيها نفسه فقط ليموت.
أعتقد أن الكِتاب والكاتب والقارئ ثلاثية تحتاج لفضاء طلق، تحتاج لحركة، إذ في مفهومي البسيط المياه الراكدة سريعا ما تأسن، وتتحوّل إلى مادة سامة، وكذا عالم الكتابة، فمن من الكتاب لم يبدأ رحلته الأدبية برحلة حقيقية في الحياة؟ وأي الكتب نجحت ورسخت في المشهد الأدب العالمي، دون أن تكون خلاصة لرحلة إنسانية عميقة؟
إن عدنا للماضي حين كان الكتاب سيد أمسياتنا وعطلنا، فإن يوم اقتنائه فقط كان رحلة تسعدنا، ولا تزال تسعد جيلنا القارئ، وما زلنا نتوقف أمام المكتبات كلما سافرنا إلى بلدان أجنبية، ونتأمل الكتب بلغات نجهلها، ننظر إليها بحب، نعانقها بأعيننا فقط لأنها كتب.. وقد عشت تلك المشاعر الغريبة على سبيل الذكر في اليابان.
الأمر معقّد ربما، لكن مختصر الكلام يجب لرحلة الكتاب أن لا تنتهي.
شاعرة وإعلامية من البحرين

يجب للرحلة أن لا تنتهي

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية