الرواية امتحان للصدق الإبداعي

كان سؤال الصحافي الصديق محمد الرويلي كالتالي: روايتك ما قبل الأخيرة: 2084/حكاية العربي الأخير، التي تقول يأساً عربياً قاسياً، وحزناً تراكم حتى أصبح ممارسة يومية، ألا ترى أن رواية «العربي الأخير»، زرعت بدورها جزءاً من اليأس الذي تريد الوقوف ضده؟
ردة الفعل هذه، سمعتها تقريباً في كل المعارض والندوات العربية التي زرتها، حتى شككت في نفسي أن أكون العربي الوحيد الذي حمل تشاؤمه في قلبه ومضى نحو الرواية ليسمع صوته، فهي المساحة الأصدق في ظل انغلاق كل شيء. وكنت دائما أقدم الإجابات نفسها بالكثير من الحيرة معتذراً عن سوداوية لا تشبهني. هل وظيفة الكاتب أن يتفاءل لدرجة السقوط في الكذب. أعتقد أن الرواية هي امتحان لدرجة صدقنا تجاه الحياة. إما أن نكون نحن حتى داخل السواد، أو لا نكون، لا لأننا نحب السواد، بل لأننا لا نستطيع أن نقول روائياً غير ذلك. هذه الرواية تمنيت دائماً أن أكتبها، وكتبتها في ظرف صعب وشديد القسوة. سرق ويسرق من عمري يومياً الشيء الكثير.
أشعر بألم حقيقي، ليس روائياً فقط، لأني كنت ومازلت أرى الخراب مقبلاً، والمشكلة الكبرى هي أني لا أملك حياله أي حل حقيقي إلا الكتابة الروائية لفتح أعين الناس الهانئة في نومها، على شيء خطير ينسف بكل التاريخ العربي الذي بني في المائة سنة الأخيرة، قبل فوات الأوان في ظل خليط من الحروب المبهمة والصراعات التحتية التي يزكيها الذين لا يريدون خيراً للعرب، بل أكثر من ذلك، تدميرهم من الداخل. طبعاً لا لأن العدو قوي، ولكن لأن العرب يتوفرون على قدر كبير من البارود في دواخلهم ما يمكنهم من نسف أنفسهم. وكانت أمنيتي الوحيدة في الرواية ألا يحدث ما تصورته آتياً، وأن يكون مجرد نزوة روائية. وأبعدت لحظة الحدوث حتى 2084، أي نحو زمن لن أكون فيه شاهدًا. لأن تحمله بدا لي مستحيلاً. قد يبدو الأمر في «العربي الأخير» من باب التوقعات فقط التي لا تعني أنها حقيقة مطلقاً. عبارة عن قراءة خاصة، مخيفة، لكنها جادة تعتمد الأوضاع العربية المعيشة، والتاريخ، والمستجدات العالمية، والدرس الأنثروبولوجي والثقافي، والنفسي وغيره. لهذا قلت في الإجابة عن حيرة القارئ العربي: هذه الرواية صرخة يأس ضد آت مدمر، لن يكون رحيماً معنا، ولا بنا ولا حتى بأبنائنا. نحن نحضر له بشكل يكاد يكون قدرياً، الطريق الأملس ليطحننا جميعاً.
هي في كل الأحوال شهادتي عن عصر حاقد، لم ينس شيئًا من هزائمه، يريد محو العرب بعد أن محا، أو كاد، قضيتهم الإنسانية الكبيرة، فلسطين، وتحويلهم إلى قبائل متقاتلة، وهائمة في الصحاري. ما قاله بوش الابن الذي قتل الملايين من العراقيين، أنه سيعيد العراق إلى مائة سنة إلى الوراء، ها هو يعيد العرب كلهم إلى النقطة الصفر. القسوة قد تكون في الرواية، لكنها أكثر من ذلك، الرواية مجرد كتاب، يمكن أن يصادر أو يوقف أو يمنع أو يموت من تلقاء نفسه، القسوة في الواقع نفسه، الذي نعيشه اليوم بخوف غير مسبوق. حتى اتفاقيات سايكس بيكو كان يهمها تقسيم الأرض لضمان المصالح الاستعمارية، لكن الآلة الاستعمارية لم تكن ببغض وأحقاد اليوم. فقد حطمت الاتفاقية السرية الكثير من البنى المترسخة عربيًا، ومنها القبلية، لأن المصالح الاستعمارية كانت تقتضي ذلك، إذ كانوا يدفعون بهذه القبائل إلى الاقتتال لتوحيد قسري للتراب ليس حباً في العرب ولكن للاستيلاء على ما تحت الأرض لأنهم كانوا يعرفون جيداً أن الزمن المقبل مع بداية القرن الماضي لن يكون إلا نفطياً. لكن البلاد العربية، في ظل الصراع الأمريكي – الروسي والحرب الباردة، تطورت بشكل ما، بتسريب عناصر الحداثة في نسيجها الاجتماعي وهو أمر طبيعي، التي جعلت الكثير من البلدان العربية تخرج من نظام المجتمع الإقطاعي المتخلف فيما يتعلق بتسيير الدولة، قضية المرأة، التنمية، الحياة الاجتماعية الرغدة.
اليوم لم يعد هذا مقبولاً لأنه بدأ ينتج جيلاً حياً مطالباً بحقه في حياة أفضل وتحكم أجدر في ممتلكاته. وكان لا بد من هتك سايكس بيكو والدخول في عصر آخر، تمزيق الذات واللحمة التي تكونت في المائة سنة الأخيرة، والاتجاه بها نحوالعرقية البغيضة، والطائفية، وغيرها من أمراض العصر، وتدمير بنية الدولة حتى في صورتها الأكثر ديكتاتورية، وتمزيق البنية المجتمعية الداخلية، وهذا ما لا يراه العرب حتى اليوم، ويظنون أنه لا يعنيهم، لم يتدخلوا لإيقاف إراقة الدم، بل إن الكثير منهم زكوا هذا الدمار الممنهج، لأن ذلك لا يحدث إلا للآخرين، ونسوا أن الأرض العربية كلها مخترقة بهذه الحالات التي تشبه البارود ولا يكفي إلا عود كبريت صغير لينفجرالبرميل.
كان يمكن لجامعة الدول العربية، لو كانت لها حرية القرار، أن تلعب دوراً حاسماً في لملمة الجسد الممزق، لكنها للأسف زكته وأسهمت بدورها في تقنين الانهيار. لم تدرك الجامعة ولا العرب، أن كل قطرة دم تسيل، يهرقها عربي ضد أخيه، في حرب أهلية مدمرة، أو حرب بينية، ستتحول إلى أسلاك شائكة تفصل الأمة الواحدة بتعدديتها وتاريخها المشترك، إلى بلدان تقوم على أساس عرقي، إثني، أو ديني، أو طائفي.
لا أستغرب ذلك، فقد قرأنا الآخر الاستعماري بدقة، في غياب أي فاعلية لنا. وعرفنا ماذا نساوي، وما هي خلايانا المريضة ليتدخل فيها، لا لمعالجتها، كما نظن، ولكن لتسريع تدمير الصحيح فيها حتى يتآكل الجسد العربي المقاوم من تلقاء نفسه. كنت أعرف سلفاً أن الكثيرين لن يرضوا على هذه الرواية، لكني في النهاية لم أقل إلا ما أملاه علي ضميري ككاتب لا يريد أن يصمت أمام عالم يتهاوى، وأمام عالم عربي اختاره حضارياً ولغوياً وهو الفرانكفوني في بداية تكوينه، والأمازيغي الأندلسي في أصوله.
قيمة «العربي الأخير» أنها تحملت ما أردت قوله روائياً. نُرمى اليوم بلدانا وقبائل ومجموعات نحو تيه قد يستمر طويلاً، وقد لا نخرج منه في ظل العلاقات الدولية القائمة، سيكون شبيهاً بالتيه اليهودي، وربما أسوأ منه. نملك المال الكثير، عصب حياة اليوم؟ لكن ماذا فعلنا به للتحكم في جزء من عالم ظالم ولحماية أنفسنا استراتيجياً؟
هل اشترينا بنوكا كبيرة محددة لدورة المال؟
هل اشترينا مؤسسات إعلامية عالمية للتدخل في تغيير صورة العربي؟
ونعرف جيداً أن العصب الأساسي العالمي هو هذا بالضبط. أفكر أحياناً بيني وبين نفسي، ماذا لو كان العرب يملكون تصنيعاً نووياً، يتحكمون فيه، لا ينقصهم لا الذكاء ولا العقل ولا المال، هل كانت إسرائيل تحتل السماء العربية؟ تعربد على الأراضي العراقية واليمنية والسورية، أو تدفع بطائراتها حتى تونس وتقتل الكثير من الفلسطينيين وقادتهم هناك؟ هي تعرف جيداً أن النووي سلاح ليس فقط ردعياً ولكنه أيضاً استراتيجي، لهذا أجهضت كل البرامج النووية العربية وقتلت العلماء النوويين في ظل صمت عربي وعالمي متواطئ؟ أنا ضد القنبلة النووية كما يقول بطل الرواية آدم، ولكن على الجميع أن لا يملكها في عالم غير عادل ومجنون. خطئي الوحيد في «العربي الأخير»، هو أني أبعدت تاريخ السقوط إلى 2084، ونحن فيه. لننظر من حولنا قليلاً لندرك أن زمناً عربياً انتهى ويحل محله زمن عربي آخر شديد القسوة على نفسه.

 الرواية امتحان للصدق الإبداعي

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية