في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي خاطب الشاه رضا بهلوي السفارات والوفود الأجنبية لاستخدام اسم ايران بدلاً من فارس، والتسمية لم تكن جديدة، بل على العكس من ذلك، فإيران كلمة جرى استدعاؤها من تاريخ قديم للغاية، بينما فارس كانت التسمية التي عرفها العالم قروناً طويلة، وعلى الأقل منذ زمن الاسكندر المقدوني.
وربما تغاضى الكثيرون عن البحث في سبب هذا التسمية وتعميمها بهذه الطريقة، فالشاه لم يكن سوى المعادل الموضوعي لأتاتورك، وكلاهما أعطيا الإيحاء للمتابعين بتوقع كل شيء وأي شيء، فيما قدماه للعالم بوصفه مشروعاً إصلاحياً وبناء لأمة جديدة.
العامل النفسي لا يمكن أن يتغيب في حالة الشاه، الذي أسس الأسرة البهلوية القصيرة العمر والواسعة الشهرة، فالطفل اليتيم تربى في منزل أخواله القوقازيين في طهران، وبالتالي كان اصطلاح الفارسي بمعناه المحدد وسياقه الثقافي يجعله في وضعية الاختلاف والافتراق، وفي مجتمع يقوم على الهرمية الطبقية الشديدة، مقابل مجتمع يتصف بالانفتاح والحرية كالقوقازييين، فإن الشاه تعامل مع المسألة بإعادة هندسة التصور العام للبلاد وشعبها، ليستدعي إيران التي ترجع إلى العرق الآري، وهو الذي يجمع القوقازيين بالفرس في نقطة ما من التاريخ السحيق، وبذلك أحدث الشاه الإذابة النفسية لوجوده في المجتمع الإيراني، ولكنه أوقع فارس في تناقض مع هويتها، واستدعى هوساً امبراطورياً كان آخذ في التلاشي عبر فترة طويلة من الزمن، شهدت صعود الشعوب المغولية والتركية والمزاحمة السلافية بجانب التمدد العربي.
ما كانت فارس تطمح قبل الإسلام إلى السيطرة على المنطقة العربية، وفوق ذلك لم تكن هذه الرقعة من الأرض تشكل أي إغراء لطموحاتها، كما أن السلالات الحاكمة في فارس (ايران) لم تولِ منطقة الخليج العربي أي أهمية تذكر، حتى أنها كانت تتطلع لعمان واليمن لإطلالهما على بحر العرب، دون أي قيمة للخليج في ذلك الزمن، وبالطريقة نفسها لم تكن حتى تهتم بسواحلها على هذا المسطح المائي شبه المغلق، للدرجة التي سمحت بوجود إمارات عربية في صلب منطقة البر الفارسي، مثل إمارة لنجة التي حكمتها قبيلة القواسم، فالعقلية الإيرانية بقيت تعيش في أربعة محاور، الأول عبر العراق تجاه المتوسط، والثاني عبر الهضبة الأناضولية تجاه أوروبا، والثالث في آسيا الوسطى بوصفها الحاجز الطبيعي عن الروس وطموحاتهم، والأخير عبر الجبال الأفغانية تجاه السند (باكستان)، وأمام هذه الأجندة المزدحمة والحبلى باحتمالات الصراع تغيب الخليج كله عن التصور الوجودي والاستراتيجي الايراني.
نقطة التحول الأساسية أتت في الثلاثينيات، مع ظهور النفط والتيقن من أن الخليج بأسره هو بحيرة نفطية تعد الأثرى بالذهب الأسود في العالم، وفجأة تذكرت ايران أن البحر المغلق والمهمل، الذي جرت العادة على تسميته بالخليج الفارسي، يمكن أن يساوي عملياً جميع المحاور الأخرى التي استأثرت بالاهتمام الايراني تاريخياً، عدا عن أنه لم يكن يمثل تحدياً كبيراً كالذي تمثله المحاور الأخرى الكثيفة سكانياً حول ايران، وبالفعل بدأت عروض الشاه وابنه من بعده تتوالى لتقديم أنفسهم في موقع الوصاية على المنطقة، ممثلين لطموحات لم يكن ممكناً في تلك المرحلة وصفها بالفارسية، وما كان يمكن تصريفها إلا في إطار إيراني قائم على نظرية تفوق عرقي واستدعاء امبراطورية متسعة ومختلفة عما يحيط بها، ولذلك لم تفكر الثورة الإسلامية في العودة لتسمية البلاد (فارس) مع أن هذا المصطلح يمتلك عمقاً إسلامياً أصيلاً، وأبقت على ايران التي تعبر عن الحلم الشاهنشاهي.
كانت نوايا بريطانيا الانسحابية، وتهيب الأمريكيين من الوجود في المنطقة كبديل للاستعمار التقليدي، يعززان من الطموحات الإيرانية، إلا أن القبائل العربية المركزية في منطقة الخليج استطاعت أن تشكل إمارات ارتجالية، استطاعت أن تشكل نواة لدولة حديثة، وحتى في النموذج الوحيد تقريباً الذي لم يكن يمكن أن يعبر عن زعامة قبيلة بعينها في الكويت، فإن الكويتيين تدبروا المخرج الخاص بهم، من خلال تحاصص السلطة والثروة داخل نظام يشبه النظم الأخرى في الجزيرة العربية.
وبدأ مصطلح الخليج العربي يتعزز مع الوقت ليصبح مع تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينيات مرتكزاً على معادلة البوابة الشرقية (العراق) والمخزون البشري (اليمن) ومستعيداً مصر بنهاية التسعينيات، كياناً يقف في مواجهة الطموحات الإيرانية، ولكن الثمانينيات المشرقة التي شهدت أيضاً انتصاراً عراقياً كبيراً على ايران، انتهت مع كارثة غزو العراق للكويت لتعيد لإيران الفرصة لاستعادة وضعها الاستحواذي والوصائي، وتواصلت الحملات الايرانية لمحاصرة المنطقة عبر الطوائف الشيعية المختلفة، وتنازلت ايران في المقابل عن حصتها من النفوذ الطبيعي في آسيا الوسطى، لكل من تركيا وروسيا مقابل أن تركز على منطقة الخليج.
تتابع الانهيارات في العراق واليمن ودخول مصر في معترك الربيع العربي، كلها عوامل أنضجا الطموحات الإيرانية وأوصلتها إلى مرحلة غير مسبوقة، وفي المقابل قامت دول الخليج العربي باستدعاء جميع الزخم الرمزي، لمعركة مع خصم يقوم على الرمزية المفرطة، واستدعاء ماض ممتد، مقابل القليل جداً من الماضي الرمزي الخليجي، الذي عانى أصلاً من التهميش في ظل منظومات الحكم الإسلامي والعثماني المتعاقبة، فكانت الدولة العثمانية لا تنظر لملامح الفقر والحاجة في الخليج، مقتصرة باهتمامها على تأمين طريق الحج وحمايته، وفي النهاية لم يكن الخليج العربي يمتلك سوى الهوية المذهبية ليشهرها في مواجهة ايران، ذلك أن الحركة الوهابية مثلت في مرحلة ما أول تصور ممكن لبناء فلسفة حياة ودولة، وكانت حركة جذرية العودة للأصول، مقابل التعقيدات والمتاهات التي تطرحها المذاهب الصوفية والشيعية.
فجأة يتحول الصراع إلى مذهبي، بعد أن كان منحصراً في لعبة النفط والثروة، ولم يتساءل أحد ماذا لو كانت منطقة الخليج دون أي نفط إلى اليوم، كيف كانت ستمضي الأمور، ومن كان سيهتم بسكانها واحتياجاتهم، وهنا تكمن العقدة الكبيرة، التي تجعل منظومة الخليج العربي مستعصية ومستغلقة على الفهم من قبل من يعيشون خارجها، فالإنسان والدولة في الخليج كانا موضوعاً للمعاناة المستمرة، من التنافس الدائر على الحجاز والإهمال الكامل للخليج، لدرجة انسحاب القوات المصرية من المنطقة في القرن التاسع عشر، لأن ابراهيم باشا وصل بحساباته إلى أن أقصى العوائد الضريبية والجبائية، التي يمكن أن يحصل عليها من قبائل شرق الجزيرة العربية والخليج، لا يمكن أن تغطي تكلفة إعاشة جنوده، ولم يفكر ابراهيم باشا ولا الدولة العثمانية في أن يؤسسا لحالة من الإنتاج والبنية التحتية، التي يمكنها أن تؤسس لسبل العيش الكريم في الخليج.
أزمة الخليج الراهنة، وبكل تداخلاتها حول ايران وتركيا ومصر، تبقى أزمة خليجية في الأساس، لا يستطيع أحد أن يزعم قدرته على تفهمها بالكامل، أو الإحاطة بجميع ظروفها، واللغة التي يتحدثها السعوديون والقطريون والكويتيون، مع أنها بحروف عربية، إلا أنها محملة بخصوصية تجعل من الأفضل على المحيط العربي أن يكتفي بالأمنيات الطيبة للوصول إلى التفاهم وتجاوز الخلاف القائم، أما المجتمع العربي ككل، فعليه أن يتوجه لتحليل من في موقع الخصومة على الضفة الأخرى من الخليج، ايران الإمبراطورية أم فارس الحضارة؟
كاتب أردني
سامح المحاريق