السفيرة، مليحة لودي، الممثلة الدائمة لباكستان لدى الأمم المتحدة، من أنشط السفراء المعتمدين لدى الأمم المتحدة. فإضافة إلى أنها تمثل دولة نووية فهي تمثل أيضا مجموعة دول منظمة التعاون الإسلامي والمجموعة الآسيوية. كما أن جل اهتمامها منصب على ثلاث مسائل: كشمير وفلسطين وإبعاد شبهة الإرهاب عن الإسلام والمسلمين لأن المسلمين هم الضحية الأولى للإرهاب.
درست مليحة في إسلام أباد وكلية لندن للاقتصاد، حاصلة على الدكتوراه في العلاقات الدولية عام 1980 وقامت بالتدريس في الجامعة نفسها لغاية عام 1985. عملت مليحة سفيرة لبلادها في العاصمة الأمريكية واشنطن بين عامي 1993 و 1996 ثم بين عامي 1999 و 2002. كما عملت سفيرة لباكستان في المملكة المتحدة بين عامي 2003 و 2008.
كانت لودي عضواً في الفريق الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان لشؤون نزع السلاح بين عامي 2001 و2005. وكانت أول سيدة تتولى رئاسة تحرير جريدة وطنية في آسيا (المسلم ثم ذي نيوز). ورشحتها مجلة تايم عام 1994 كواحدة من 100 شخص في العالم سيؤثرون على مجريات السياسة في القرن 21. والدكتورة مليحة عضو في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية ومقره لندن وعضو في مجلس إدارة جامعة باكستان الوطنية للدفاع وعضو في المجلس الاستشاري حول الشرق الأوسط لكلية لندن للاقتصاد وعضو مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي. كما عملت زميلة باحثة في السياسات العامة في مركز ودرو ويلسون للباحثين الدوليين وزميلة محاضرة في كلية كندي، جامعة هارفارد عام 2008. حصلت على جائزة رفيعة من باكستان تدعى «هلالي إمتياز» للخدمات العامة وعددا من الشهادات الفخرية من عدة جامعات.
نشرت باللغة الإنكليزية عدة كتب منها «مواجهة باكستان مع الديمقراطية والتحدي الخارجي» و «باكستان: ما بعد دولة الأزمة». وعينها رئيس الوزراء الباكساني نواز شريف ممثلة دائمة وسفيرة باكستان لدى الأمم المتحدة في شباط/فبراير 2015.
حول هموم العالم الإسلامي والقضايا الملحة على جدول أعمال الأمم المتحدة التقت «القدس العربي» السفيرة الباكستانية وأجرت معها الحوار التالي:
■ باكستان دولة مهمة، البعض يتهمها بأنها تتساهل مع الإرهاب. كيف يمكن دحض هذه التهم وإظهار حقيقة أن المسلمين هم ضحايا الإرهاب؟
■ باكستان تعيش الآن لحظة حاسمة في تاريخها بعد أن واجهت العديد من التحديات. وأهم تلك التحديات الأمن والاقتصاد. لقد طوت باكستان الصفحتين معا. فالوضع الاقتصادي مستقر وهناك نمو اقتصادي واضح بدأ يجذب رؤوس الأموال العالمية. وعلى جبهة الأمن، فبالرغم من أننا ما زلنا ننتظر نهاية الحرب الطويلة في جارتنا أفغانستان، إلا أننا تمكنا من هزيمة قوى الإرهاب والإنغلاق والتطرف. لكن الحرب في بلدنا ضد الإرهاب قد لا تنتهي نهائيا دون أن تنتهي تلك الحرب الطويلة في أفغانستان. منذ كارثة 11 أيلول/سبتمبر ما زلنا نقول ونكرر إن الحل في أفغانستان سياسي وليس عسكريا بل وإننا نعتقد أن الحل العسكري قد استنفد تماما. كل محاولات الحل بالقوة لم تجد نفعا. قلنا منذ البداية إن أفضل الحلول هو الذي يشمل عناصر المعارضة والعمل على ضمهم للتيارات السياسة العامة. كلفت هذه الحرب الشيء الكثير من المعاناة والضحايا من الأبرياء وجلبت الكثير من الحزن والألم ليس فقط لأفغانستان بل ولباكستان أيضا لما تتركه من آثار على بلدي المجاور. ما زال في بلدي أكثر من مليوني لاجئ فروا منذ حرب تحرير البلاد من الاحتلال السوفييتي. وقد رحبنا بهم في بلادنا كنوع من واجب الأخوة والواجب الإنساني. أحيانا نـتهم بأننا لم نقم بما فيه الكفاية في محاربة الإرهاب وهذه التهمة تطلقها جماعات ذات مصالح معينة لأن الحقيقة هي أنه لا توجد دولة قدمت أكثر من باكستان في محاربة الإرهاب وتفكيك قواعده ومحاربة «القاعدة». هذا لا يعني أنه ليست هناك بقايا للقاعدة في منطقتنا لكن قوتها الآن لا تقارن مع ما كانت عليه قبل 16 عاما. من المفروض أن يتم توجيه الشكر لباكستان على ما قدمته، وهي قدمت هذه التضحيات لأن ذلك من مصلحتها وخسرت عشرات الآلاف من الضحايا. لقد أصبحا فعلا هدفا للإرهاب ولكننا تصدينا لذلك التحدي بمجموعة خطوات عملية لدرء ذلك الخطر الذي يعني أن هناك تكلفة لا بد من دفعها. قمنا بذلك ونحن على قناعة بضرورة سحق آخر إرهابي من منطقتنا. كثيرون يقتلون باسم ديننا الحنيف لكن لا يوجد في ديننا الإسلامي ما يبرر قتل إنسان بريء على الإطلاق. سجل باكستان إذن مشرف في هذا المجال. دفعنا ثمنا باهظا بالدم والمال والعتاد والاقتصاد.
■هناك قوى وخاصة في الغرب تحاول توجيه التهمة للإسلام نفسه بدل التركيز على الجرائم والمجرمين الذين يرتكبونها. التطرف موجود في كل الأديان لكن لا أحد يتهم أي دين بأنه يشجع التطرف والإرهاب. فكيف يمكن أن نرد على هذا التوجه علما أن المسلمين هم أولى ضحايا الإرهاب؟
■ نحن نتكلم في الأمم المتحدة. نتكلم عما هو مقبول بشكل عام لكل الدول الأعضاء وينعكس في القرارات التي تتخذ هنا وفي النقاشات التي تدور هنا وفي آليات محاربة الإرهاب التي نتفق عليها. وفي كل هذه التوجهات الدولية لا أحد يربط بين الإرهاب وأي دين بما في ذلك بالطبع الإسلام. إذن هناك إجماع هنا في الأمم المتحدة حول هذه المسألة. ولكن بالرغم من الإجماع إلا أن هناك من يسعى من أصحاب المصالح لتشويه ديننا الحنيف ويوجه له التهمة رابطين بين الإرهاب والإسلام. نحن نرفض مثل هذا الربط لأنه ببساطة لا توجد أي قاعدة له. إن هذا التوجه نوع من العنصرية والتمييز ومعاداة المسلمين. لكن الحقيقة واضحة تماما هنا في الأمم المتحدة فلا أساس للربط بين الإسلام والإرهاب.
■ هل وجدت لهذه الرسالة صدى إيجابيا هنا في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟
■ بالتأكيد. فعندما نجري نقاشا هنا حول هذا الموضوع نسمع باستمرار حتى الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في بياناته ما يعكس هذا التوجه. وقد ألقى بيانا مؤخرا حول إصلاح الأمم المتحدة وإنشاء دائرة لمكافحة الإرهاب أكد فيه على ضرورة عدم ربط الإرهاب بأي دين أو عرق أو عقيدة. وهذه الرسالة تتكرر في كل كلمات الوفود. هناك دوائر خارج الأمم المتحدة تكرر تلك المقولة التي تربط الإرهاب بالإسلام وقد شاهدنا نمو ظاهرة الإسلاموفوبيا والزينوفوبيا أي كره الإسلام وكره الأجانب، وهاتان الظاهرتان مترابطتان. نحن نرفع أصواتنا ضد الإسلاموفوبيا. وباكستان تقف في الصف الأمامي من دول منظمة التعاون الإسلامي لمحاربة الإسلاموفوبيا هنا في نيويورك وفي مجلس حقوق الإنسان في جنيف. وهي أحد رعاة مشروع قرار يعتمد كل عام حول انسجام الحضارات وتعاونها وإجراء الحوارات بينها كي نحسن التفاهم مع بعضنا البعض لا أن نحكم على دين عظيم من تصرفات حفنة من المارقين.
وأريد أن أضيف شيئا هنا، أن التدخل العسكري الخارجي في العالم الإسلامي مثل العدوان غير القانوني على العراق الذي لم تشرعه الأمم المتحدة ولا يوجد له أي سند قانوني، وقد عارضته بلادي، تلك التدخلات العسكرية تركت نتائج على الأرض، آثارا ومظالم واضطرابات نراها أمام عيوننا الآن وزادت اللهيب الذي يعتمل في الصدور اشتعالا. هذه التدخلات والاحتلالات ساهمت في تأجيج المشاعر. هم لم يتعمدوا مثل هذه النتائج ولكن عليهم أن يكونوا حذرين كي لا تترك أعمالهم مثل هذه النتائج غير المقصودة.
■ عندما كنت أعمل في بلادك مع الأمم المتحدة عام 2001 وجدت موضوعين عزيزين على كل قلب: كشمير وفلسطين فهل ذلك صدفة؟
■ السؤال الذي نثيره نحن في العالم الإسلامي: هل هي صدفة أن يكون أقدم صراعين على أجندة الأمم المتحدة ينتميان للعالم الإسلامي؟ فلسطين وكشمير. لماذا؟ هناك قرارات واضحة معتمدة من مجلس الأمن حول المسألتين ورغم هذا فما زال الصراعان غير محلولين والقرارات غير منفذة. فالناس عندنا يسألون لماذا؟ لماذ لم يتحرك المجتمع الدولي بحزم لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة كما فعل في مسائل أخرى؟ بالنسبة لكشمير فإننا نطلق عليه «المهمة الناقصة لعملية التقسيم» فقد طلب من الهند وباكستان أن ينهيا المهمة عن طريق عقد إستفتاء لأهالي منطقة كشمير إنطلاقا من مبادئ الديمقراطية. كل ما هو مطلوب عقد استفتاء للشعب في كشمير حسب قرارات مجلس الأمن لتقرير مصيره بحرية. هذا موضوع لا يتعلق بمسألة حدود أو أرض بل بمستقبل شعب وبشر. وموقف باكستان واضح هو أن من حق الشعب في كشمير أن يقرر مصيره وسنقبل بأي نتائج يسفر عنها الاستفتاء الحر. ولذلك نثير هذه المسألة دائما في الأمم المتحدة ونعمل على جذب انتباه الدول الكبرى لما يجري في كشمير التي يعاني أهلها منذ 70 سنة.
■ كانت هناك ثلاثة قرارات لمجلس الأمن في الأعوام1947 و 1948 و 1949 حول كشمير ثم اختفى بند كشمير من جدول مجلس الأمن الدولي كل هذه السنوات. لماذا؟
■ لم يختف تماما. بقيت هناك محاولات خلال العقدين اللاحقين لإيجاد آليات لحل النزاع وتحديد الدور الذي يمكن للأمم المتحدة أن تلعبه في الحل. ثم رأينا دولة كبرى من دول الفيتو تمنع عرض المسألة على مجلس الأمن. وقعت مسألة كشمير ضحية المنافسات الجيوسياسية بين الدول الكبرى بعيدا عن العدالة. وهو ما حدث مع فلسطين تماما. فمسألتا كشمير وفلسطين يجب أن تحلا حسب القانون الدولي ومبادئ العدالة والأخلاق وقرارات مجلس الأمن والتي تمثل الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي. لكن الموضوعين مهمشين بينما نشاهد السرعة في التعامل مع مسائل أخرى وإيجاد الحلول لها. فالشعبان الفلسطيني والكشميري يعيشان المعضلة نفسها ولذلك يشعران بالتعاطف مع بعضهما البعض. فالصراع في البلدين متشابه تماما. والوعود بالحلول في الحالتين متشابهة والانتهاكات لحقوق الإنسان في الحالتين لا تطاق. وليس غريبا أن يشعر الشعبان بالتضامن مع بعضهما ويشعران بالمعاناة والألم نفسه. الشعبان وعدا بحق تقرير المصير وتلك الوعود لم تحترم ما أدى إلى وضع أمني متفجر في الشرق الأوسط وفي منطقتنا الآسيوية. فانتهاكات حقوق الإنسان هذه الأيام في كشمير غير مسبوقة لدرجة أن النيويورك تايمز طرحت الموضوع في إحدى افتتاحياتها.
منظمة التعاون الإسلامي ما فتئت في كل اجتماع تعبر عن تضامنها مع قضية كشمير ونحن نثمن التضامن الإسلامي. ما نريده من المجتمع الدولي هو أن يتجاوب مع الحلول في فلسطين وكشمير ليس لأنهما قضيتان تتعلقان بالعدالة بل أيضا لأسباب براغماتية لأن عدم حلهما سيبقى يسبب مزيدا من القهر والغضب ويتسع ليشمل دولا أخرى. وكما تعرفون أن الخلاف حول كشمير هو خلاف بين دولتين جارتين نوويتين. فمن الأفضل أن يحل النزاع بالطرق السلمية وأي طريق نسير فيها غير الحل السلمي قد يكون خطيرا وربما خطيرا جدا.
■ هناك تحد وجودي لقضية فلسطين. ما الذي يمكن عمله الآن لإبقاء القضية حية؟
■ إن بلدي سيبقى واقفا مع قضية الشعب الفلسطيني ولن يتخلى عنها. سنبقى ندعم وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ونساهم في عملها. لكن الجواب على سؤالك هو في وحدة الأمة. ليس فقط وحدة بالكلام بل بالعمل. نبدأ أولا بوحدة الموقف ثم نتفق على أجندة عمل. فمثلا الوضع في غزة على مأساويته مهمل تماما في الإعلام الغربي. على منظمة التعاون الإسلامي أن تقف مع حق الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه وتحقيق العدالة والحرية التي يستحقهما. نعم هناك العديد من التحديات التي تواجه العالمين الإسلامي والعربي، ما نراه اليوم أولا الفرقة والشقاق بين دول هذه المجموعة يجب أولا علاج هذا التفرق والتشتت والخلافات. وعلى دول العالم الإسلامي أن تتجاوز مشاكلها وخلافاتها وتتحد حول ما يجمعها ويوحد كلمتها.
حاورها: عبد الحميد صيام