ثمّة في مدوّنة النقد العربي اليوم، خلط كبير بين مصطلحات شتّى يأخذ بها البعض بمن فيهم كبار الشعراء والنقّاد، من دون تثبّت أو تدقيق، ويبنون عليها فروضا ونتائج يجعلون منها مسلّمات وحقائق لم تنغمس في الشبهات. من ذلك تقرير أدونيس وغيره أنّ الشعر العربي الأقدم شعر شفويّ، وحجّتهم لذلك طريقة الشعراء في الإنشاد. والحقّ هم يغفلون عن أنّ الإنشاد طريقة مخصوصة في أداء القصيدة، يستشعر بها المنشد الأشياء، ويحاول بإنشاده أن ينقل هذا الإحساس إلى جمهوره؛ وليس هو القصيد مكتوبًا. وقد كان الإنشاد ولا يزال ملازما للشّعر،على نحو ما تلازم التّلاوة القرآن؛ إمّا لأنّ الإنشاد يجلو المعنى أو يرفده، أي المعنى المضمر الظّاهر في آن، الذي مصدره المنشد وهو يراوح بين «مقامات» و«أدوار»، كأن يعلو صوته حيث ينبغي له أن يعلو، وينخفض حيث ينبغي له أن ينخفض، إمتاعا ومؤانسة. على أنّ متعة المنشد من متعة الجمهور، ومتعة الجمهور من متعة المنشد. فهناك منشد ومنشد له هو الجمهور. وهذا لا يستدعي ضرورة حضور الشّاعر، فالحضور يمكن أن يكون متخيّلا. وكان أبو تمّام لا ينشد شعره دائما، لحبسة أو تمتمة فيه.
إنّ المنشد هو هذا «الثّالث» سواء كان الشّاعر نفسه أم الشّخص الذي ينوبه، وهو يتوجّه إلى منشد له. فيعمد المنشد إلى عبارات وحركات ومراجع مضمرة مرصودة لهذا الثّاني، صائرة إليه. ولعلّه وحده، وهو المقصود بها، القادر على فكّها وإجلائها. ذلك أنّ الإنشاد شأنه شأن اللّغة أو تلاوة النّصّ الدّيني، فيه نصيب من الخياليّ ونصيب من الرّمزيّ. وقد يتناسبان طردا وعكسا.
وهناك ما يسمّيه علماء النّفس قوانين «العقل الباطن» الخاصّة بكلّ فرد، وهي التي تحدّد المعنى اللّغوي لديه. وهذا لا ينتظّم على مقتضى النّظام النّحوي أو التّركيب وحسب، فللإنشاد قوانينه الخاصّة التي تفرض نفسها على المتلقّي ـ السّامع دون أن يعيها ضرورة. والأمر من هذا الجانب أشبه بالموسيقى التي يمكن أن يسمعها المرء دون أن يستمع إليها، أو بصلاة الجماعة وما يتخلّلها من تلاوة أو ترانيم كثيرا ما تؤدّى بصورة لاإراديّة.
مهما يفعل المنشد إذن فإنّ المتلقّي هو الذي يضفي دلالة خاصّة به على النّصّ المؤدّى، على الرغم من أنّ للكلمات والحركات دلالات شتّى تتعلّق بهذين الطّرفين معا أو هي قواسم مشتركة بينهما. ومن المفيد ألاّ نغفل استجابة السّامع وهو يتواصل مع المنشد، إمّا بإشارات مسموعة أو إيمائيّة، أو بما هو من دخائل الجسد مثل الإشارات الكيميائيّة أو الحراريّة؛ فضلا عن قنوات الاتّصال المعروفة مثل السّماعيّة والمرئيّة، فالسّمعيّة تدرك النّصّ المؤدّى المسموع كلاما ونبرة وإيقاعا، فيما المرئيّة تضبط لغة الجسد من خلال الوضعيّات والمواقف التي يتّخذها، أي من خلال ما يسمّى «المخبر السّكوني.
على أنّنا لا نغفل استجابة السّامع وهو يتلقّى ولا يتكلّم، فلصمته شأن، حتّى إن كنّا لا ندرك كنهه وهو الذي لا ينهض على حامل لغويّ محسوس.
فإذا تحوّلت القصيدة إلى نصّ يقرأ، كنّا حيال «صـمت» من نوع مختلف، إذ ننتـقل مـن نمط من التّـقبّـل إلى آخر. ومـا يمتع أو يفيد في حال السّماع والإنـشاد كلّــما استغـرق المتلقّـــــي فـي «صـمته» أو أسـلـم نفسه لرقابـة «أذنه الدّاخليّة» أو لخيـاله قـد لا يـمتع أو يفيد في حال القراءة أي قراءة النّصّ مكتوبا.
ما يعنينا في طقس الإنشاد أنّ التّعبير الكتابي»ينفصل» عن التّعبير الشّفوي، وكلّ منهما يستخدم قواعد خاصّة به. وربّما كانت الفجوة بينهما أكثر اتّساعا في القديم، خاصّة في سياق لغة مثل العربيّة الفصحى التي كانت لغة «فنّية عليا» أو لغة مقدّسين: الشّعر الجاهلي والقرآن. ترجع الفجوة بين التّعبيرين إلى الأسلوب الذي يتوخّاه الشّاعر في حال الإنشاد، وليس إلى انعدام الاتّصال الجسدي بين الشّاعر وجمهوره في حال الكتابة. إنّ اللّغة المكتوبة تستهدف الدّقّة والإيجاز والاقتضاب. وهي غالبا ما تناله بسهولة أكثر، وبطرق أيسر من الكلام الشّفوي، لأسباب بعضها مردّه إلى الإيقاع الوزني، وبعضها إلى طقوس الكتابة، إذ بإمكان الذي يكتب ويحرّر أن يعيد القراءة وأن يعدّل ويشطب ويحذف ما هو حشو أو فضول قول أو إفاضة.
أمّا في حال الشّفوي فإنّ الأشكال التي تطغى أو تهيمن إنّما هي أشكال العرض عرض عمل ما أو تقديمه. ويمكن أن نضيف إليها في حال الإنشاد التّنبير، وكلّ ما هو وجدانيّ أو عاطفي أو تعبيريّ أو حركيّ أو إيمائيّ. وإذا كان ذلك كذلك فإنّ الإنشاد ينقل الكلام من جسم اللّغة إلى لغة الجسد، الأمر الذي يجعله، في الجانب اللاّفت منه، طقسا من طقوس الأداء أو الفرجة.
والسّؤال هو إن كان ما نسمّيه «لغة الجسد» لغة حقّا؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فإلى أيّ حدّ يصحّ القول إنّ الحركة أو الإيماءة كلام أو بمنزلة الكلام من هذه»اللّغة»؟ ولنبدأ بالشّاعر المنشد وما يأتي من حركات وإيماءات. ونحن نعرف أنّ الشّاعر يستخدم علامات لغويّة تواطئيّة لاشكّ. ولكنّ وظيفتها الأظهر مرجعيّة، أو هكذا يتهيّأ لمتقبّلي الشّعر. أي أنّها علامات تحـيـل على وقائع معيشة أو متخيّلة أو على حقائق مفهوميّة، لأسباب لا يتّسع المجال للبحث فيها، مثل مقابلة المقولات الاستعاريّة بأوضاع العالم وهيئاته ومقاماته وأشيائه. فإذا كان الأمر على هذا النحو، فلم يحتاج إلى الإنشاد؟ لعلّ الجواب الذي يتبادر إلى الذّهن أنّه لا يكفي أن يكون القانون اللّغوي مشتركا، حتّى يكون كاملا خاليا من العيوب والشّوائب. فقد يتواصل المنشد والمنشد له ولكن دون أن يتفاهما. ذلك أن هذا القانون محدّد بوضع الفرد الاجتماعي وعمله وجنسه، وبقيمه ومثله ومشاعره ورغائبه.
إنّ القانون، باختصار، هو مجموع العلامات وقواعد تركيبها المستخدمة لـتأليف رسالة ما. وأمّا المرجع فهو وضع الأشياء التي تحيل عليها الرّسالة. وعليه فما هي العلامات التي تتيح للسّامع أن يتقبّل الرّسالة مرئيّة، انطلاقا من الحركة التي يأتيها الشّاعر المنشد؟ وكيف يتفاعل مع هذه الرّسالة، وبأيّة لغة يترجمها؟
الحقّ نحن لا نملك، في تراثنا، شيئا يعتدّ به عن هذا النّمط من القراءة، فلا أحد من القدماء درس هذه الظّاهرة، ماعدا إشارات وشوارد تتعلّق بالحكاية أو بفنّ القصّ. ولعلّها أقرب إلى الأداء المسرحي منها إلى الأداء الشّعري. ولا نظفر إذن بضالّتنا إلاّ عند المعاصرين. فقد درس»بردويسل» تعبيريّة الحركة، ما أتاح له إبراز مختلف دلالاتها. وتقوم طريقته على فحص حدود الحركة النّاجمة عن فيزيولوجيا الفرد، وتحليل وحداتها في حال إرادة التّعبير، فالبحث في دلالة الحركة في ثقافة بعينها، لكنّ هذا الإجراء خطّي، فيما الحركيّة ليست كذلك، خاصّة في الإنشاد. وعليه فإنّ مدارسة الحركة تستقيم كلّما أخذنا بالاعتبار الزّمن الذي تتأدّى فيه، والحيّز الذي يحويها، والفعاليّة التي تأخذ بها. فلعلّ هذا ممّا يساعد على فهم الإنشاد، وإن كان من الصّعوبة الوقوف على أبعادها متّحدة، لغياب أيّ وصف دقيق لطرائق الإنشاد.
في سياق كهذا يمكن أن نتخيّر المحور الزّمني والمتغيّرات الفضائيّة. ونسأل ما هي اللّحظة الحاسمة التي تتدخّل فيها الحركة؟ وأيّ حيّز تشغل؟ وإلى أيّة جهة تمضي؟
وهناك أكثر من فرضيّة تجمع بين متغيّرات الحيّز ومتغيّرات الحركة، وطريقة التّحكّم في متناقضات المتواصل والمنقطع، والآني والزّمني في رمزيّة الحركة. ولعلّ أكثرها إغراء تلك التي يأخذ بها هاريسون، فهو يحاول أن يدرج قراءة الحركة في ما يسمّيه «القانون الحركي» وهي أربعة قوانين:
قانون الفاعليّة وهو يحوي كلّ الحركات التي يؤدّيها الفرد بجسده، بما في ذلك المولّدات الصّوتيّة غير الكلاميّة مثل الهتاف والضّحك والتّأوهّ.
وقانون المكمّلات أي ما يمكن اعتباره توابع ولواحق تتعلّق بوسط الفرد والأشياء التي يستخدمها (العصا مثلا في الثّقافة العربيّة القديمة، عند أداء القصيدة أو الأغنية أو الخطبة).
القانون الزّمني المكاني أي توظيف الفضاء أو الطّريقة في حدّ المسافة أو الإشارة إليها بواسطة الإيماءة.
وقانون وسائل الاتّصال أي كلّ ما يمكن للفرد أن يتواصل به. ومثال ذلك الفيلم والصّورة والملصقات… في الأداء الشّعري. والحقّ أنّنا يمكن أن نلحق هذا القانون بالقانون الثّاني (المكمّلات) فليس ثمّة كبير فرق بينهما، ووسائل الاتّصال مكمّلات ليس إلاّ.
وفي السّياق ذاته يدرج آخرون الحركة واللّغة الموازية (نبرة الصّوت والجرْس، والضّحك…) والحركة إنّما هي حركة الجسد وما يتعلّق بها من خصائص فيزيولوجيّة ومن تصرّف الأفراد أو سلوكهم أي مجموع استجاباتهم لما يحيط بهم من ظروف وملابسات، في حال العلاقة الجسديّة بين بعضهم بعضا .
في ضوء ما تـقدّم، ندرك إذن مدى الصّعوبة في دراسة الحركة والإيماءة، وهي أساس في الإنشاد، معزولة عن سياق الكلام أو اللّغة من جهة، وعن وسطها من جهة أخرى.
وتزداد الصّعوبة كلّما حاولنا أن نصل القوانين التي تنتظـــــم الحركة والإيماءة والمحاور التي تدور عليها، بمختلف دلالاتها عند المنشــــد له. وربّما ذلّلنا بعضها، كلّما أمكن أن نميّز بين دلالة مطابقة (علامة) ودلالة حافّة في هذه الحركة أو الإيماءة.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي