حفتر المشير: تتزحزح الجبال ولا يتزحزح!

حجم الخط
14

 

المشير خليفة حفتر، قائد ما يُسمى «الجيش الوطني الليبي»، لا يخالف كثيراً سلسلة السلوكيات النمطية، القياسية بالتالي، التي تتلبس جنرالات العالم الثالث، عموماً؛ حين يأنس أحدهم في نفسه قدرة عجائبية على الاستئثار بمصير بلد بأسره، وقيادة الشعب فيه، وصناعة التاريخ… ليس أقلّ! ويحدث، في بعض أبرز ما تتضمنه تلك السلسلة، أن يتغافل الجنرال عن وظيفته الأولى العسكرية، التي يتوجب أن تمكث في الثكنة أو ميدان القتال دفاعاً عن الوطن؛ فينزلق خلف حسّ عظامي مريض، مفاده أنّ التاريخ لا يصنعه عسكري إلا إذا قذف بالمدنيّ إلى الصفوف الخلفية.
هذه حاله اليوم، أكثر من أيّ طور سابق منذ أن «انشقّ» عن العقيد معمر القذافي (وكان، يومها، أسيراً في سجون تشاد!)، وغادر إلى الولايات المتحدة، ليعود إلى ليبيا مع انتفاضة شباط (فبراير) 2011، حيث توافق نفر من أخوته في السلاح على تسميته رئيساً للأركان؛ في جيش ممزق مفكك، تتناهبه الولاءات القبلية والصراعات الحزبية، وتحيط به ميليشيات متعددة المذاهب والمشارب. لكنه، اليوم، معتمد رسمياً من أنظمة عربية ودولية، لكي يقود ليبيا إلى الوفاق… هو الذي لا يعترف، أصلاً، بمفهوم الوفاق؛ ولا بالحكومة التي تحمل هذه التسمية، أو برئيس المجلس الرئاسي فائز السراج (التقيا مرّتين، برعاية مصرية أولاً ثمّ ثانية إماراتية، فبقي الجنرال جنرالاً تتزحزح الجبال ولا يتزحزح!).
التطوّر الدراماتيكي الأخير في مسار المشير، أي ما سُمّي بـ»تحرير بنغازي»، قبل أيام؛ أماط اللثام عن سلوك آخر قياسي، عظامي بامتياز هذه المرّة: ألقى كلمة متلفزة (باللباس العسكري، غنيّ عن القول)، فخاطب المواطن الليبي هكذا: «تزف إليك اليوم قواتك المسلحة بشرى تحرير مدينة بنغازي من الإرهاب تحريراً كاملاً غير منقوص، وتعلن انتصار جيشك الوطني في معركة الكرامة ضد الإرهاب». وكانت البشرى ستبدو بهيجة حقاً، لدى أبناء بنغازي على الأقلّ، ممّن اكتووا بنار صراعات حفتر مع ميليشيات «مجلس شورى بنغازي»، وما ألحقته بالمدينة من خراب ودمار؛ لو أنّ بنغازي لم تكن تشهد قتالاً طاحناً، ومزيداً من التدمير والتخريب، في أحياء كبرى مثل سيدي إخريبيش والصابري وسوق الحوت، ساعة زفّ البشرى تحديداً!
وأمّا السلوك المضلِّل، وفيه ضلال الذات أولاً، قبل تضليل الناس، فقد تمثّل في حقيقة بالغة البساطة، فاضحة تماماً لأنها ساطعة وتفقأ الأعين: المشير يزعم أنه لا يمارس دور الجنرال، ولا يقصي المدنيين والسياسة معهم إلى الصفوف الخلفية، إلا من منطلق تخليص ليبيا من الإسلاميين المتشددين؛ في حين أنّ جيشه ـ الذي يسميه «وطنياً»، وتلك فضيلته الأعظم ـ يضمّ ما هبّ ودبّ من الميليشيات الإسلامية السلفية! هذا التناقض الجلي لا يتبدى هكذا في عرف المشير، بل إنه يرفض الخوض فيه، أو يصرفه في باب «الوحدة الوطنية» التي تبيح له أن يضمّ سلفياً هنا، ويحارب آخر هناك.
والحال أنّ أحداً، داخل ليبيا، وضمن مشهدها السياسي والعسكري والحزبي المعقد، لا يكاتب المشير، ولا يتلقى منه مكاتبة أيضاً؛ جرياً على عادة الجنرالات، في نهاية المطاف. وحتى القوى الإقليمية والدولية، التي ترعاه شخصياً، كما ترعى جيشه بالطبع، لم تفلح حتى الساعة في إقناعه بقبول المشاركة مع المدنيين، أو حتى دفعه إلى التخفيف من تدخله المباشر في تشكيل الإدارة المدنية وتعيين أنصاره من العسكر في البلديات والوظائف المدنية؛ هذا بمعزل عن لجم طموحاته العسكرية الصرفة، في توسيع مناطق سيطرته جنوباً وغرباً.
الأرجح أنّ مبعوث الأمم المتحدة الجديد، اللبناني غسان سلامة، لن يكون أكثر حظاً من سلفه الألماني مارتن كوبلر، في إقناع المشير بأنّ ليبيا بلد وشعب، وليست كتيبة في ثكنة!

حفتر المشير: تتزحزح الجبال ولا يتزحزح!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية