لا يمكن أن تجد بشرا يعشقون القتل كما مستوطني الكيان الصهيوني، وكأن القتل للعربي، مسلما كان أو مسيحيا، محفور في جيناتهم وبتفهم من دول كثيرة حليفة للكيان، باعتبار القتل وسيلتهم للدفاع عن إسرائيل.
أعرف كطبيب، أن موضوع الجينات ليس صحيحا، فالإنسان ابن بيئته وتربيته. نعم، بتطور التكنولوجيا، تتطور وسائل القتل والإرهاب الصهيونية، أما لماذا؟ فالجواب هو ما تحاول هذه المقالة الإجابة عليه.
النجاح الصهيوني في إقناع العالم بإقامة دولة الكيان، لم يكن وليد الصدفة، بل إن ما عرف بمجلس «حكماء اليهود» منذ ما قبل ظهور الصهيونية كحركة سياسية – أيديولوجية لليهود، وفي مدينة براغ عام 1869، في مؤتمر لقادتهم، حدد الزعيم اليهودي راشورن، الوسائل الكفيلة بتحقيق إقامة دولة لليهود، من خلال القول «إذا كان الذهب هو وسيلتنا للسيطرة على العالم، فإن الصحافة يجب أن تكون قوتنا الثانية».
وعندما انعقد المؤتمر الصِّهْيَوني الأول في بال، قرروا أن السيطرةَ على وسائل الإعلام – خاصة التي كانت أقوى أقنية الاتصال الجماهيري آنذاك – ستُعطيهم مجالاً واسعًا لعملية «غسل الدماغ» و»قلب الحقائق»، وتمخضت آراؤهم عن عدة قرارات أدرجت تحت البند الثاني عشر من مقررات المؤتمر الصِّهْيَوني الأول، وهي التالية: إن القنوات (وسائل الإعلام) التي يجد فيها الفكر الإنساني ترجمانًا له، يجب أن تكون خالصة في يدي الحركة الصهيونية، وأن أي نوع من أنواع النشر أو الطباعة يجب أن يكون تحت سيطرتها. كما أن الأدب والصحافة هما أعظم قوتين إعلاميتين وتعليميتين خطيرتين، ويجب أن تكونا بين يديها أيضا.
هذا في ظل «منع الأعداء من امتلاك وسائل صحافية يعبّرون فيها عن آرائهم، وإذا وجدت فلا بد من التضييق عليها بجميع الوسائل، لكي نمنعها من مهاجمتنا».
هكذا تحددت الاستراتيجية الصهيونية منذ ما يزيد عن 170 عاما.
أما بالنسبة للضلع الأخير من المثلث الذي اعتمدته الصهيونية لإقامة دولتها، فهو ما قالة هيرتزل في كتابه «دولة اليهود» (وليس مثلما هو شائع، الدولة اليهودية): «إذا رغبنا بإنشاء دولة، فعلينا أن لا نقوم بذلك بالطريقة التي كانت ستعتبر الطريقة الممكنة الوحيدة قبل ألف عام. ومن الحماقة أن نعود للمراحل القديمة للحضارة، كما يرغب بذلك العديد من الصهاينة. فلنفرض مثلاً أننا نريد تطهير قطر ما من الوحوش البرية، فعلينا ألا نتصدى لهذه المهة على شاكلة الأوروبيين في القرن الخامس. ينبغي ألا يحمل أحدنا حربة ورمحاً فيخرج بمفرده بتعقب الدببة، وإنما علينا أن ننظم فريقاً كبيراً للصيد، يكون مفعماً بالنشاط ليقوم باستدراج الحيوانات وجمعها، ثم يقوم بإلقاء قنبلة شديدة التفجيرعليها». أما جابوتنسكي فقد التحق بعصابات الهاجاناه الصهيونية لقتل الفلسطينيين، وقمع المظاهرات العربية في القدس، وروّج لإقامة الدولة الصهيونية بالقوة والإرهاب.
من ناحيته، فإن بن غوريون آمن بالفكر التوسعي، وترك حدود إسرائيل مفتوحة، وكان من مؤيدي ذبح الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم ومقاطعة العرب، كما تدمير الجيوش العربية الأساسية، وخلق دولة عميلة لإسرائيل في جنوب لبنان، واحتلال أراضي شرق الأردن وأجزاء من مصر وسوريا والعراق. شارون قاد عشرات المذابح ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وكان يتلذذ بقتل المدنيين من النساء والأطفال. رابين تبنى أساليب وحشية منظمة لقمع الانتفاضة الفلسطينية، عُرفت باسم سياسة «تكسير العظام». باراك يؤمن بأن إبادة العرب هو هدف الإسرائيليين الأول. شامير دعم بشدة التوسع في سياسة الاستيطان، وكلهم يعدون الضفة الغربية وغزة جزءا من «أراضي إسرائيل»، نتنياهو سفاح، تربى على كراهية كل ما هو عربي، ووصفته صحيفة «هآرتس» بأنه شخصية مدمرة خربة يمكنها تدمير المنطقة.
أبحاث وكتب عربية وأجنبية كثيرة تناولت ظاهرة العنف والقتل الصهيونية، وفي ما بعد كظاهرة إسرائيلية من زوايا مختلفة.. ومن أهم هذه الكتب «الحركة الصهيونية» إسرائيل كوهين، 1945. «الهدنة العنيفة» هاتشون 1958، «الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية» ويليام براد فورد، «الجذور الإرهابية لحزب حيروت الإسرائيلي» لبسام أبو غزالة. «الصهيونية والعنف الفلسفة والاستراتيجية» حسين الطنطاوي 1977. «ثقافة العنف في سوسيولوجيا السياسة الصهيونية» الدكتور عبدالغني عماد 2001، ومن أفضل من كتب أيضا عن الموضوع نعوم تشومسكي، وقبل بضع سنوات كان كتاب «الصهيونية والعنف» للراحل عبدالوهاب المسيري. من ناحية أخرى، للأسف، نحن في عام 1917، وحال الصهيونية في تطوير إعلامها، في تصاعد، وإن لم يكن بالصورة التي كان عليها في القرن الزمني الماضي. بالطبع، فإن الإعلام بوسائله المختلفة يتقدّم بوتائر متسارعة، ولعل من أهم وسائله الفضائيات، للأسف، ليس لدينا من إعلام وفضائيات يصلح لأن يكون في مواجهة وديناميكية إعلام العدو الصهيوني. إعلامنا العربي في عموميته يخاطب المستويات المحلية، بطابع كلاسيكي، بهدف الترويج للسلطات الحاكمة ونشاطاتها، أو الدول الممولة التي أنشأت الفضائيات العربية،والإيحاء، بأنه لولا «أفضال وحكمة زعمائها» لما استطاع المواطن العربي المغلوب على أمره، تنفس الهواء. الإعلام العربي لا يواكب التطورات في مختلف المجالات، يقدمها بسطحية ومحاذير تقليدية، فهو يقدّم الحدث بالطريقة التي تريدها الحكومات، في زمن أصبح فيه كل شيء مكشوفا، فالشمس لا تغطى بغربال. الإعلام العربي تابع للسياسات الحكومية التابعة بدورها لقواعد «اللعبة» المرسومة في دوائر ترسم أهدافها بدقة، لكل منطقة في العالم، بما في ذلك الوطن العربي، الحصيلة، انفضاض المشاهد العربي عن متابعة فضائيات دولته والدول المجاورة والانشداد لمعرفة ما يدور في بلدانه، من خلال القنوات الأجنبية الناطقة بالعربية.
من الواضح تماما، أن العدو الصهيوني يكرر في إعلامه، تجربة حليفته الاستراتيجية أمريكا، التي تخدم في كل إعلامها الأهداف الصهيونية، ولعل من أهم الكتب التي تطرقت لهذه المسألة، كتاب «البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني» للدكتور يوسف الحسن. ثم كان كتاب «من يدفع للزمّار.. الحرب الباردة الثقافية» فرانسيس ستونر سوندرز، فعلى مدى اكثر من عشرين عاما كانت وكالة المخابرات الأمريكية، تنظم وتدير جبهة ثقافية عريضة في معركة ضارية، بدعوى حرية التعبير، وبتعريفها للحرب الباردة بأنها معركة من أجل «الاستيلاء على عقول البشر». وبعد أن سكت هدير المدافع وازيز الطائرات ودوي القصف، أخرجت الترسانة أثقالها الثقافية: الصحف والمجلات والإذاعات والمؤتمرات ومعارض الفن التشكيلي والمهرجانات الفنية والمنح والجوائز الخ، وتكونت شبكة محكمة من البشر الذين يعملون بالتوازي مع الـ»CIA» لتمحو من الأذهان فكرة أن «أمريكا صحراء ثقافية»، وتزرع فيها فكرة جديدة مؤداها، أن العالم في حاجة إلى سلام أمريكي وإلى عصر تنوير جديد، وأن ذلك كله سيكون اسمه «القرن الأمريكي». راديكاليون سابقون ومثقفون يساريون ممن تحطم إيمانهم بالماركسية والشيوعية، ومؤسسات وهمية وتمويل سري ضخم وحملة إقناع هائلة، في حرب دعاية ضارية تخطط لها وتديرها «منظمة الحرية الثقافية»، التي كانت بمثابة وزارة غير رسمية للثقافة الأمريكية، أو لتكون «الزمار» الذي تدفع له CIA ثمن ما تطلبه من ألحان. فرنسا تحذو حذو حليفتها.
الفضائيات العربية، إعلامية بقوالب مضى عليها الزمن، في عهد كان يقال فيه عن اتجاه حزبي عربي معين، بأن قادته يحملون المظلات.. عندما كانت تمطر السماء في موسكو، لموسكو رأي في الاعتراف بوجود الكيان منذ لحظة إنشائه، لتكن موسكو حرة في آرائها، لكن لا يمكن لاتجاه حزبي عربي، ترديد مواقفها في منطقته. الإعلام الحزبي العربي في بعض جوانبه لا يزال متقيدا بنصوص وقواعد قال عنها منظّروها بأنها متحركة وليست جامدة.. البعض من مثقفينا يصرّ على إبقائها في «فريزارات» أشد انخفاضا في حرارتها من صقيع شتائي سيبيري.
الإعلام الحزبي كما الرسمي العربي يستعرض الحدث، من دون استشراف ما يعنيه حتى على صراعه مع العدو. ما يلزمنا هو إعلام استشرافي يعمم المعلومة في قالب تحليلي إقناعي، يشد ويجذب قارئه من دون ملل، أيا كانت المعلومة: خبرية.. سياسية أو فكرية، شريطة عدم التأخر في توزيع المعلومة، هذا هو الإعلام الذي نريد.
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد