«أبو تايه» الحقيقة التائهة!

الشعب الأردني لا يحب الأمريكيين، وعلى الرغم من أنه كغيره من الشعوب يتعايش صاغراً مع القيادة الثقافية الأمريكية للعالم، ويعبر عن سخطه على الأمريكيين باستخدام أدوات ومنافذ وتقنيات أمريكية الطابع مثل الفيسبوك وغيره، إلا أنه يتخذ أتوماتيكياً مواقف مناهضة لأي موقف يتخذه الأمريكيون.
كنت في جلسة ودية مع أحد الأصدقاء من المثقفين الأردنيين الذين يقفون مع النظام السوري، وأبديت ملاحظتي حول موقفه لأتفاجأ بأنه كان من المناصرين للثورة لدى انطلاقتها، لأنه لم يكن يحمل أي مشاعر ودية تجاه النظام السوري، وأخبرني أن موقفه تغير تماماً وللاتجاه المعاكس، بعد أن اتخذت الثورة السورية ملامح أمريكية واضحة، فهو مثل غيره من أجيال سابقة استطاع أن يصل إلى قناعة بأن الأمريكيين يقفون دائماً ضد مصالح المنطقة وأهلها.
مثل قاطبة شعوب الأرض يعيش الأردنيون الأسطورة الأمريكية حول النجاح والإنجاز، الذي ينجزه الرجال الذين يرتدون الجينز من وقت لآخر، ويفضلون القهوة السريعة في أكواب الفلين، ويعيشون في بيوت بحدائق واسعة تكلفتها تقل عن ثمن شقة صغيرة في أحد الأحياء المتوسطة في عمان، ويمكنهم أن يستمتعوا بالسفر إلى الكاريبي، وأن يمثلوا دور الأم تريزا وهم يزورون آسيا أو أمريكا الوسطى، ولكن وبحس شعبي بسيط، أو وعي ثقافي عميق، يعرف الأردني وغيره من أبناء الشعوب التي درجت تسميتها بشعوب العالم الثالث، بأن الأمريكي يتمتع أصلاً بهذه الميزات على حساب غيره من الشعوب، وأن لعبة الدولار استطاعت أن تجعل الأمريكي يحظى برفاهية كبيرة، بالأموال التي تتدفق على بلاده، وكان يمكن أن تستثمر في بلدانها الأصلية بدلاً من إهدارها في تمويل الدين الأمريكي الذي يبدو بلا نهاية، فالأمريكيون بالفعل يمتلكون الساحر الأخضر الذي يجعلهم يستنزفون أموال العالم لمصلحتهم.
هذه القصة هي آخر ما يود أن يستمع له أبناء قبيلة الحويطات، التي ينتمي إليها الجندي معارك أبو تايه، وربما يحملون أصلاً مشاعر أكثر ايجابية من غيرهم تجاه الأمريكيين، لأنهم من حيث المبدأ مكتفون بواقعهم المتوارث في الهامش الصحراوي، ولا ينظرون للمدنية الحديثة بكثير من الاطمئنان، وفي ثقافتهم الشعبية زهد عميق بالحداثة وآثارها، فالحويطات لا تتملكهم هذه الأحقاد تجاه الأمريكيين ولا يفضلون القهوة على الطريقة الأمريكية، ولكنهم يشعرون بالغبن لأنهم لا يعرفون الحقيقة التي تمكن أبناء أهالي القتلى الأمريكيين في حادثة القاعدة العسكرية في جنوب الأردن من الإطلاع عليها، ولم يشاهدوا التسجيلات الخاصة التي عرضت على أهالي الأمريكيين، وبالتالي فشعورهم بالظلم الفادح يتضافر مع إحساسهم بأنهم لم يعاملوا الند بالند مع خصمهم الافتراضي، يدفعهم لاتخاذ الموقف الغاضب الذي استغله البعض وصوره بأن الحويطات يسعون لتطويق عمان والسيطرة على الطريق الصحراوي، الذي يربط عمان والمدن الأخرى بالمنفذ البحري الوحيد للأردن في العقبة.
القضية يمكن أن يجري حلها ببساطة، لو أتيحت للحويطات الفرصة لتسويتها باللغة التي يفهمونها والتقاليد التي يعرفونها، وعتبهم أتى على تحركات أردنية على أعلى المستويات في الولايات المتحدة لم يحصلوا على مثلها، ومع أن القانون يجب أن يكون بارداً ومحايداً ومتعالياً على فكرة القبيلة، وحتى العلاقات الدولية وحساباتها، فإن الدبلوماسية وجدت أصلاً من أجل معالجة ذلك العماء القانوني المتعمد والمقصود من أجل خدمة العدالة، وحساسية الحكومة الأردنية لم تكن على المستوى المطلوب في معالجة القضية، ولذلك قرر الحويطات أن يذهبوا للملك شخصياً وأن يعيدوا العقد الاجتماعي في الأردن إلى لحظته الأولى البسيطة تلك التي كان عودة أبو تايه الزعيم البدوي أحد صناعها في الثورة العربية الكبرى.
الملك ليست لديه مشكلة مع فكرة العشيرة في الأردن، وبعض تصريحاته السابقة التي ترجمت بأنها تسعى لتجاوز العشيرة، كانت في مضمونها شكوى من الاستغلال الذي يجري من بعض القوى السياسية لثقلها العشائري، بحيث يماهي السياسي أو رجل الدولة شخصيته بالعشيرة ويحملها أوزار تصرفاته، خاصة أن الاستخدام المفرط للعشيرة أتى ليدخل في معادلات أثارت استياء الأردنيين جميعاً، مثل تلويح أحد أساتذة الجامعة باللجوء إلى خلفيته العشائرية بعد أن جرى تجاوزه في منصب رئاسة الجامعة الأردنية.
معارك أبو تايه هو عنوان حادث داخل سياق أوسع، وفي السياقات الكبيرة والممتدة مثل العلاقات الأردنية الأمريكية، الذي يعتبر أصلاً جزءاً من سياق آخر هائل عنوانه العالم الأحادي القطبية تحت الهيمنة الأمريكية، فإنه من الصعب ألا يوضع الحادث البسيط ضمن ذلك السياق وأن يحظى بالحكم التقليدي، مع أن التفاصيل في النهاية تتعلق بحادثة قتل كان يمكن تجنبها ولم تكن ضرورية، وسواء كان الأمر يتعلق بالتعمد من قبل الجندي أبو تايه، أو خلل فني ارتكبه الأمريكيون، ففي النهاية يبقى الحادث ذا طبيعة جنائية يجب ألا تتجاوز حدودها. فبغض النظر عن موقفنا من السياسة الأمريكية ورفضنا لحادثة السرقة العلنية التي تجري منذ عقود طويلة، فإنه يجب ألا نجرد الأسرة الأمريكية من إنسانيتها، وأن نشيطنها لمجرد أن النظام الذي يحكم هذه الأسرة يعيش على حالة من الابتزاز المتواصل، والعالم يجب أن يفصل أمريكا بوصفها نظاماً لديه سياساته وحساباته الخاصة، والأمريكيين بوصفهم مجرد أفراد يحصلون على الفرص التي يتيحها ذلك النظام وفق شروطه، وربما يتمنى كثيرون في العالم، ومنهم من يكرهون أمريكا وكل ما تمثله، في أن يحصلوا على حصتهم من الفرص، ويعتبرون ذلك جزئية فردية وحادثاً شخصياً منفصلاً عن السياق، ويجب عليهم في المقابل أن يعتبروا الحادث الذي كان معارك أبو تايه عنوانه شخصياً ومنفصلاً عن أي سياق آخر.
الأمريكيون أو الإدارة الأمريكية، لا فرق لمن يرى الصورة من الخارج، يمكن أن يشبهوا بأسرة اقطاعية خرجت للصيد ومعها عشرات العبيد الذين بذلوا المجهود الحقيقي وتحملوا الخطر كله ليحصلوا على أفضل الغزلان، وعند المساء وضع السادة كل الصيد على طاولتهم الفاخرة ليتركوا للعبيد الأحشاء يأكلونها على الأرض وبعيداً، وحتى بعد أن فرغوا من طعامهم فإنهم أطعموا البقايا لكلابهم المدللة، متجاهلين العبيد الذين كانوا شركاءهم في الصيد، أو تحرياً للدقة، الأصحاب الحقيقيين له لأن الغزلان، مثل بقية ثروات العالم، غير مسجلة حصراً بأسماء السادة، والنكتة أن الأمريكيين يمكنهم اليوم أن يعملوا ورسمياً على بيع الأراضي على القمر والنجوم في السماء، ضمن منظومة التفكير القائمة لديهم، التي تجعل كل شيء قابلاً للبيع بأعلى سعر، والشراء بأرخص ما يمكن، أو الاستيلاء إن لم يكن الشراء وارداً، أو كانت تكلفته أقل عليهم.
أمريكا بحاجة لرئيس مثل أندرو جاكسون الذي يبقى الاعتراض الأول على رئاسته مرتبطاً بقراره بأن يفتح البيت الأبيض لمن يسمون بالرعاع، من أجل أن يحتفلوا معه ويتناولوا الطعام على طاولته، بوصفهم من يمثلون الشعب الأمريكي الحقيقي، وذلك الرئيس تحديداً هو من وقف ضد تأسيس النظام المالي الأمريكي في صورته الانتهازية الراهنة، ولكن يجب أن يكون رئيساً ملوناً ليتخلص من عقدة العنصرية لدى جاكسون، بينما نحن بحاجة لأن نكون أكثر محلية وأقل تبعية وأن نستطيع أن نشبه أنفسنا لا غير.
كاتب أردني

«أبو تايه» الحقيقة التائهة!

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية