معاني الألفاظ ومقاصد القرآن (1 من 2)

 

ورد من أحد الأفاضل المتابعين لهذه السلسلة تعليقٌ على حلقة الشكر في جريدة «القدس العربي»، يتضمن سؤالين:
الأول: قال: هل معاني الالفاظ القرآنية، هي نفسها في جميع القراءات؟
الثاني: هل يعطي تفسير معاني كلمات القرآن الكريم المعاني نفسَها لكلام الله الذي أنزله على نبيه الكريم؟ أم إن التفاسير تعطي المعاني التقريبية، ولا تعطي القصد الصحيح مئة في المئة؟ ثم يذكر أن أحد العلماء قد تحدث عن القصدية في القرآن الكريم، ورأى أن أي تفسير يغير المعنى المقصود.
وها أنا ذا أجيب سؤاليه. فأقسّم الحديث إلى قسمين: ألفاظ القراءات، والقصدية.
* أمّا الألفاظ القرآنية فلها المعنى ذاته في أية قراءة وردت. وفي القراءات اختلف الناس، ما بين قائل بقراءة واحدة، وقائل بسبع قراءات. ووصل بها بعضهم إلى أضعاف ذلك، مع اختلاف في أسماء القراء. وقد وُصِفَتْ بعض القراءات بأنها منكرة أو شاذة. ويَعنيني، في هذا الصدد، اللفظُ ومعناه، والتركيب اللغوي للآية. وفي مقدمات الجزء الأول من كتابي: «موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول»، بيروت 1433هـ/ 2012م، تفصيل ما أراه بشأن القراءات.
* أمّا القصدية وأنّ التفسير يغير المعنى المقصود، فتجديد لتساؤل قديم: هل يمكن للمرء أن يدرك مُرادَ الله بكلماته التي أوحاها للنبي الكريم؟ وهنا ينبغي أن نحتكم إلى القرآن ذاته، بمعاني كلماته، وتركيب آياته.
فأولا: نزل القرآن للناس، أي إنه نزل من أجل أن يفهموه. ولا سبيل لأي افتراض آخر. فعليهم أن يفهموه، وإلا وقعوا في الخديعة التي يرتكبها من يفتي بما يناقض الكتاب، ثم يزعم أنه من الكتاب وقد حذرهم ربّهم منهم، كما في الآية 78 من سورة آل عمران، وغيرها. ومن أجل أن يفهموه نزل بلغتهم: «وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا» (سورة طه 113). كما أنزل الكتب الأخرى بلغات من أنزلت إليهم: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» (سورة إبراهيم 4).
وثانيا: ثمة مستويات عدة لفهم لغة القرآن:
أ- فالمستوى الأوّل هو الفهم السطحي لها، ونلحظه يشيع في مراحل التخلف الثقافي وانتشار الأمية، حيث يكتفي كثير من الناس بهذا الفهم المسطح يؤدون به مظاهر شعائر دينهم من غير تفكير بمعنى ما يسمعون أو يردّدون. ولا شك في أن الارتقاء من هذا المستوى إلى غيره أجدى لهم وأنفع. لأن الاكتفاء به، يجعلهم عرضة لخديعة المتاجرين بالدين والمزيفين له.
ب- المستوى الثاني، هو أكثر عمقا من الأول، لأنه يؤهل طالبيه لفهم التنزيل العزيز بشكل أوفى من فَهْم المكتفين بالمستوى الأول. وذلك حين يبحثون عن معاني ما عسر عليهم فهمه من كلماته، كأن يسألوا عن معنى (تبّت) في: «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» مثلا. وهنا، أيضا، ينبغي التوقي من الخديعة.
ج- المستوى الثالث: هو أكثر عمقا من المستويين الأول والثاني، حيث يكون التساؤل مثلا: ما الفرق بين: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) والشكر لله رب العالمين، أو الحمد لله رب الناس.. إلى آخر الافتراضات اللفظية. على أن يكون الهدف من هذا التعمق طلب العلم به ومعرفته، لا للجدل الذي لا فائدة منه. وعلى أن يكون مبنيا على منهج لغوي سديد وسليم. لا آراء تُرتجل لأن هذه الآراء كثيرا ما تؤدي إلى الخطأ فالخطيئة.
ولقد رأينا الشيء الكثير من هذا الارتجال في وسائل الإعلام والثقافة، في ندوات متلفزة ومسموعة وجرائد منشّرة وكراسات مطبوعة طباعة أنيقة بأوراق صقيلة، رغم انخفاض أسعار النفط والأزمات الاقتصادية، حيث جري تقويل النص القرآني ما لم يقله بل لا يستسيغه، حتى أنه يغدو في أحيان كثيرة نقيضا له.
وهذا ما سنتابعه في الحلقة المقبلة.

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

معاني الألفاظ ومقاصد القرآن (1 من 2)

هادي حسن حمودي*

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية