قامت الولايات المتحدة في عام 1946 بافتتاح كلية عسكرية في منطقة قناة بنما سميت كلية الأمريكيتين، نقلت في ما بعد عام 1984 إلى فورت بينينغ في ولاية جورجيا، أتى طلاب هذه الكلية من دول أمريكا الوسطى واللاتينية، ودرسوا فيها ثم عادوا إلى بلادهم ليطبقوا ما تعلموه فيها من أساليب القمع والتنكـــــيل والإبادة في الحروب الأهلية، التي فتكت ببلادهم. وكان هؤلاء الخريجون مسؤولون عن معظم الانقلابات والديكتاتوريات التي قامت في تلك المنطقة، بناء على أوامر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وشهدت عهودهم جرائم في غاية القبح والفظاعة ستظل وصمة عار لا تمحى عن جبين الانسانية. عمدت الولايات المتحدة الى تلقين طلاب هذه الكلية أهم مبادئ الديمقراطية الأمريكية؛ فحسب أحد الأساتذة السابقين فيها وهو جوزيف بلير، كان من مناهجها الدراسية : أفضل المناهج التعليمية لأصول توظيف المخبرين وإدارتهم استخراج المعلومات من أعضاء المخابرات المضادة بكل الوسائل الممكنة؛ إلقاء القبض على أقاربهم، ايداعهم السجن بشكل اعتباطي، تعذيبهم إن لزم الأمر ـ ضرورة تصفية جميع المعارضين مهما كلف الأمر، مناهج قائمة على التعذيب والقتل والابتزاز. وبعد نضال طويل ومرير تم اغلاق الكلية نهاية عام 2000، ليعاد بعد شهر افتتاح معهد عسكري جديد في نفس المبنى وبنفس المناهج، ولكن تحت اسم جديد؛ معهد نصف الكرة الغربي للتعاون الأمني. فإذا هل ما تقدمه الولايات المتحدة من معونة سنوية للجيش المصري هو من أجل عيون الشعب المصري، أو تهدف من وراء ذلك إلى جعل مصر قوة اقليمية تهدد إسرائيل ووجودها، أو ربما هي تريد مصر قوية تهيمن على المنطقة، خاصة دول منبع النيل لضمان مصالح شعبها الإستراتيجية. يا لها من أم حنون إذاً، لم تكن تهدف لأكثر مما حدث ويحدث؛ فقد أيدت الانقلاب أو ربما تم بضوء أخضر منها، ثم غضت الطرف عما جرى من مجازر أثناء فض الاعتصامات، كما كانت تغض الطرف عن القمع والمجازر التي وقعت في غواتيمالا والسلفادور وغيرها من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، حفاظاً على مصالح شركاتها وهيمنتها على تلك الدول. ما أكثر ما تتشابه مصائر وآلام شعوب دولنا النامية؛ ففي عام 1970 وصل سلفادور الليندي ذو الميول الاشتراكية إلى سدّة الرئاسة في تشيلي، لم يرق ذلك للولايات المتحدة، واعتبرته خطراً كبيراً على مصالحها في المنطقة التي كانت تعصف بها رياح الثورات الاشتراكية، إبان الحرب الباردة، ولكنها لم تستطع أن تطعن في شرعيته كرئيس منتخب بصورة نزيهة فوّكلت الأمر إلى رجلها الجنرال أغستو بينوشيه قائد الجيش، فاستولى على السلطة في 11 أيلول/سبتمبر 1973، وحاصر القصر الرئاسي بدباباته، مطالباً الرئيس الليندي بالاستسلام، ولكن الليندي رفض وارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميز رؤساء تشيلي لمئتي عام وسقط مقتولاً، رافضاً التخلي عن حقه الشرعي بالرئاسه. كم يشبه ما حدث في تشيلي قبل حوالي أربعين عاماً بما حدث في مصر قبل حوالي أربعين يوماً، إلا أنّ جنرال مصر حاول ضبط نفسه قليلاً فلم يقتل الرئيس واكتفى بقتل المئات من مؤيديه. عمد الجنرالات في كل مكان وكل زمان إلى تبرير انقلاباتهم؛ بأنّهم انطلقوا من حرصهم على الوحدة الوطنية، وهدفهم فقط الحفاظ على المصالح القومية العليا، وأقصى غاياتهم الدفاع عن مسيرة الديمقراطية، ويلجؤون إلى السيطرة على البلاد بفرض حالات الطوارئ والنيل من معارضيهم، إما بالقتل أو بإيداعهم السجن بتهم مضحكة ملفقة، وطبعاً تدفعهم غيرتهم على الديمقراطية والحرية إلى رفض آراء معارضيهم، ويوظفون الإعلام لفرض آرائهم، ويعتمدون في ذلك على مثقفيهم المأجورين الذين يمكن أن يبرروا حتى أفظع الجرائم ويصوروها على أنّها معارك وطنية مشرفة. هل ما حدث في مصر مختلف عن هذه السنة الكونية بشيء، إذاً هذا ما سيحدث أيضاً: بعد استكمال اغتصاب السلطة يخلع الجنرال زيّه العسكري ويخوض الانتخابات كمرشح مدني وطني مستقل، نذر نفسه لخدمة التحول الديمقراطي ويفوز طبعاً ويجلب معه موظفيه المخلصين ليصبحوا برلمانيين منتخبين، ثم يشكل حكومة تكنوقراط، فهو لا ينتمي إلى أفكار حزبية ضيقة، وانتماؤه وطني بامتياز، ولا يسعى إلا لخدمة الشعب، حتى أنّه ما كان ليترشح للرئاسة لولا عدم وجود بديل له، ثم لا تلبث هذه الشخصيات التكنوقراط أن تتحول شيئاً فشيئاً إلى حزب وطني جديد. لقد ظلّت الدكتاتوريات جاثمة على صدور وعقول وأحلام شعوبها حتى عصفت بها ثورات شعبية ومظاهرات عارمة أجبرت الحاكم على التنازل، لتحلّق الشعوب بعد كثير من التضحيات في سماء حريتها المنشودة. لم ولن يقف في وجه حركة تقدم الشعوب أي شيء تلك سنة كونية، ما عرف لها أحد أي استثناء، ودائماً تخلى أسياد الدكتاتوريين عنهم ورموهم في نهاية المطاف، وتوجهوا إلى الشعوب طلباً لرضاها.