القاهرة – «القدس العربي» : غطى صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 26 يوليو/تموز موضوعان رئيسيان، الأول هو الحوارات التي دارت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي في اليوم الثاني والأخير من لقائه في مكتبة الإسكندرية بحوالي ألف وثلاثمئة من شباب خمس محافظات،
هي الإسكندرية ومرسي مطروح وكفر الشيخ والبحيرة والغربية، والمعروفة جغرافيا باسم محافظات غرب الدلتا.
والثاني هو ذكرى ثورة 23 يوليو سنة 1952 وخروج الملك فاروق في السادس والعشرين منه إلى إيطاليا وانتهاء عهد حكم أسرة محمد علي باشا، الذي بدأ عام 1805.
واهتمت الصحف بما نشر عن تراجع إسرائيل عن تركيب بوابات إلكترونية يعبرها المصلون في المسجد الأقصى. واستمرار الشكوى والصراخ من الارتفاعات المستمرة للأسعار، والشكوك في نوايا الحكومة بأنها تجهز عددا آخر من المصائب للناس، ومطالبة الرئيس السيسي الشعب بأن يتحمل بعض الوقت، وأنه يعتبر نفسه خائنا إذا لم يتخذ قرارات الإصلاح الاقتصادي لإنقاذ البلاد من الإفلاس. كما ذكر بالإنجازات التي تمت رغم ذلك. وتواصل الاهتمام بالمرحلة الثانية لتقديم الناجحين في الثانوية العامة أوراقهم للقبول في الجامعات.
كما اهتمت الصحف باللقاء الذي تم في العاصمة الفرنسية باريس بين خليفة حفتر وفايز السراج برعاية الرئيس الفرنسي، لإنهاء الخلافات بينهما، على أساس أن فرنسا أيام الرئيس ساركوزي هي التي بدأت الهجوم على قوات الرئيس الليبي معمر القذافي وتسببت في الكارثة التي تعاني منها ليبيا الآن، وامتدت آثارها إلى دول جنوب أوروبا. ومن الأخبار الأخرى التي اهتمت بها صحف الأربعاء، اشتعال المعارك والخصومات بين مؤيدي عبد الناصر وثورة يوليو وخصومهم. ودفاع عن تكريم السيسي للواء محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر بعد ثورة يوليو. واعجاب شديد بقائد الدبابة الذي أسرع بدهس سيارة الإرهابيين المفخخة. والسيسي أعلن يوم الاثنين في لقائه مع الشباب أنه تجري الآن عملية ضخمة في شمال سيناء ضد الإرهابيين. ويوم الثلاثاء أعلن عن قتل أربعين إرهابيا والقبض على خمسة. وتساؤلات حول دور لبعض القبائل في الإبلاغ عن أماكن الإرهابيين. ودفاع عن إنجازات الحكومة وهجوم عليها وسخرية من وضع الأزهر اكشاك للفتوى في محطات مترو الأنفاق. وإلى التفاصيل:
عبد الناصر وثورة يوليو
الكاتب أسامة غريب قال أمس الأربعاء في الصفحة الثانية من «المصري اليوم» في عمود «يوم ويوم»: «يثور الكلام في ذكرى 23 يوليو عن دور جمال عبدالناصر وأثره الممتد على الحياة المصرية حتى الآن، وبينما يوجد من يقدسونه وينزلونه منزلة الأنبياء هناك من يلعنونه ويضعونه مع الشياطين في سياق واحد. ولما كنتُ بعيداً عن أولئك وهؤلاء، فإنني أود أن أوضح للملتاثين الذين يرونه كافراً، ونظرائهم الذين يعدونه قديساً، أن ما تركه الرجل ينقسم إلى قسمين، الأول عبارة عن قواعد راسخة زرعها في التربة المصرية واستمرت من بعده لم تتغير أبداً لا على زمن خلفه الذي قُتل، أو وريثه الذي خُلع، أو الآخر الذي عُزل، لم يستطع أي من الذين أتوا بعده أن يقتربوا من القواعد الثابتة التي تركها، والتي تمثلت في تنحية المواطن المصري بعيداً عما يخص شؤون الحكم، بعد أن تم اعتبار الحكم كهنوتاً لا يقترب منه إلا خاصة الخاصة، وحتى عندما كانت تُجرى انتخابات واستفتاءات لإرضاء العالم الخارجي، فإنه كان يتم تزويرها. والعجيب أن عبدالناصر الذي كانت شعبيته كبيرة ونجاحه مضموناً كان يصر على التزوير، حتى لا يظن المواطن المصري أنه شريك في الحكم. من الأصول التي تجذرت أيضاً غياب الشفافية والمساءلة، إذ إنه ليس ضرورياً أن يحاط الناس علماً بأي شيء يخص حياتهم ومستقبلهم، وعندما تقع الواقعة وتحدث الكارثة فإن أحداً لا يحاسَب أو يحاكَم أو يدفع الثمن. يكفي تنحية المسؤول ثم يستمر النهج الكارثي على يد مسؤول جديد. وثالثة الأثافي في القواعد المزروعة هي إدخال التعذيب الوحشي ضد الخصوم السياسيين في بنية المنظومة الأمنية، والأنكى اعتقال النساء واتخاذهن رهائن لكسر شوكة الرجال. هذه هي الركائز الأساسية التي زرعها عبدالناصر ولم تذهب بذهابه. أما الإنجازات التي قام بها الرجل لصالح الفقراء ولصالح كبرياء مصر فهي حقيقية، وليست أكاذيب كما يردد خصوم الرجل، فبناء المصانع حقيقة واقعة، وكذلك حقوق العمال وإنصاف الفلاحين وبناء المدارس ومجانية التعليم والعلاج، وعدم الانحياز ومحاربة الاستعمار. كل هذه حقائق وليست أكاذيب، لكنها تمت كإجراءات يحميها وجود عبدالناصر نفسه. لقد كان الرجل يظن أنه سيعيش للأبد وسيظل ضامناً لحقوق الغلابة، فلم يحاول أن يجعل مكتسبات الشعب متجذرة في الأرض مثلما قام بتأمين مكتسبات السلطة الحاكمة الباغية، ولهذا فقد سَهُل اقتلاع كل إنجازاته فأصبحت هشيماً تذروه الرياح، فلو أنه اهتم بوجود نقابات عمالية حقيقية لما استطاع من أتوا بعده أن يعصفوا بالعمال ويبيعوا المصانع، ولو أنه أقام مجالس نيابية بحق لما استطاع خلفاؤه أن يلغوا مجانية التعليم ويتوقفوا عن بناء مساكن للفقراء، ولو أنه لم يذل المواطن ويكسر نفسه لتصدى لمن جرؤ أن يقول: بيغن صديقي ووايزمان صديقي. لقد بقيت الأصول التي بنى لها عبدالناصر الأساسات القوية على عمق كبير تحت الأرض وكلها لصالح الاستبداد والديكتاتورية، بينما زالت الإجراءات التي صنعها من ورق ووقف يحميها بنفسه، حتى إذا رحل طارت كلها خلفه».
سلبيات وإيجابيات
ونبقى في العدد نفسه من «المصري اليوم» ومع عباس الطرابيلي الذي قال في عموده «لكل المصريين»وتحت عنوان «الناصريون ومسلسل الأكاذيب»: «هذا هو أسلوب الناصريين دائماً الحديث عن إنجازات وإيجابيات ثورة يوليو/تموز 1952 ولكنهم لا يقتربون- أبداً- من سلبيات هذه الثورة، وأعترف بأن لهذه الثورة إيجابيات عديدة ولكن- كلهم- ينكرون أن لها سلبيات رهيبة كانت وراء تحويل مصر من أغنى دولة في المنطقة إلى أفقر دولة فيها، والسبب سوء إدارة الثورة للأمور والاهتمام بالإنفاق على الخارج أكثر من الإنفاق على الداخل، وربما كان هدفهم هنا هو البحث عن زعامة لقائدهم خارج مصر. وكنت أتمنى من السيد سامي شرف – وهو يحمل الآن – لواء الدفاع عن الثورة وقائدها، أن يتحدث ولو مرة واحدة عن السلبيات.. كما هو يتحدث عن الإيجابيات، ولكن ذلك هو طبعهم. وللأسف كان من أهم أسباب تأميم الصحافة المصرية، ألا تجرؤ أي صحيفة على كشف أخطاء الثورة. ولم تكفهم هنا الرقابة الصارمة على الصحافة، ويكفي أننا استيقظنا ذات يوم فى يونيو/حزيران 67 على أبشع جريمة وهزيمة تنزل بمصر.. وكيف صدمنا بأن مصر – كما قالت صحف يوليو 1952 – كانت تمتلك أقوى جيش في المنطقة، فإذا به ينهار في 6 ساعات، والسبب سوء قيادة هذا الجيش. وبعد أن كان «إعلام ناصر» يهيئ الشعب أننا على أبواب تل أبيب.. إذا بجيش إسرائيل يصل إلى شاطئ قناة السويس.. خلال 6 ساعات».
هجرة العقول
أما الدكتور يوسف زيدان فقال في مقاله في «المصري اليوم» أيضا عن انهيار العلم وفرار الأدباء بعد الثورة: « اللاجدوى، شعور طاحن يعوق العوام من الناس والخواص، عن العمل والإبداع ومواصلة العطاء، وبالتالي فهو مانع رئيسي من موانع التقدم وعائق أساسي من عوائق التطوير والتحضر.. وقد استقر في نفوس مفكري مصر وعلمائها ومثقفيها، منذ منتصف الخمسينيات، أنه لا جدوى من أي جهد حضاري في زمن تكتظ فيه المعتقلات بأصحاب الرأي، ويهيمن على الحكم فيه ضباط صغار السن جداً، وأحرار جداً، ومتهورون جداً.. وأيامها بدأ الهجاج المصري إلى الخارج، لمن استطاع إليه سبيلاً. فكثير من أصحاب العقول النيرة هربوا من النير والظلم إلى أوروبا واستقروا فيها بلا نية في العودة. وما لا حصر لهم من القادرين على العطاء اضطروا للذهاب إلى العمل في البلاد الخليجية، ولم يجدوا سبيلاً للعودة أو عادوا بأرواح وأجنحة متكسرة، ونسوا ما كانوا يحلمون به من التحليق بمصر إلى سماء العالم المتقدم. عديد من المبدعين انزوى ومال إلى الظل، وقد أيقن أن كل عمل إبداعي وجهد فكري أو فني مهدد بالاستهانة ومآله إلى عدم الجدوى. هل نذكر أسماء بعض الأعلام الذين تنوعت مصائرهم بين ما ذكرته؟ حسناً من الذين هجروا إلى الغرب إنقاذاً لأنفسهم أساتذة كبار مثل عبدالحميد صبرة ورشدي راشد، ومن الذين ذهبوا إلى الخليج ولم يستطيعوا العودة أو عادوا وكأنهم لم يعودوا عبدالرحمن بدوي «المتوفى في باريس» علي سامي النشار «المتوفى في المغرب في ما أظن» ومن الذين انزووا طه حسين ومحمد ثابت الفندي، هؤلاء جميعاً ينتمون إلى مجال تخصص واحد هو الفلسفة! فما بالك ببقية التخصصات وبقية الذين كانوا في غير ذلك من المجالات كانوا ثم بانوا وبان في فصيح اللغة لا تعني الظهور حسبما يظن العوام وإنما تعني الابتعاد».
السد العالي
ومن «المصري اليوم» إلى «الأهرام» ومقال الكاتب صلاح منتصر وقوله في عموده «مجرد رأي» في الصفحة الأخيرة: «في عام 1955 سافرت إلى الصعيد مندوبا لمجلة «آخر ساعة» لأنقل صورة للفيضان العالي الذي أغرق عشرات القرى في صعيد مصر، واضطر أهلها لحمل «عزالهم» (حصيرة ولحاف ومخدة ووابورجاز وحلة وطشت ألمونيوم) وقد أصبحوا تحت رحمة خيام الإيواء، آلاف الفلاحين كانوا بقدر انتظارهم بفرحة لماء الفيضان، الذي يروي أرضهم، بقدر ما كانوا يخشون غدره إذا زاد. ولأول مرة بدأنا نسمع عن مشروع اسمه «السد العالي» ينظم الفيضان ويحافظ على حياة الفلاحين ويحميهم من الغرق. وأصبح مشروع السد العالي هدفا وأملا نجح عبد الناصر في زرعه في نفوس الملايين، وكان ضروريا الاستعانة بمساعدة الغرب لتنفيذ المشروع، إلا أن أمريكا ربطت بين دخول مصر حلف بغداد، الذي روجت له، وتمويل السد، فلما رفض عبد الناصر دخول الحلف جاء رد أمريكا على مصر مكتوبا في رسالة استدعت الخارجية الأمريكية سفير مصر أحمد حسين لتسلمها، ولكن جون فوستر دالاس قبل أن يسلم الرسالة للسفير المصري، أجلسه أمامه وراح يقرأ له بصوت مهين الرسالة التي كان نصها: «أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن من يبني السد العالي ـ أيا كان ـ سيكسب كراهية الشعب المصري لأن الأعباء المترتبة عليه ستكون مدمرة وساحقة، ولن يكون في وسع الشعب المصري أن يتحمل عبء تنفيذ هذا المشروع الضخم، فمتطلباته تتجاوز ما تستطيع مصادر مصر احتماله، خاصة بعد التزامها بشراء الأسلحة (إشارة إلى صفقة السلاح التي أعلن أن مصر عقدتها مع السوفييت عن طريق تشيكوسلوفاكيا) وإننا في الولايات المتحدة لا نريد أن نكون مكروهين في مصر، وسوف نترك هذه المنفعة للاتحاد السوفييتي، إذا كان يعتقد أنه يريد أن يبني السد العالي». كان عبد الناصر يومها في زيارة ليوغوسلافيا، وبدا أن الأمر لم يعد مشروعا عليه خلاف في حساب اقتصادياته، وإنما صفعة مهينة من أمريكا لمصر، التي تجرأت ورفضت دخول حلف بغداد، الذي تبنته وراح المصريون ينتظرون في لهفة عودة عبد الناصر للرد على أمريكا التي لم تتصور أنها ستغير برسالتها تاريخ المنطقة».
ثمار ثورة يوليو
وإلى «المساء» والسيد العزاوي الذي قال في عموده «بكل حرية»: « على مدى 65 عاماً كلما مر يوم 23 يوليو تقفز إلى الذاكرة أحداث هذا اليوم المجيد في حياة أهلنا المصريين، في كل ربوع هذا الوطن الحبيب.. مجتمع النصف في المئة أرهقه الإقطاع بأساليبه التي تعتمد على نهب حقوق الفقراء. الجشع والطمع يسيطران على هؤلاء الاقطاعيين.. أسماء كان لها رنين في هذه الفترة الحالكة من الظلام واختفاء أضواء الحرية، ما زالت الأحداث والوقائع التي شهدتها أرضنا الطيبة، الفلاح حقوقه مهدرة، الشباب يعاني من الفقر والحرمان حتى من الحرية أبسط الحقوق. ما زالت الذكريات الأليمة تتداعي إلى الذهن لعل من أهمها ما ذكره أحد أساتذتنا في التعليم المشهود لهم بالكفاءة والاعتدال، يقول: خلال فترة الصيف خرجت مع ثلاثة من الزملاء وبينما نحن نسير في الطريق إذا بشاب من أبناء أحد الاقطاعيين يتقدم نحو أحد الرفقاء ويقوم بتمزيق جلبابه الأبيض بحركة هستيرية وكبرياء أذهلنا جميعاً.. وتحدث بكلمات تعبر عما يدور في أفكار هؤلاء الإقطاعيين.. لكن عندما جاء صوت عبدالناصر هادراً بتلك العبارة.. إرفع رأسك فقد مضى عهد الاستبداد والاستعمار.. هنا فقط عادت الطمأنينة لقلوب هؤلاء البؤساء الذين أرهقهم الاقطاع والاستعمار على مدى سنوات طويلة. ومهما اختلفت الآراء حول ثورة 23 يوليو فإنها تظل المحرك الأساسي لاحياء الحرية والوطنية وعودتها في أعمال وقرارات أزالت الفوارق الاجتماعية بين الطبقات.. وكانت استجابة الشعب شديدة الحماس والإقبال نحو المشاركة في إعادة بناء هذا الوطن بعيداً عن الاحتكار وجشع الإقطاع وكبرياء الأثرياء. ومن الأحداث التي توضح مدى عودة الروح لفقراء بلدنا الطيب.. وتتمثل هذه الأحداث في أن سيدة من البؤساء توجهت إلى مأمور المركز التابعة له قريتنا تشكو من تصرفات أحد الجيران فإذا به يتجاهلها ولم يعرها أي اهتمام، فصارت تبكي وطلبت من أحد شباب القرية أن يكتب لها رسالة للزعيم جمال عبدالناصر رحمه الله.. وتم إرسالها بالبريد.. ولم تمض سوى عدة أيام وإذا بالسيدة تفاجأ بمأمور المركز يأتي إليها في مسكنها ويحقق لها شكواها، معتذراً عما حدث من قبل. هذا قليل من كثير. ثورة 23 يوليو كانت لها آثار طيبة خاصة في إحياء الروح الوطنية ونزع الخوف من تلك الطبقات الكادحة التي لم تنس أيام السخرية أثناء حفر قناة السويس.
لقد كان عبدالناصر يدرك مدى أهمية الشباب ودوره في بناء الوطن ومشاركته الفعالة في التشييد والبناء، لذلك كان هؤلاء الشباب في مقدمة اهتماماته. أوجد عملاً لكل شاب بمجرد تخرجه من الجامعة. واستطاع مواجهة البطالة بأسلوب علمي.. واستغلال طاقة هؤلاء الشباب.. في العمل الوطني.. فكان منهم أبطال ونجوم استطاعوا امتلاك ناصية البحوث العلمية، ونالوا تقدير مراكز البحث في شتى أنحاء العالم. حصل هؤلاء الشباب على جائزة نوبل وصارت أبحاثهم ملء السمع والبصر. ولا تزال شاهدة على أن أبناء مصر قادرون على تخطي أعتى الحواجز بجهد علمي ووطني. هؤلاء النوابغ كانوا من ثمار ثورة 23 يوليو وجهود رجال أوفياء انصهرت أفكارهم وأعمالهم في بوتقة واحدة. فصارت مصر شامخة بجهود أبنائها الأوفياء».
محاكمة الماضي
أما أكرم القصاص رئيس التحرير التنفيذي لـ«اليوم السابع» فقد قال مقاله الذي عنونه بـ»عبد الناصر ويوليو محاكمة الماضي بالحاضر»: في يوليو/تموز من كل عام يعود الجدل البيزنطي حول ثورة 23 يوليو/تموز وعبدالناصر، اللافت للنظر أنه على الرغم من مرور 65 عاما على 23 يوليو وأكثر من 47 عاما على رحيل جمال عبدالناصر، تقف المناقشات عند النقطة نفسها من دون أن نغادرها ونحاكم الماضي بقوانين الحاضر، وفي الوقت نفسه يظل النقاش عند العداء أو التأييد من دون محاولة لكتابة هادئة للتاريخ، بشكل يبتعد عن التعصب مع أو ضد. وقد كان عبدالناصر ابن زمانه وعصره، وكان العالم مقسوما بين أقطاب، والاشتراكية خيارا لدول. ومجتمعات خارجة لتوها من الاستعمار، وحتى السياسات الاقتصادية والملكية العامة للخدمات والمؤسسات أمر سائد حتى في دول أوروبا العريقة قبل أن تلتحق بقطارات الخصخصة. في الوقت نفسه فإن النظر إلى جمال عبدالناصر يفترض أن يكون من زواياه المختلفة وبقوانين عصره وهو بالطبع عصر لم يخل من أخطاء، لعل من أهمها التعثر في بناء نظام سياسي تعددي قادر على الاستمرار. من زاوية المصلحة فإن الطبقة الوسطى الصغيرة والمتوسطة والفلاحين والعمال في مصر تغيرت حياتهم وأصبح لدى أبناء الفقراء فرصة الصعود الاجتماعي بالتعليم والتقدم، ومن تفوق منهم حصل على مكانة اجتماعية نقلته اجتماعيا إلى القضاء والجامعة والجيش والبوليس، لكن من المفارقات أن الفئات نفسها التي استفادت من المجانية وتكافؤ الفرص، هم أنفسهم الذين ورثوا أبناءهم مناصبهم وأوقفوا تكافؤ الفرص ومنعوها عمن هم في ظروفهم نفسها ولا يمكن أن تكون ثورة يوليو هي المسؤولة عن هذا، وإنما المسؤول هم الذين تولوا السلطة ولم يحافظوا على الفرص التي حصلوا عليها. الأمر نفسه في ما يتعلق بتدهور التعليم والعلاج، الذي جرى في العهود التالية فقد كانت أعداد المدارس والمستشفيات كافية لأعداد المواطنين وقتها، وكان التعليم والعلاج متاحا بشكل مناسب، لكن كان السكان 25 مليونا وتوقفت التنمية في التعليم والصحة طوال عهود بينما تضاعفت أعداد السكان. وكل هذا مجرد أمثلة تحتاج إلى مناقشات هادئة بعيدا عن التعصب والمناقشات البيزنطية تدور حول الماضي وليس فيها كاسب وخاسر».
محمد نجيب ومصالحة مع التاريخ
وعودة إلى «المصري اليوم» لنكون مع وزير الثقافة المؤرخ حلمي النمنم، الذي أثار قضية إطلاق الرئيس السيسي اسم اللواء محمد نجيب على القاعدة العسكرية الجديدة في المنطقة الغربية وقال حلمي تحت عنوان «مصالحة مع التاريخ»: «إطلاق اسم اللواء محمد نجيب على أكبر قاعدة عسكرية في مصر والمنطقة، يمثل مصالحة مع التاريخ، وليس مجرد رد اعتبار لاسم وطني كبير، ذلك أن أي تقييم منصف لثورة يوليو 1952 لا يمكن أن يتجاهل دور محمد نجيب في إنجاحها، خاصة ليلة 23 يوليو. في هذه الليلة كانت خطة الضباط الأحرار التي وصفها زكريا محيي الدين أن يتم حصار مبنى وزارة الحربية، والذي حدث أن الحصار تم وكان القادة مجتمعين بداخلها، ولو استمر الاجتماع واتخذوا قرارات وخططا بديلة لربما تغير وجه التاريخ، لكن محمد نجيب طلب ألا يكتفوا بالحصار، بل يتم اقتحام الاجتماع وإلقاء القبض على هؤلاء القادة، وهو ما أصاب رجال الملك فاروق بالشلل التام، ومن ثم نجحت العملية. لم تكن وطنية نجيب وجراءته في أنه قَبِل قيادة التنظيم فقط، لكن ليلة 23 يوليو اتصل به وزير الداخلية مرتضى المراغي يطلب إليه باسم الملك أن يذهب إلى أولاده من الضباط ويقوم بتهدئتهم والتعامل معهم. كان الملك نُصح من البريطانيين والأمريكيين على لسان السفير الأمريكي كافري، أن يتفاهم مع الضباط المتمردين، فلعله بذلك ينجح في عبور الأزمة، ويصبح ملكاً دستورياً، ولذا لجأ إلى محمد نجيب، ثم حدث الخلاف السياسي بينه وبين بقية زملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتم إعفاؤه من كل مناصبه، وحُددت إقامته، لكن هذا لا يلغي دوره وتاريخه، ومحاولة الإلغاء تلك أضرت بتاريخ الثورة وباسم جمال عبدالناصر نفسه. مثلاً يحمّل كثير من الدارسين والمثقفين عبدالناصر مسؤولية إعدام خميس والبقري سنة 1952 في حين أن المحكمة العسكرية التي حاكمتهما كانت برئاسة عبدالمنعم عبدالرؤوف الإخواني العتيد والمصر على إخوانيته، أي أن الإخوان شاركوا في أول محكمة عسكرية بعد 23 يوليو وترأسها واحد منهم، وكان اللواء محمد نجيب هو الذي وقّع حكم الإعدام ومن ثم تنفيذه وقد نال اللواء نجيب إشادة الخارجية الأمريكية في بيان رسمي على أنه وقع قرار الإعدام».
دور محمد نجيب في ثورة يوليو
وفي «الأهالي» لسان حال حزب التجمع اليساري قالت رئيسة تحريرها أمينة النقاش في عمودها «ضد التيار»: «جاء افتتاح قاعدة محمد نجيب العسكرية كأكبر قاعدة برية في الشرق الأوسط في هذا التوقيت، ليبعث بأكثر من رسالة، وفي أكثر من اتجاه، فالافتتاح تم في الاحتفال بالعيد الخامس والستين لثورة 23 يوليو، لكي يذكر المصريين بالدور الذي لعبته القوات المسلحة في الحركة الوطنية المصرية، خاصة بعد ثورة يوليو، وأن الجيش ينظر إلى قياداته كوحدة واحدة، بصرف النظر عن الخلافات بين الذين تصدوا لقيادتها، إذ المهم أن نواصل استكمال أهداف هذه الثورة، وأن نحافظ على ما حققته من إيجابيات، لنتجنب ما اضطرتها الظروف للوقوع فيه من أخطاء، وبينها محو اسم محمد نجيب أول رئيس لمجلس قيادة الثورة ولمصر الجمهورية، من الذاكرة ومن كتب التاريخ، رغم الشعبية التي كان يحظى بها في مصر والسودان قبل استقلاله، والدور المهم الذي قام به كقائد للجيش في استمرار الثورة وعدم تمكين أعدائها من الانقضاض عليها».
حكومة ووزراء
وإلى الحكومة التي قال عنها أمس الأربعاء في «الأخبار» محمد الهواري في عموده «قضايا وأفكار»: «نجاح خطوات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أكدته مؤسسات التمويل الدولية، يعطي الأمل في تحسن الأوضاع وتخفيف الأعباء عن المواطنين، خاصة بعد تدفق الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، وإنشاء المشروعات الجديدة، بما يساهم في استيعاب أعداد كبيرة من الكوادر والشباب، وتعمل على زيادة الإنتاج وأيضا زيادة الصادرات، بما يعزز الاحتياطي من النقد الاجنبي، وأمامنا شهور قليلة ستتم خلالها إقامة المزيد من المشروعات الجديدة، وأيضا بدء إنتاج الاكتشافات الجديدة من البترول والغاز بما يقلل الاستيراد من الخارج».
حالة الفوضى والانهيار
وفي الصفحة العاشرة من «الأهرام» أشاد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام مكرم محمد أحمد بصبر الشعب قائلا في عموده «نقطة نور» وهو يعلق على حوارات الرئيس مع الشباب: «نعم شرب المصريون مر الدواء وتحملوا ما لا يستطيع شعب آخر أن يتحمله صابرين راضين، أملا في فرج قريب. أحيانا يتململون ويشكون، لكنهم يعرفون جيدا أن تراكم المشكلات على فترات زمنية طويلة من دون حلول جذرية زاد الوضع سوءا، ولم يترك خيارا آخر للمصريين سوى المواجهة الصحيحة لجذور المشكلة التي تكمن في أننا نستورد أكثر مما نبيع ونصدر، ونستهلك أكثر مما ننتج، وننفق أكثر من دخولنا. وما من حل الآن سوى أن نواجه أنفسنا بصراحة لنخرج من حالة الفوضى والانهيار، نستعيد تماسكنا الاجتماعي ونسترد الدولة القوية ونخوض معركة التنمية بكل قوة، إلى جوار حربنا على الإرهاب، نصلح مليون فدان جديدة، ونبني عدة مدن كبرى سوف تكون الأجمل والأكثر تحضرا، ونواصل حربنا على الإرهاب الذي ينحسر بقوة في سيناء، ونطارد فكرة التطرف في معركة لاتزال مستمرة، وسوف نحتاج المزيد من الوقت، لكننا باليقين نمض على طريق واضح وصحيح، نعرف غايتنا ونمتلئ عزما وتصميما وباليقين سوف ننجح وسوف ننجح بإذن الله. أخي المواطن أنظر حولك ودقق النظر كي ترى كيف تتغير الحياة في مصر إلى الأفضل، رغم المتاعب التي لانزال نكابدها وثق بأن السيسي يصدقك القول عندما يؤكد لك أن الأزمة إلى زوال وفرج الله قريب».
أحبطتنا
يا رئيس الوزراء
لكن كلام الهواري ومكرم لم يقنع الكاتب مجدي سرحان في «الوفد» لذلك قال في عموده «لله والوطن»: «الشعب لم يعد في مقدوره تحمل المزيد من الصبر والتضحية و«ضنك المعيشة» بينما هو لا يرى بصيص أمل في غد أفضل تطل عليه بشائره، ولا يجد أيضا وعداً صادقاً بأن إنجازاً محدداً سيحدث في وقت معين ثم يتحقق فعلاً هذا الإنجاز. لا شيء محدداً في ما يذكره رئيس الحكومة الثمار سنجنيها «تدريجيا» والنتائج أيضا سوف تظهر «تدريجياً» متى؟ وكيف؟ وأي ثمار يقصدها؟ وهل لديه برامج زمنية لذلك؟ وما دلالة صحة هذه التوقعات؟ لا أحد يعلم وبالتالي لن يصدق أحد هذه الوعود، ثم هو يؤكد أنه ستكون هناك نتائج إيجابية لأن ما تم اتخاذه من قرارات «يجب أن يؤتي ثماره»! لكن الحقيقة المؤلمة هي أن أهم ما اتخذ من هذه القرارات لم يأت إلا بنتائج كارثية مؤلمة، ونقصد قرار «تعويم الجنيه» أو تحرير سعر الصرف الذي قيل لنا إنه فيه الخير كله بينما لم يأت إلا بالشر والفقر».
أكشاك الفتوى
ومن أعاجيب الحكومة أنها أنشأت في محطات المترو في القاهرة «أكشاك» يجلس في كل كشك شيخ أزهر يتلقي أسئلة الركاب ويفتيهم فيها ولقي هذا هجوما عنيفا وساخرا بينما دافع عنه أمس الأربعاء في «الأهرام» هاني عسل في مقال له عنوانه «أكشاك الفتاوى بين التشجيع والتسخيف» قال فيه: «قالوا عنها فكرة متعارضة مع مبدأ «مدنية» الدولة وضد المواطنة وتساءلوا، «ماذا لو طلب الإخوة الأقباط إقامة أكشاك مماثلة لهم»؟ ونسى أصحاب هذا الطرح أن من يقتلنا ويسفك دماءنا منذ سنوات تحت مسميات «داعش» و«القاعدة» وطالبان والإخوان وحماس وحسم وأنصار بيت المقدس وغيرهم يفعلون ذلك باسم الإسلام، للأسف الشديد، وباسم تفسيرات منحرفة للنصوص. والمسلمون مطالبون بالفعل بكشف زيف ادعاءات هؤلاء ونشر الفكر المعتدل بدلا من ترك الساحة تماما لمشايخ «بير السلم» والمساجد «المختطفة» وزوايا التطرف والتكفير المنتشرة في حواري مصر ونجوعها التي تنشر سمومها للبسطاء، وتؤدي إلى ضخ متطرفين جدد في شبكات الإرهاب، سخروا من الفكرة «شكلا» فاقترحوا إنشاء أكشاك للموسيقى وأخرى للكتب وطالبوا بتوفير النظام والنظافة والأمان في محطات المترو أولا، قبل تقديم الفتاوى، ونسي هؤلاء أيضا ضرورة تشجيع كل جهد حميد يبذل في أي اتجاه، وعلى كل جهة القيام بمسؤوليتها في الجزء الذي يخصها، علما بأن ظهور رجال الأزهر أمام المواطنين مطلوب فعلا لمواجهة «طوفان» الدعاة والداعيات داخل عربات المترو وخارجها، واسألوا بناتكم وزوجاتكم عما يحدث في عربات السيدات تحديدا من هؤلاء؟ وبالعكس يا حبذا لو اتسع نطاق الفكرة وكان لدينا دعاة «متحركون» أو فتاوى «متنقلة» لماذا لا تكون مهمة هذه الفتاوى المتنقلة مجرد نصائح تدعو إلى حسن الخلق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبدون إجبار أو فظاظة أو إساءة إلى أحد؟ وبدون تدخل في خصوصيات أحد؟ ساندوا أكشاك الفتوى وشجعوها بدلا من «التسخيف» و«التخويف» فمجتمعنا بالفعل في أمس الحاجة الآن – وللأسف الشديد – إلى «المفتي» و«رجل شرطة» لكل مواطن».
«عروض للعيال»
وفي حقيقة الأمر فإنني لا أعرف إن كان راكب أو راكبة يسأل الشيخ وأثناء إجابته يأتي القطار فبالتأكيد سوف يتركه ويجري ليركبه. وقد أخبرنا رسام «الأخبار» هاني شمس أنه كان في إحدى المحطات بجوار كشك للفتوى فشاهد سيدة ومعها أبناؤها وسمعها تقول للشيخ: مش عاملين عروض عاوزين حاجة للعيال يتغدوا بيها».
حسنين كروم