ماكرون الليبي: ترميم خرائب فرنسا

حجم الخط
3

 

سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عقد اتفاق من نوع ما، بين فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، والمشير خليفة حفتر قائد ما يسمى «الجيش الوطني الليبي». وإذا صحّ إدراج المبادرة الفرنسية في باب النوايا الحسنة تجاه بلد سبق لفرنسا أن مارست فيه سياسات هوجاء، خلال عهد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خاصة؛ فإن الواقع السياسي والعسكري على الأرض، وكذلك تشابك المصالح الإقليمية والدولية وتناقضاتها ومتغيراتها الكثيرة، لا يبدو أنه سوف يتيح دوراً متميزاً يمكن أن تلعبه باريس ضمن الشبكة الأوسع.
غير أنّ مبادرة ماكرون لا تخرج، بدورها، عن روحية مبادرات أخرى أوروبية، إذا ضرب المرء صفحاً عن الأدوار العربية، والدور الأمريكي المنفرد؛ لأنها إنما تبدأ من إعلاء الأمر الواقع على الأرض (من باب «السياسة الواقعية» بالطبع)، فوق الاعتبارات الأعمق، الاجتماعية والمناطقية والعشائرية والميليشياتية، التي تقسم الشعب الليبي وتديم التأزم.
فليس خليقاً بدولة مثل فرنسا، بلد الثورة الفرنسية، والجمهورية ذات النظام الديمقراطي، والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي؛ أن تساوي بين شرعية السراج المدنية المعترف بها أممياً، و»شرعية» حفتر المنبثقة عن الفعل العسكري وحده والرافضة للحكم المدني والمرتبطة علانية بجهات خارجية. صحيح أنّ ما جرى مؤخراً على الصعيد العسكري يرجح كفة حفتر في معادلة التوازنات الداخلية، ولكن اقتياده إلى الحل السياسي (كما يبرر ماكرون روحية مبادرته) ليس وارداً والمشير في «فورة» انتصاراته، فحسب؛ بل لعلّ طفرات أعماله العسكرية المتعاقبة، وما يلقاه من دعم عسكري خارجي مباشر، كفيل بدفعه إلى مزيد من الغطرسة والتعنت والتفرد في إملاء الحلول.
كذلك يسعى ماكرون إلى توطيد «فلسفة» جديدة بصدد السياسة الخارجية لفرنسا، تنهض أولاً على مبدأ الانطلاق من الواقع الفعلي على الأرض، أياً كانت المظانّ التي يمكن أن تطعن في هذا الانطلاق، وربما في أخلاقية المنطلق أساساً. وما دام المشير حفتر يحارب الإرهاب، في تعريفاته الغربية وبينها الفرنسية بالطبع؛ وما دام أيضاً، يقود جيشاً «نظامياً»، حتى إذا كان متمرداً وغير خاضع لشرعية الحكم المدني؛ فلا بأس من التعامل مع حفتر، بل لِمَ لا؟ أو: أليس هذا الخيار أجدى؟
مبدأ آخر تنهض عليه «فلسفة» ماكرون، هو وضع مناطق التأزم، وفي الشرق الأوسط على نحو محدد أكثر، على محك من طراز» واقعي» آخر: هل تسبب النزاع القائم في انقلاب البلد إلى «دولة فاشلة»، أم لا؟ في الحالة الأولى، لا علاج سوى المزيد من التسليم بالأمر الواقع، تحت ذرائع شتى (حفتر في ليبيا نموذج أول، ومقولة أن بشار الأسد ليس عدوّ فرنسا ذريعة ثانية). أما إذا كان البلد لم ينزلق بعد إلى حافة الدولة الفاشلة، فإنّ علاجات ماكرون تتوقف هنا، أو تُرجأ: لكلّ مقام مقال!
جليّ، أيضاً، أنّ ماكرون ينخرط في مراجعة أسلافه الرؤساء، بصدد السياسة الخارجية عموماً، وسياسة فرنسا الأفريقية بصفة خاصة، وهو لا يبدأ من سلف أقرب مثل فرنسوا هولاند، فقط؛ بل يذهب أبعد كثيراً، ربما إلى مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال ديغول نفسه! له حقّ في هذا لا يُنازَع، غنيّ عن القول، ولكن بعض المراجعات قد تنتهي إلى بناء خراب جديد فوق ركام الخرائب السالفة؛ كما في سياسة ساركوزي الليبية التي بدأت من صداقة معمر القذافي، التي يحقق القضاء الفرنسي في احتمالات فضائحها المالية؛ ثمّ مرّت بنصائح «فيلسوف» مزيف مثل برنار هنري ـ ليفي، حول التدخل العسكري؛ ولا يلوح أنها توقفت عن الانحدار في عهد هولاند، واستمرار التدخل تحت جنح الظلام هذه المرّة.
والأرجح، بذلك، أنّ خرائب فرنسا في ليبيا لن يفلح في ترميمها لقاء بروتوكولي عابر، في ضاحية باريسية وادعة!

ماكرون الليبي: ترميم خرائب فرنسا

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية