«للكبار فقط» شعار يقوض نشاط السينما المصرية

حجم الخط
1

في حالات محدودة أو ربما نادرة كانت الرقابة العامة على المصنفات الفنية تفرض على دور العرض السينمائية وضع لافتة للكبار فقط أعلى شباك التذاكر، لتحديد الفئة العمرية من جمهور المشاهدين، وغالبا ما كان يتعلق ذلك بأفلام الأكشن والرعب، أو بعض الأفلام السياسية أو الأفلام العاطفية، التي تتضمن مشاهد جريئة لا يصح أن يشاهدها الأطفال والصبية الصغار. وقد رأينا نماذج من أفلام تحفظت عليها الرقابة، ولكنها سمحت بعرضها في إطار التوصية القانونية لتكون قاصرة فقط على البالغين والراشدين، ومنها «البريء وخمسة باب ودرب الهوى وشوارع من نار والمذنبون وأرجوك إعطني هذا الدواء» وعينات أخرى من أفلام مصرية لا تزال محفورة في الذاكرة لما أثير حولها من جدل وخلاف، فضلا عن عدد من الأفلام الأجنبية التي اتسمت بالعنف والجرأة أيضا.
ورغم أن حالات التصنيف السينمائي، كما أسلفنا، كانت قليلة ومحدودة للغاية إلا أن صيحات الاحتجاج والرفض من جانب المثقفين والسينمائيين كانت قوية لأن هناك من اعتبر ذلك تضييقا على الحريات وممارسات قمعية تضر باقتصاد السينما ومستقبلها، وتؤثر على نشاطها ورسالتها، وقد استمرت أزمة السينما المصرية سنوات جراء صدامها مع الأجهزة الرقابية، نتيجة عدم وجود صياغات ملائمة تلزم كل طرف بضرورة الحفاظ على الصناعة السينمائية وتفعيل المناخ الإبداعي، في جو من التفاهم دون أي تأثيرات سلبية يمكن أن تعود على المواطن والجمهور من متذوقي السينما ومحبيها.
وقد تباينت حالات الشد والجذب بين الرقابة الفنية وأصحاب الأفلام على مدار المراحل المختلفة، فهناك من الرقباء من كانوا على مستوى عال من الوعي والثقافة، فقللوا موجات الصدام والاحتدام ومرروا أعمالا مهمة ساهمت بشكل حقيقي في تنشيط السينما وإرساء قواعد الانضباط والمسؤولية، من غير نزاع وشجار واتهامات متبادلة، ومثلما شهدت الساحة السينمائية معارك ومبارزات، شهدت أيضا نهوضا وازدهارا.
الجديد الآن هو العودة إلى تثبيت شعار «للكبار فقط» على واجهات دور العرض السينمائية، بشكل يشعر المنتجين والمخرجين وكتاب السيناريو والنجوم وأصحاب دور السينما بالقلق، لاسيما أن تحديد الفئات العمرية كشرط لعرض بعض الأفلام أو أغلبها، ينذر بخراب مستعجل وخسارة مالية فادحة، تهدد بانهيار الصناعة تماما إذا استمرت صيغة التقويض والمصادرة غير المباشرة على هذا النحو، خاصة أن فترة الصيف من المواسم السينمائية المهمة، التي يتم التعويل عليها بشكل أساسي في زيادة الأرباح والإيرادات وتعويض مواسم الركود، غير أن موسم عيد الأضحى بات على الأبواب، وهو فرصة ثمينة لزيادة الدخل، ويعتمد في الأساس على جمهور الشباب والطلبة، ولا يعني حرمان هذه الفئة من مشاهدة بعض الأفلام، حسبما تقضي اللوائح الرقابية، سوى الخسارة الوشيكة التي من الممكن أن تؤدي إلى إغلاق كامل لعدد غير قليل من دور العرض لو لم تفلح وزارة الثقافة في إيجاد حل مناسب لهذه المشكلة.
الغريب أن هناك عدة مراحل لصناعة الفيلم السينمائي يمكن من خلالها تعديل الشكل والصورة والمضمون، إذا كان هناك ضرورة حتمية لذلك، الأغرب أنه على الرغم من وجود أكثر من فرصة أمام طرفي الصراع، المبدعين والرقابة للاتفاق على الشكل النهائي للفيلم قبل خروجه للنور، وأثناء مراحل الكتابة والتصوير، لا يزال العناد هو المعوق لعملية التنسيق والتفاهم وتفادي الخلافات والخسائر، ولا يمكن في ظل الاضطرابات الحالية المطالبة بإلغاء الرقابة نهائيا، لأن عواقب الحرية المطلقة لن تكون مضمونة، فليس كل من يعمل في المجال الفني على مستوى واحد من المسؤولية والالتزام، ومن ثم لا يجوز أن يترك المجتمع عرضة لتجارب فنية وثقافية غير مدروسة وغير ملائمة تهدد قيمة وثوابته. ومن ناحية أخرى لا يمكن أن يكون الحل الأمثل لأزمة الانفلات الفني والتعبيري هو التقييد والمصادرة، ووضع السياج الحديدي على العملية الإبداعية برمتها، لأن هذا الإجراء سيقضي تدريجيا على الحركة الفنية، وأولها السينما صاحبة الامتياز الجماهيري والشعبي الأكبر من بين الفنون الأخرى. وأتصور أن تشكيل لجنة متجانسة من المبدعين والرقباء للنظر في ماهية الأعمال الفنية، وتحديد صلاحيتها ومستواها هو الفكرة الصائبة شريطة أن يكون لهذه اللجنة دور استشاري فعال يلزم الرقابة وشركات الإنتاج الفني بالإذعان للقرارات التي يتم التوصل إليها.

٭ كاتب مصري

«للكبار فقط» شعار يقوض نشاط السينما المصرية

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية