يتشكل العالم من المفاهيم التي تحدد نظامه. لا تعرف المفاهيم ثباتا من حيث الدلالة. والدلالة تستجيب لحاجيات سياق اشتغال المفهوم. تكمن الحاجة التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وراء ظهور المفهوم. غير أن المفهوم لا ينبعث من فراغ معرفي، كما أنه عند تحققه، واكتسابه زمنا تاريخيا من الممارسة، لا يتلاشى في العدم. إنه مستمرٌ باعتباره دلالة جديدة، حاملة معها ذاكرة الاستعمال السابق.
المفهوم مثل الحياة، يولد بدواعي ابستيمية، ويتكون ويتحول ويتطور. كل مفهوم هو استمرارٌ وتحولٌ وتطورٌ لحركة فكرٍ في معرفةٍ ما. غير أن المُتغير يكون في الوظيفة الجديدة للمفهوم، حسب مستجدات أسئلة المعرفة في علاقة تفاعلية بتحولات المجتمع والتاريخ. العالمُ زمنٌ يتشكل من المفاهيم. وكل تحول في نظام العالم، هو تحرك ٌ في زمن المفاهيم، ودلالاتها. فالمفهوم يتطور، ويُصبح مُنتِجا بشكلٍ مُختلف، ويمنح للعالم والحياة والعلاقات بُعدا جديدا. يحيا المفهوم من حركية دلالاته، التي تُعبر عن حركية العالم. كلما انتقل العالم إلى زمنٍ، تغير منطقه واختلف نظامه. ومن أجل ضبط مظاهر التحول وزمنه، يحضرُ المفهومُ باعتباره من المداخل المُؤهلة للوعي بالمنطق الجديد، من أجل تدبير التحول والانخراط فيه. إذا كان العالم ينتقل مع الزمن التكنولوجي إلى حالة تاريخية جديدة، تفرض انتماء مُغايرا في الحياة، وانخراطا مختلفا في التاريخ، فإن من أهم مظاهر هذا الزمن، بروز مجموعة من المفاهيم التي تحدد نوعية التواجد الإنساني، أو بتعبير آخر، تُحدد موقع الفرد ضمن التدبير العام للحياة والتاريخ.
من بين أهم هذه المفاهيم، نلتقي بمفهوم الشراكة الذي بات مُلازما للاقتصاد والسياسة. الشراكة التي تؤدي إلى التآزر الذي يحقق هدفا مشتركا بين اثنين أو مجموعة أو جماعة. ويتم التبئير في هذا المفهوم على قيمة الهدف المُحقق وفق الشراكة، وهي القيمة التي قد لا تتحقق عندما يشتغل كل فرد/عنصر وحده. لكن، الشراكة تشتغل وفق قوانين واتفاقيات، تكون ملموسة في ميادين مثل السياسة والاقتصاد وضمنية في ميدان المعرفة والأدب والثقافة.
معرفيا، عندما نتأمل مختلف المفاهيم الجديدة، أو الدلالات الجديدة للمفاهيم المألوفة، سنلاحظ أن مفهوم الشراكة يُعتبر من بين عناصر تنشيط دلالات هذه المفاهيم، أو وراء بروز مفاهيم جديدة. نلتقي هنا، بمفهوم الثقافة الذي يعرف تحولا في دلالته، وذلك حسب مُستجدات استعماله في علاقته بمفاهيم أخرى مثل: السوق والصناعة والهندسة والاقتصاد والشراكة والاستثمار والتنمية والخدمات وغيرها.
لقد أصبحت للثقافة اليوم علاقات تفاعلية ووظيفية مع مجالات عديدة ومختلفة، وبدأت تتغذى من موادها وأساليبها ومنطقها، كما بدأت تقترح حلولا وإمكانيات لهذه المجالات التي تنتقل ـ بدورها ـ إلى مجالات حيوية ومُنتجة.
تنتقل الثقافة مع الدلالة الجديدة، ومن خلال مناخ منطق الشراكة، من زمن مُحقق إلى زمن مُمْكِن تحقيقه، ومن معرفة مُنجزة إلى معرفة قابلة للإنجاز، ومن الموجود إلى الممكن والمُحتمل. تنتقل الثقافة إلى مستوى مُستقبلي. لم تعد مرتبطة فقط بما تم إنجازُه، وإنتاجُه وتوارثُه بمُوجِبِ الذاكرة الجماعية، إنما إضافة إلى ذلك، انتقلت الثقافة إلى صناعة وتخطيط وتدبير وتصور ورؤية، إلى هندسة، عبر الحاضر الشريك، الذي لم يعد مجرد مُستقبِلٍ ومُحافظٍ، إنما مُنتج للثقافة وصانع لها، وجاعل منها قوة اقتصادية بامتياز.
كما لم تعد الثقافة تتحدد فقط في ما أُنْجِز، ولكن أيضا، فيما يُمكن إنجازه وإنتاجه وصناعته. وهو انتقالٌ حاصلٌ في فعل الذات المُثقفة أو المُنتجة للثقافة، من ذاتٍ مُستقبِلة لمعارف وأفكار، وامتلاك قدرة على التصرف فيها وتصْرِيفِها، إلى ذاتٍ صانعةٍ لثقافةٍ جديدةٍ، عبر منطق جديد، ونظام مختلف، وشراكة مع فاعلين جدد، يدخلون إلى المجال باعتبارهم وُسطاء لتحقيق المُنتوج الثقافي.
الاشتغال بالمفهوم الجديد للثقافة في علاقة بمفهوم الهندسة، من أجل إضاءة علاقة التنمية الممكنة بين الثقافة والاقتصاد. من أجل استثمار الثقافة اقتصاديا، وجعلها فاعلا وظيفيا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، يتطلب الأمر إعادة النظر في دور الثقافة في التدبير العام، في أفق تحويل موقعها من مجرد إرث تاريخي، يدعو إلى الحفاظ عليه، وتحصينه من التلف التاريخي، وربط قيمته الحضارية بالماضي، وتقييد فعله في زمن الذاكرة، والتشبث بوضعه التراثي، أو إدراكه باعتباره مجرد مادة رمزية مرتبطة بنخبة معينة، وغير مُؤهلة لكي تكون موردا اقتصاديا، إلى فاعل استراتيجي تنموي وظيفي، يجعل الثقافة في قلب التدبير الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، والانفتاح على المستقبل من خلال استثمار مختلف المجالات والمواقع الفنية والثقافية وتحويلها إلى فضاءات مُنتجة.
لقد انعكس المفهوم الجديد للثقافة، على مفاهيم أخرى، ونقصد بذلك، مفهوم الهوية، الذي بات يعرف- بدوره – تحولات ليس في تحديده الدلالي، إنما في طريقة تصريفه. الذي يحدث بشأن التحديدات المفاهيمية، أن الأمر لم يعد يعتمد التفكير المسبق للمفهوم، وبناء جهاز معرفي يُؤطر عملية الفهم، وإحداث المعنى الدلالي للمفهوم، إنما بتنا نلتقي بتوظيف مختلف للتحديد المعرفي. فمفهوم الهوية مثلا أصبح يتم تصريف تحديده من خلال تدابير اقتصادية ثقافية، تتم عبر تحويل أنظمة الحياة الاجتماعية للشعب إلى أنظمة ثقافية، مثل تحويل الطبخ وأنواع الأكلات واللباس وتقاليد مناسبات الأفراح (الخطوبة، الزواج، العقيقة) وأنواع الموسيقى الشعبية والصوفية إلى مظاهر ثقافية، يتم تسويقها وفق آليات جديدة، فتحمل معها مفهوم الهوية. هوية شعب وتاريخه وذاكرته وتقاليده. ويدخل هذا المظهر في إطار الهندسة الثقافية لأنظمة الحياة الاجتماعية للشعوب. تنتقل الهندسة الثقافية بمظاهر الحياة المجتمعية إلى مستوى ثقافي يقوم بفعل دبلوماسي، قد يحقق ما لا تحققه العلاقات السياسية بين الدول، واستراتيجيات الحكومات والوزارات. فشجرة أركان التي تنتج زيت أركان في المغرب، تحولت إلى هيئة دبلوماسية تعمل على تسويق المغرب، والتعريف به، والاعلان عن نوعية منتوجاته، الشيء نفسه مع القفطان المغربي الذي تحول إلى سفير ثقافي يعبر العالم. لقد أصبح البعد الهندسي الثقافي في مظاهر الحياة الاجتماعية هو الذي يحدد دلالة المنتوج، ووظيفته وأفقه. كما يُؤمن هذا الاستعمال الجديد للثقافة مناصب شغل، نظرا لكون المادة الثقافية لم تعد مُرتبطة بحيزها الرمزي، إنما انتقلت إلى مجالات جديدة، عبر وُسطاء/ شركاء يعملون على تصريف الدلالة الجديدة لمفهوم الثقافة، والبحث عن الزبائن والأسواق.
الهندسة الثقافية بهذا المفهوم هي رؤية يتداخل فيها الثقافي بالاقتصادي، ويتولد عن هذه الشراكة في التداخل إنتاج مفاهيم جديدة، بموجبها تتقدم المجتمعات، سواء نحو الآخر، أو نحو نفسها. غير أن المفهوم الجديد في استعمال الثقافة ما يزال يتحرك ببطء في التجارب العربية، وهذا راجع لارتباط المفهوم الجديد بالاقتصاد من جهة، ومن جهة أخرى، ما تزال الثقافة قطاعا مُهمشا في الوعي الاستراتيجي العربي، وفي التدبير السياسي والحزبي، إلى جانب ضعف التكوين العلمي في هذا المجال، لأن المفهوم يحتاج إلى تصورات فكرية، وتكوين علمي، ورؤية واضحة من أجل تأمين انتقال الثقافة من الوضعية التقليدية إلى الوضعية الاستراتيجية بدون انحراف الانتقال، أو جعل الثقافة تنزاح عن قيمتها المعرفية، وتتحول إلى مجرد سوق وبضاعة. وعليه، فإذا كان مفهوم الهندسة الثقافية يمنح للثقافة أبعادا دلالية وظيفية، تنمويا واقتصاديا ودبلوماسيا، ويُحول مجالات مهمشة إلى فضاءات ثقافية تُدر أموالا، وتُساهم في اقتصاد البلدان والأفراد، وتُحفز على جعل الثقافة قطاعا تنمويا بامتياز، شأنه شأن كل القطاعات الحيوية الاستراتيجية الأخرى، فإن موضوع سرقة ثقافات الشعوب اليوم، وتحويلها إما رقميا، أو عبر الواجهات الدبلوماسية والإعلامية والفنية إلى ثقافات الغير، وعملية السطو التي باتت تعاني منها ثقافات المجتمعات من أكلات وأزياء وتقاليد مجتمعية مثلما حدث /يحدث مع عمليات السطو على الأكلات الفلسطينية «الشكشوكة» من قبل إسرائيل، تجعلنا نطرح أسئلة حول وضعية تصريف هذا المفهوم، والحذر من انحرافه عن وظيفته، واستغلاله في الصراعات السياسية والحضارية.
روائية وناقدة مغربية
زهور كرام