العلمانية: الهروب من الحقيقة

هي قصة قديمة وربما استهلكت كثيراً، ومع ذلك لا بأس من الاستهلال بها، ففي الأربعينيات من القرن الماضي، ترشح أحمد لطفي السيد في الانتخابات، فما كان من منافسه إلا أن أشاع أن السيد ديمقراطي، وأن الديمقراطية تعني أن يسمح للمرأة بالزواج بأربعة رجال، مثلما هو الأمر مع الرجال.
وفي أحد المؤتمرات الانتخابية تقدم أحدهم من السيد ليسأله عن حقيقة كونه ديمقراطياً، ولما كانت إجابة السيد تؤكد ذلك انسحب الرجل ومعه الحضور، وسقط من يلقب بأستاذ الجيل في الانتخابات.
للقصة عدة روايات، وربما تكون تعرضت لكثير من التحوير والمبالغة، ولكنها تدلل بعمق على توطن النزعة باستخدام المصطلحات في غير موقعها وبغير معناها، وإذا كانت الديمقراطية جراء كثرة الاستخدام والتشدق أصبحت مفهوماً شائعاً، واصطبغت بسمعة حسنة، عكس ما كانت عليه قبل قرن من الزمن، فإن كثيراً من المصطلحات ما زالت تعاني من سوء الفهم (المضحك المبكي). وفي مقدمة ما يقع على مفترق الاستخدام الجزافي والعشوائي مقولة العلمانية، وللوقوف على الأمر بصورة أعمق، فاستخدام المقولة وليس المصطلح في الحديث عن العلمانية ينتج أصلاً عن أن الثقافة العربية لم تستطع إلى اليوم أن تفض بصورة قطعية الاشتباك بين من يلفظونها بكسر العين ومن يصرون على استخدام الفتحة، وبين الفريقين تتغيب النية الحقيقية لفهم المصطلح.
أنا ممن يفضلون القول بأن الترجمة لمصطلحSecular   لم تكن دقيقة منذ اللحظة الأولى، فالعلمانية (بالفتحة) كان من الأولى أن تترجم إلى الدنيوية، أما (بالكسرة) فربما كانت العلموية أو العلمية تعبيراً أدق عما يفهمه من يأخذون بهذه اللفظة، ومهما يكن الأمر من ترجمة فإن الشائع فهمه هو أن توضع العلمانية بوصفها نقيضاً للدين، مع أن الإلحاد نفسه لا يعتبر نقيضاً للدين فهو نقيض للإيمان، ولكنه دين في حد ذاته، أما النقيض للدين فهو اللادين أو الشكوكية، وكل هذه المصطلحات مجرد أوصاف عقائدية. أما العلمانية (وتستخدم في سياق الخطأ الشائع لدرجة الاستقرار) فهي وصف سياسي تنظيمي يعني فصل الدين عن الدولة.
كلمة الدين تعني أي دين وكل دين، ولذلك فإن أحمد لطفي السيد، الذي كان مريضاً بالعلمانية بجانب وبائه الديمقراطي، كان يطالب بإغلاق المدارس المسيحية والإسلامية معاً، وعلى الأقل ألا تتولى الدولة الإنفاق على هذه المدارس، وهذه الرؤية المتطرفة عطلت أصلاً تطور العلمانية، وألحقت بها السمعة السيئة، فالدولة ضمن المفهوم العلماني يمكن أن تقدم التعليم الديني، وأن ترعاه وتموله، وحتى أن تقدم دعماً لدور العبادة، ولكن ذلك لا يعطي أتباع أي دين ميزة أو استحقاقا لمجرد أنهم أتباع ذلك الدين، كأن تقتصر مناصب معينة في بنية الدولة على دين شاغليها، وبالنظر من هذه الزاوية يمكن القول بأن الإسلام نفسه كان ديناً لا يعارض العلمانية ولا يناصبها العداء، كل ما في الأمر أن العلمانية كما الدين الإسلامي نفسه جرى توظيفهما لمصالح سياسية ضيقة.
علمانية الإسلام ليست مقولة تريد أن تخلق ذلك التعسف الذي أحاط ببدعة اشتراكية الإسلام، التي أتت ارضاءً لتوجهات سياسية لدى بعض الدول العربية في مرحلة معينة، فالإسلام بالفعل يمكن أن يوصف بالتسامح مع العلمانية إلى درجة بعيدة، فمن ناحية كان وجود النزعة التنزيهية العالية في الإسلام، مقارنة بأي ديانة أخرى، جعلت السماء منفصلة عن الأرض، وهي الخطوة الأولى نحو رفض نظرية الحق الإلهي، الذي ادعته الملكيات الأوروبية وكان قواماً أساسياً للملوك من أبناء الآلهة في الحضارات القديمة، وأتى النص القرآني ليؤكد أصلاً على بشرية الرسول (الشخصية المركزية في الإسلام) ويحصر سلطته في وظيفته التبليغية، أما الخلافة فكانت ترتيباً سياسياً كانت أحداث السقيفة بعد وفاة الرسول تدلل على عفويته، وأنه كان موازنة حساسة بين إتاحة الخلافة للأنصار بما يفتح الباب لقبائل عربية أقوى من المهاجرين والأنصار معاً للمطالبة بالسلطة الدنيوية، في مشروع الدولة التي كانت متناسبة مع عصرها، أو حصرها في نسل الرسول بما يجعل الأمر ملكية تقوم منذ اللحظة الأولى على ادعاء الحق الإلهي وجعله أساساً للحكم.
إن انتقال الخلافة لم يكن فعلاً كهنوتياً على الطريقة الباباوية، ولكنه كان تصريفاً سياسياً يجعل للخليفة سلطته التي تنحصر في مفهوم الدولة وشأنها الدنيوي، وكانت مؤسسة القضاء هي الأقرب إلى الجانب الديني، ومع ذلك وفرت أمثلة عديدة في فصلها في قضايا بين مسلمين في مواقع متقدمة من حيث المكانة الدينية والتاريخية، وبعض أبناء الديانات الأخرى، وكانت تكفل لهم حقوقاً كاملة وخصومة متوازنة، وكانت بعض المناصب الحساسة تناط بأتباع الديانات الأخرى لدرجة أن المالية كانت تقريباً من الشؤون المناطة حصراً باليهود.
المشكلة اليوم ليست بين العلمانية والإسلام، ولم تكن كذلك في أي مرحلة سابقة، إذا اعتبرنا أن الإسلام حدث داخل التاريخ قابل للتطور، وأن إعاقته عن التقدم كانت نتيجة ظروف دنيوية ترتبط باهتراء منظومة الدولة والسلطة، فالواقع أنه يوجد استغلال للإسلام في ظل تآكل شرعية الدولة، وكان الإسلام طريدة هذه الشرعية القلقة في مرحلة متأخرة، وبدأ يدفع بالإسلام لمعركة مفترضة مع العلمانية، لأن الدولة لا تريد أن تبحث في الشرعية ولا أن تتوقف عندها. لماذا لم تنجح الديمقراطية بالصورة المنشودة، ولماذا يعد طرح العلمانية بهذه الطريقة انتحاراً لدعاتها؟
ببساطة لا يمكن أن تسير عربة تجرها الخيول بمحرك سيارة حديثة، فالعربة نفسها ستتفكك نتيجة سرعتها، وعدم قدرتها على امتصاص مصاعب الطريق، وكذلك الأمر مع الديمقراطية، التي بدأت تتشكل بمجرد صندوق انتخابي بدون إحداث الإصلاح المطلوب اجتماعياً، الأمر ذاته بالنسبة للعلمانية التي تحتاج إلى متطلبات كثيرة قبل أن تصبح أصلاً موضوعاً للنقاش، عدا بالطبع أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة.
الزج بالعلمانية هو هروب من مشكلات تتعلق بالإصلاح، الذي يجب أن يتقدم ليبدأ من تعزيز سلطة القانون واحترام الإنسان وحقه في الاختلاف، وحريته في الفعل الاجتماعي والمدني والسياسي، واستغلال العلمانية هو تمويه يتكئ على السفسطة للتهرب من استحقاق الحديث عن الشرعية، التي يجب أن تتشكل في إطار المنجز الذي تقدمه الدولة، وتحقيق درجة مقبولة من الرضا من قبل المواطنين عن أداء الدولة، بوصفها تمثيلاً لوجودهم الحضاري، وهو الأمر الذي يتطلب أولاً تعزيز مفهوم المواطنة الحديث على حساب تعبير الرعايا بدلالاته القديمة. العربة أمام الحصان في قضايا الحداثة ويجب على أحدهم أن ينقل الحصان أمام العربة، قبل أن يفكر في «الفيراري».
كاتب أردني

العلمانية: الهروب من الحقيقة

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية