لا يبدو الرئيس الإيراني حسن روحاني مستعجلاً في تقديم أعضاء حكومته إلى البرلمان للمصادقة عليهم، كما هو المتعارف في الحكومات السابقة وكما دأب عليه رؤساء الجمهورية في فترة ولايتهم الثانية خصوصاً وأنهم يكونون في الغالب مرتاحين خبروا وزراءهم وباقي أفراد الطاقم الرئاسي، وقسموا «الكعكة» الحكومية مع الحلفاء الداعمين لهذا الرئيس أو ذاك في الحملة الانتخابية. فقد قال مساعد روحاني الحالي للشؤون البرلمانية حسين علي أميري، إن الرئيس سيتشاور مع مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) لاختيار الوزراء قبل تقديم تشكيلته الوزارية، وقد يستغرق الأمر اسبوعين.
لكن الرئيس الذي دعمه الإصلاحيون ومعتدلو التيار الاصولي الذي ينتمي إليه ويملك كتلة كبيرة في البرلمان كما الإصلاحيون، يريد أن يعين أعضاء حكومته بنفسه دون إملاءات، ولذلك فهو يواجه مشكلة كبيرة في تحقيق التوازن بين داعميه في مسألة توزيع الحقائب الوزارية على وجه الخصوص، ويواجه أيضاً تحفظاً من الحرس الثوري الذي دخل مع روحاني خلال الحملة الانتخابية في مناكفات وسجالات وتبادل تصريحات ركزت على الموقف من الصواريخ البالستية ودور الحرس الثوري في الاقتصاد بما جعل الرئيس يواصل حتى بعد فوزه بولاية ثانية، توجيه انتقادات للحرس الثوري لمح فيها حد التصريح أنه أصبح حكومة موازية لحكومته، لكن مع بندقية.
بعد فوزه في انتخابات مثيرة سجلت مشاركة جماهيرية واسعة عكست طبيعة الصراع المجتمعي في إيران والرغبة الشعبية العارمة في الاعتدال، أشار روحاني الذي فقد داعماً قوياُ له بوفاة رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام السابق آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى وجود حكومتين في البلاد عندما قال إن الحكومة التي تملك البندقية اختطفت الاقتصاد من حكومة بلا بندقية.
بعبارات أخرى، فإن روحاني ينتقد تدخل الحرس الثوري، الذي يصفه بالحكومة الموازية، في الاقتصاد، خاصة بعد أن فتحت حكومته المجال أمام خصخصة القطاعات الحكومية. وقال إن الاقتصاد الإيراني، كما السلاح والإعلام، أصبح تحت رحمة قادة الحرس الثوري، داعيا إياهم للاهتمام بالشؤون العسكرية والأمنية على الحدود، بدلا من «تخويف المستثمرين».
وجاء الرد سريعاً من قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري الذي شن هجوماً عنيفاً على روحاني، وقال إن الحرس الثوري لا يمتلك بنادق فحسب، بل صواريخ أيضاً، مضيفاً أن حكومة روحاني تستسلم أمام من وصفهم بالأعداء.
على صعيد الاقتصاد، قال جعفري إن الحرس يسيطر على اقتصاد البلاد بهدف حماية الثورة، وإنهاء التبعية الاقتصادية وتعزيز القوة العسكرية في مواجهة أطماع القوى الخارجية.
كما دان قائد الحرس الثوري ما وصفه عدم وفاء حكومة روحاني بتعهداتها المالية تجاه قواته، التي تحكم قبضتها بالفعل على نحو 40 في المئة من الاقتصاد.
ودخل على خط الأزمة بين روحاني والحرس الثوري اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، الرجل الأقوى في إيران بعد المرشد، الذي وضع سقفاً عبر عنه بـ«نوايا القائد» يجب أن لا يتخطاه أي سجال يجري حول تشكيل الحكومة ودورها في المرحلة الراهنة، حيث تواجه إيران تحديات كبرى على صعيد علاقاتها الإقليمية وضغوطا أمريكية على أوروبا لعزلها، فقد حذر سليماني المسؤولين الإيرانيين ضمنياً من الوقوف بوجه المرشد سيد علي خامنئي، قائلاً «يجب أن لا يُدلى بكلام على خلاف مع سياسات ونوايا المرشد»، وأوضح: «لو أطلق كلام من هذا القبيل ولم نحتج ضده، فإننا شركاء في الذنب».
وكشف قاسم سليماني، عن أبعاد خفية في خلافات الحرس الثوري والحكومة الإيرانية، عندما رد بعبارات شديدة اللهجة على انتقادات الرئيس حسن روحاني لدور الحرس الثوري، وطالب بتوجيه الهجوم ضده بدلا من قوات الحرس، كما ربط بقاء نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بوجود الحرس الثوري.
وبينما رجحت أوساط مطلعة أن سبب التصعيد بين الحرس الثوري والحكومة هو التنافس حول وزارات سيادية ثلاث هي النفط والمخابرات والدفاع، أكدت مصادر مقربة من الرئيس أن الوزارات السيادية خصوصاً الدفاع والمخابرات يجري التشاور بشأنها مع المرشد خامنئي دون غيره.
وصرح روحاني نفسه عندما كتب على حسابه الخاص في تويتر أن حكومته ستكون عابرة للجناحين المتنافسين الإصلاحي والاصولي، لكنه شدد بلغة المتحدي على أن المناصب العليا في الحكومة يجب أن تعبر عن 24 مليون ناخب صوتوا لصالحه في إشارة إلى «الإصلاحيين والمعتدلين» ليتمكن بحرية من تنفيذ وعوده الانتخابية وتحسين أداء الاقتصاد. ففي حين تهدف مشاريع روحاني لفتح باب الاستثمار الأجنبي، يسعى الحرس لتطبيق شعارات المرشد خامنئي حول «الاقتصاد المقاوم» والانغلاق على الذات وعدم فتح باب التعاون مع الغرب منتقداً الاتفاق الضخم مع مجموعة توتال حول الاستثمار في حقل نفطي يرى فيه روحاني بداية تؤشر إلى نجاحه في كسر جدار العقوبات.
وخطا روحاني، خطوة متقدمة على صعيد تنفيذ وعوده الانتخابية بالتأكيد على ميثاق حقوق المواطنة الذي يهدف إلى ضمان حزمة من الحريات الأساسية تشمل الحق في الاحتجاج، والتحدث بحرية، والخضوع لمحاكمة عادلة، والحق في الحصول على الخصوصية، لكنه أخفق في توزير المرأة ـ كما يبدو ـ منحنياً ـ حتى اللحظة كما تشير المعلومات ـ لضغوط المتشددين، وقال إن إنجاز هذا الميثاق البارز يعتبر «واحداً من أحلامي القديمة».
ويرى مراقبون أن حضور أكثر من مئة وفد أجنبي مراسم أداء اليمين الدستورية بينهم ممثلون عن الكويت وعُمان وتونس والعراق وعدد من الشخصيات العالمية في الحفل، ومن بينها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فدريكا موغريني، يعكس أثر الاتفاق الذي وقعته إيران بشأن برنامجها النووي مع الدول الكبرى في تقليل عزلة طهران الدولية برغم العقبات التي تضعها واشنطن وشكا منها المسؤولون الإيرانيون خلال لقاءاتهم الثنائية مع الضيوف الأوروبيين.
كما أن حضور رئيس البرلمان الكوري الشمالي، كيم يونغ نام، يعكس التعاون العسكري المتنامي بين طهران وبيونغيانغ، وتريد طهران من خلال إبرازه إعلامياً، ارسال رسالة أن النموذج الكوري الشمالي يظل في متناول اليد إذا فشل الاتفاق النووي. وتشير مشاركة بريطانيا بوزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط ، أليستر بيرت بعد أن أعادت علاقاتها مع إيران وتبادل إعادة فتح سفارتيهما خلال فترة رئاسة روحاني الأولى، إلى إمكانية نجاح روحاني في تجاوز عقدة تنفيذ الاتفاق النووي، ليفتح الطريق أمام الايفاء بما حدده له المرشد خلال تنصيبه الخميس رئيساً لولاية ثانية «تنفيذاً» لإرادة الشعب الذي انتخبه وهي «تحسين معيشة الناس، والتعامل مع العالم، ومواجهة المستكبرين» الذي قال أيضا مخاطباً روحاني «اسمحوا للمنتقدين بإبداء وجهات نظرهم» وهي إشارة إلى الجو العام الذي ستشهده إيران خلال ولاية روحاني الثانية سواء أن عيّن هو الحكومة أو فُرضت عليه بعض الأسماء، كما حصل معه في الولاية الأولى… وكأنك يا بوزيد ما غزيتَ!
نجاح محمد علي