حضرت مهرجان سيت (جنوب فرنسا) للشعر ثلاث مرّات، أولاها عام 2000 في لوديف في صيغته القديمة، والثانية عام 2011 حيث كانت تونس الثورة ضيف الدورة، والثالثة هذا العام حيث احتفل الشعراء الحاضرون بذكرى المهرجان العشرين. كان عددهم مئة شاعر من شتى بلدان المتوسّط، ومن السعوديّة والبحرين والعراق، ومعهم فنّانون (قصّاصون وموسيقيّون ومممثّلون ومغنّون).
لا أحبّ في هذه الفسحة أن أخوض في تفاصيل المهرجان، وفي الأمسيات وسائر اللقاءات (شعر وأغان وموسيقى ورسم) التي حضرها المئات، وأدارتها ونظمتها بحنكة واقتدار مديرته مايتي فالس بْلاد المرأة الفنّانة المثقّفة؛ ولا أنا أستطيع ذلك، ففي كلّ يوم من 21 إلى 29 يوليو/تموز ينعقد أكثر من ثمانين لقاء، فضلا عن أكثر من سبعين مخبرا للكتابة والفنون التشكيليّة، ومعرض للكتاب الشعري خاصّة، شارك فيه أكثر من مئة ناشر، وقد انعقدت كلّها في فضاءات مفتوحة (44) شملت البحر حيث قرأنا في قوارب، وفي أعالي الجبال. إنّما أحبّ أن أقف على هذه العودة المحمودة إلى الشعر في بلد أوروبي، حيث تجمّع في سيت «كلّ لِسْنٍ وأمّة» كما قال المتنبّي في بعض سيفيّاته. ننشد الشعر بلغاتنا الأمّ، ثمّ يلقيه ممثّلات وممثّلون فرنسيّون ومسرحيّون في اللغة الفرنسيّة المنقول إليها. وأقدّر أنّ لهذا الجمع بين اللغات دلالة خاصّة بالنّسبة إلى الشعر. وما أزال أذكر أنّ بيت الشعر في المغرب احتفى عام 2008 وهي السنة التي أعلنتها الأمم المتّحدة سنة دوليّة للغات، بالطريقة نفسها. واللغات هي المادّة التي يتكوّن منها الشعر، وهي المشيج الذي تصنع منه القصائد. لذا فإنّ الشاعر يجد في هذه الجمع بين اللغات فرصة للتّأمّل والتّأثير في الثّروة الهائلة التي يمثّلها التّنوّع اللغوي بالنّسبة إلى فنّه.
والتّراث البشري الحيّ، إنّما يدين للغات، على أنّ اللغات ميّتة وحيّة. وأكثر من نصف لغات العالم التي يناهز عددها 6700 لغة منطوقة هي لغات مهدّدة بالاندثار، أي أكثر من 96 ٪، وقد أصبح التحدّث منحصرا في 4 ٪، على نحو ما جاء منذ سنوات في رسالة كويشيرو ماتسورا بمناسبة اليوم العالمي للشعر 21 مارس/آذار2008. وقد لا يتنبّه أكثرنا إلى أنّ هناك خطرا داهما يتهدّدُ اللغات، وأنّ الموتى إنّما يموتون يوم تنسدل ستائر النسيان على ذاكرة اللغات. وممّا جاء في هذه الرسالة أنّ عددا لامتناهيا من الصّور والانطباعات والمعاني التي تنطوي عليها الكلمات، هو إلى زوال واندثار. ولذا عكفت اليونيسكو منذ سنوات على وضع إطار معياري يتيح التصدّي للتحدّيات التي تطرحها العولمة في المجال الثّقافي، من حيث هي إقامة مقنّعة في أرض الآخر، وليس الكونيّة من حيث هي أفق محمود لا يلغي الاختلاف بقدر ما يغنيه. فقد اعتمدت عام 2003 اتّفاقيّة صون التراث الثقافي غير المادّي، وفي عام 2005 اتفاقيّة حماية تنوّع أشكال التّعبير الثقافي وتعزيزه… غير أنّ هذا العمل لا يمكن أن يؤتي ثمرته، ما لم تعضده جهود كلّ الذين يعملون من أجل صون تراث البشر الثقافي وحمايته في نشاط دولي يشغل فيه الشعراء موقعهم المتميّز. لذا فإنّي أدعو مجتمع الشعراء إلى حشد جهوده لصالح صون الشعر بكلّ أشكاله وبجميع لغاته، ولا سيّما تلك المهدّدة بالاندثار. كما جاء في الرسالة المذكورة أعلاه.
في هذا السياق الذي أنا فيه، كتب الشاعر الإيطالي جوزيبي كونتي، مذكّرا بأنّ العرب كانوا سبّاقين في هذا العمل، بفضل بيت الشعر المغربي الذي كان محمّد بنّيس أوّل من ترأسه؛ إذ بادر باقتراح21 مارس يوما عالميّا للشعر. وممّا جاء في كلمته أنّ الشعراء هم الساهرون على صون لغة النشيد والحقيقة، باختيارهم فاتح فصل الربيع يوما عالميّا للشعر: «وهبتم للجمال تحقّقا رمزيّا؛ لأنّ الشعر ظلّ وفيّا لمناطق انبثاقه. من شموخ الضّوء، من الولادة المتجدّدة يأتي مختمرا في الشجر والعشب والبحر والسماء، مثلما هو مختمر في الإنساني. إنّ مهمّة الشعر اليوم شاقّة. لكنّها تحتفظ بضرورتها القصوى صونا للنبيل فينا، وللبهيّ في الكون ولما يشرع الحياة دوما على المستقبل؛ إذ تعرف قيم الشعر اندحارا في زمننا، ولاسيّما في جهة العالم التي أنتمي إليها (الغرب)، حيث يشيع التهافت على المادي ونسيان الروحي والعميق. وثمّة توجّه عام يعلي من قيمة العامل الاقتصادي، ويؤجّج هوسا للتحكّم في العالم عبر امتلاك أدوات الدمار الفتّاكة… الشعر شبيه بقوّة إزهار البراعم في الأشجار العارية، وقوّة تفتّح الورد في قلب الصحراء، وقوّة ابتسامة الأطفال تحت القصف الوحشي المسكون بوهم الهيمنة.» ومع ذلك كان ثمّة قصف مدفعيّ في سيت، فقد تجّمعنا يوم الجمعة 23 يوليو 2017 في سيت العتيقة، لنباغت عند السادسة مساء بمدافع هوائيّة، انتصبت هنا وهناك، وطفقت تطلق في سماء المدينة آلاف القصاصات الورقيّة الملوّنة تحمل شذرات من قصائد الشعراء الحاضرين والغائبين والراحلين. قصائد تتفاوت من حيث موضوعها ولغتها. فمدار بعضها على توصيل موضوع وجداني ولغة مأنوسة، فيما يتخلّى بعضها عن الموضوع، ويستبدل به بناء لغويّا خاصّا، أو هو يقوّض»المعنى المنطقي»الذي ينهض على قاعدة الفهم، ويستخدم لغة المعيش واليومي، ويستولد صورا سريالية، أو هي تذكّر بالسّرياليّين. وهي على اختلافها تكاد تنتظم في خيط كخيط العنكبوت نسّاجة النّجوم.
نصوص تحتفل بالأشياء وتسمّيها، وفيها تتقاطع الخطوط وتزدوج وتنحني وتلتوي. فلا مبادرة إلاّ للكلمات حيث تضطرب في كلّ كلمة كلمة أخرى وتتململ، حيث بإمكان الظلّ أن يمسك الرّيشة ويكتب، أو للّون أن ينتصبَ رفيقا غامضا لأشياء من المحسوسات والمجرّدات. نصوص تثير بعض القلق في عوالمنا الأليفة وأشيائنا التي استتبّت أسماؤها، وهي تنفذ إلى تفاصيلها، وتتكلّم على إثر ما تقوله اللّغة بصوت خفيض أو بصمت أقلّ. إنّ الكلام ملفوظا كان أو مكتوبا أداء لغويّ فرديّ موسوم بـ»ذاتيّة» يمكن أن نستدّل عليها في التّعبير وطرائق الصّياغة. ولكلّ من هذين النّمطين خصائصه، فالملفوظ ذو وفرة وغنى من حيث مكوّناته الصّوتيّة، إذ يتميّز بقوّة الصّوت أو مداه وبسرعته أو بطئه وبنغمه أو نبرته. وهو لا يستدعي الأسماع فحسب، وإنّما المرئيّ أيضا ويستخدمه لتوضيح فرق أو لإبراز معنى، إذ غالبا ما تلابسه حوامل أخرى إضافيّة ليست من طبيعته مثل الإيمائيّة التّعبيريّة وحركة الذّات المتكلّمة وما إلى ذلك ممّا هو أمسّ بالإيقاع والإنشاد. وهي سمات ممّيزة للكلام الشفهيّ قد تجلو بعض بواعثه وخفاياه. وقد تعرب عن خلجات صاحبه وبَدوَات نفسه. وقد تستوضح معنى وتستوفي فكرة، ولكنّها تذهب بذهاب الكلام وتنطوي بانطوائه. والكلام إنّما يكون حيث لا يكون، فهو الذي ينتمي أبدا إلى الماضي. فثمّة حدود يقف الكلام إزاءها مصدودا لا تسعفه حركة، ولا تنجده إيماءة أوسانحة من السّوانح المرئيّة التي يترصّدها المتكلّم (المنشد) ويتذرّع بها. وهذا كلّه تمثّلته فضلا عن الفرنسيّة، لغات أخرى عريقة مثل العربيّة واليونانيّة والاسبانيّة والبرتغاليّة والإيطاليّة والمالطية التي تقبس الكثير من اللهجة التونسيّة.
وأقتصر منها على هذه النصوص للبرتغاليّة الفرنسيّة جوزيان دو برجي:
انتظار
إلى محمود درويش
طائر النّهايات أنا
لغتي سجني
أشهد
لكي أزيد الأرض سعة
فقدت أسماء أهلي
أرتجِ الباب
يا أخي
لن يجرؤوا على الدّخول.
أضواء على سورية
إلى الحارث
الأفول هنا
واقـفة على الضفة
أنتظر ساعدك لأمسك به
لسانك
ينبوعي
نشيد أرضي
لست من سلالتك
لكن
علّمني ما الذي يجعل
السّماء تضحـك
ما الذي يهب الصّحراء
أنفاس النّجوم
وهل بقي لك ساعدان
لكي تقودها؟
اترك للحارث الوقت
لكي تتفـتّح الأرض.
لن أتحرّك من مكاني
تركت للغبار الذي كان يسكنني
أن يرحل
أثق في الأشجار الأخيرة
أمسك أنفاسي
أنا بانتظارك
ظلال شرقيّة وغربيّة
إلى جون برنارد بابي
فيما بعد نتكلّم دائما أكثر بكثير
أيّام السّوق
في الأزقـّـة المعتمة
بين الظـهيرة اللاذعة وساعة المغرب
نلتفت
لنترافق
على مسافة مناسبة
نمسك بقريننا كي لا نمشي أعلى منه
اليوم
موائد المقهى
مكتظـّـة بالهمسات
نعرف أنّ المقهى يشتعل
مثل الشّمس.
إنّه لمزيج من روائح متبّلة
أن نكون هنا
بين مربّع السّماء
وظلّها
نعرف أنّ كلّ شيء يمكن أن يتواصل
نتوجّـه إلى الآخر
ذاك الذي هو للأب لصمته
الذي تخفيه الكلمة
كلمة الأمس
هذا الصّيف لا أحد في الحديقة ليقطف الفراولة
لا أحد
لا شيء سوى الظـلّ لكي نمشي
في ذاكرة الأرض
القمح هنا يعد قبل هبوب العاصفة
أن نفعل كما لو في ناحية ما
في انبجاس النّوافير العربيّة
وأن نستـنـد إلى مثابة بئر في «شارنت»
العناقيد في المعصرة
رائحة الخبز الطّازج في المنزل
بسبب الأشجار والأوراق
لم نعد نرى السّماء قطّ
صحبة ظـلّـنا
نتناول طعام العشاء
نبقى معا
لا أحد يعلن الوقت
حيث ينبغي أن نلتحق به
٭ شاعر تونسي
منصف الوهايبي