لكثرة ما تردد على مسامعي في الأمم المتحدة عبارات «حل الدولتين أو الحل القائم على دولتين، فلسطين وإسرائيل، أو إقامة دولة فلسطين المستقلة، جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل» أصبحت من المرددين أيضا لموضوع حل الدولتين، خاصة في المواقف الرسمية أو شبه الرسمية، مثل قاعة المحاضرات في الجامعة أو في المؤتمرات العلمية أو الأنشطة الإعلامية.
ولكن عندما أصل أرض الوطن في فصل الصيف ، وأمارس حياتي البسيطة كفلاح متحدر من قرية صغيرة على مرمى حجر من القدس، يسيطر على تفكيري سؤال ملح هو أين هذه الأرض التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية الموعودة؟ وأحاول أن أجيب عن هذا السؤال، ليس من بطون الكتب والمجلات، ولا من الصحف والبرامج الحوارية، ولا من المؤتمرات والإحاطات الرسمية في مجلس الأمن الدولي، بل من جبال فلسطين وتلالها وقراها ومدنها وشعابها ووديانها وينابيعها ومخيماتها وقراها.
والنتيجة التي أخرج منها تصيب النفس بحالة من الكآبة، فلا أكاد أعثر على ما يمكن أن نسميه الحد الأدنى من الأرض المترابطة، التي يمكن أن تقام عليها الدولة المستقلة التي وعدنا بها الأوسلويون وفريق المفاوضين، من تقدم منهم ومن تأخر.
سياسة إسرائيل الاستيطانية
لقد بنيت السياسة الصهيونية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ البداية على مبدأين- ابتلاع مزيد من الأرض، وإقصاء أكبر عدد ممكن من السكان. وكان تعاطيهم مع ما سمي زورا وبهتانا بالعملية السلمية مبنيا على أساس المماطلة والتسويف والعودة إلى نقطة الصفر، في مفاوضات عقيمة بهدف كسب الوقت من أجل تحقيق الاستراتيجية المذكورة وتحويلها إلى واقع. المشكلة في القيادات الفلسطينية المتعاقبة أنها تضع أهدافا على الورق ثم لا تسعى لتنفيذها، بينما تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية بتنفيذ سياسات على الأرض، دون الإعلان عنها بالضرورة. وهذا ما حدث منذ الساعات الأولى للاحتلال عام 1967. فقد بدأ مخطط ضم وتهويد القدس فورا، ثم تمدد إلى المناطق الاستراتيجية القريبة من الحدود مع الأردن، والمناطق الضيقة من مدن الساحل الفلسطيني مثل قلقيلية وطولكرم ومنطقة اللطرون، حيث تم هدم قرى عمواس ويالو وبيت نوبا فورا لأنها قريبة جدا من اللد والرملة وتل أبيب. بينما تم هدم مدينة قلقيلية تماما وكان هناك مخطط لجرفها بالكامل، إذ إنها لا تبعد عن الساحل إلا 11 كيلومترا، لكن الظرف الدولي وافتضاح أمر الهدم وتدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي حال دون ذلك.
ولتحقيق هذين الهدفين، ضم الأرض وطرد السكان، رسمت إسرائيل سياستها الإستيطانية على أساس ثلاثة معايير أساسية:
– مستوطنات تقام على رؤوس الجبال ليسهل الدفاع عنها ويسهل التمدد نزولا إلى السفوح لابتلاع مزيد من الأرض؛
– مستوطنات تقام على مناطق غنية بالماء لامتصاص المياه الجوفية وتحويلها للاستخدامات الإسرائيلة فقط؛
– ومستوطنات ثالثة يقصد منه أساسا تقطيع أواصر الضفة الغربية وتفتيتها لإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل.
هذه الأنواع الثلاثة من المستوطنات تكمل بعضها بعضا بطريقة ذكية، بحيث تؤدي في النتيجة إلى تحقيق الهدف الإستراتيجي الإسرائيلي في تمدد إسرائيل، لتشمل كل الأرض بين نهر الأردن والبحر المتوسط، ومنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذه هي الصورة على الأرض ومن يقول بغير هذا فليتابعني في بعض المشاهدات على أرض الواقع، إنطلاقا من منطقتي القدس وبيت لحم.
منطقة القدس الكبرى
لتلمس مدى توغل الاستيطان في اللحم الفلسطيني، قمت بالعديد من الجولات، خاصة في منطقة القدس الكبرى وقلقيلية وسلفيت ونابلس وأريحا. وجدت أن الأرض التي بقيت بأيدي الفلسطينيين تكاد تتلاشى، خاصة أن المناطق المصنفة «جيم» حسب اتفاقيات أوسلو تعادل 60 في المئة من حجم الضفة الغربية، وهي خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية. ودعني أبدأ من محيط بلدتي التي زحفت نحوها المستوطنات من كل الاتجاهات. ففي كل صيف أجد أن حبل المشنقة يقترب أقرب وأقرب من البلدة. وقد صودرت قبل شهرين أراضي جديدة في المدخل الغربي، لتوسيع الطريق السريع 60 الذي يربط القدس بمستوطنات منطقة غور الأردن ومستوطنات الشمال. المركز التجاري الصغير «شعار بنيامين» الذي افتتح على الطريق الرئيسي للقرية قبل تسع سنوات، أصبح منطقة تجارية كبـيرة، وفيه فندق وقاعة أفراح ومتاجر عديدة ومساكن للعمال، ويجري الآن بناء عمارات سكنية سرعان ما تتحول إلى مدن لتتشابك مع مستوطنة جبعة بنيامين ثم جفعات زئيف. ومستوطنة «معاليه مخماس» المبنية على أرض مخماس ودير دبوان، أصبحت أقرب إلى المدن الصناعية والزراعية، واحتلت روؤس الجبال القريبة وزحفت على سهل «البقعة» الغني، فابتلعت نصفه أو يزيد. أما مستوطنات كوكب يعقوب وآدم وجفعات زئيف فقد طوقت قرى جبع وحزما وعناتا وشعفاط وبيت حنينا، وصولا إلى التلة الفرنسية فالشيخ جراح، لتشكل جزءا من مخطط خنق الأحياء العربية في القدس الشرقية. بالنسبة للقدس فهناك سلسلة من المستوطنات موزعة جغرافيا، بحيث تشكل مجموعة من الأحزمة تلتف حول القدس، حيث يسعى الآن ممثلو حزب الليكود في الكنيست لضم خمس مستوطنات إلى القدس، والإعلان عن «مدينة القدس الكبرى» وهي «معاليه أدوميم وجفعات زئيف وغوش عتصيون وافرات وبيتار عيليت». وسيتم في الوقت نفسه التخلي عن شريط من السكان الفلسطينيين الممتد من مشارف القدس إلى رام الله، ويشمل «عناتا ومخيم شعفاط وكفر عقب»، بحيث يصبح عدد سكان المستوطنين في القدس «الشرقية وضواحيها يزيد عن عدد سكان الفلسطينيين، إذ ما زال العدد الآن يميل قليلا لصالح الفلسطينيين. لم يبق في منطقة القدس الشرقية (إلا منطقة ي-1) شرق الطور وقرب بلدة «زعيّم». وفي كل مرة تحدث عملية فلسطينية ضد قطعان المستوطنين تهدد إسرائيل بإنشاء تلك المستوطنة، فتتدخل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأحيانا الولايات المتحدة (أيام أوباما) فتضغط على إسرائيل لتأجيل المشروع. ونود أن نؤكد هنا أن بناء هذه المستوطنة سيؤدي إلى قطع الطريق تماما بين شمال الضفة وجنوبها، وبالتالي يتم ضرب آخر مسمار في مشروع قيام الدولة الموعودة.
حال بيت لحم ليس بأحسن من حال القدس. عملية التهجير مستمرة، خاصة من أبناء فلسطين المنتمين للدين المسيحي، فالضغط على سكان المدينة والبلدتين المجاورتين، بيت ساحور وبيت جالا، لتهجيرهم إلى الخارج قد آتى ثماره فتراجع عدد سكانها، خاصة من المسيحيين، بينما يزيد عدد أبناء هذه البلدات الثلاث في تشيلي لوحدها عن 350 ألفا. بالنسبة للاستيطان في منطقة بيت لحم فما عليك إلا أن تجلس على قمة جبال بيت جالا قرب مطعم بربارة، وتنظر أمامك لترى أن المستوطنات قد زحفت مثل كريات مرض الجدري لتطوق مدينة بيت لحم من الغرب والجنوب والشرق، بل وتدخل أحيانا في الشوارع على أطراف المدينة. وأخطر مستوطنات بيت لحم مستوطنتا غيلو وأبو غنيم المسماة هار حوما التي وصل سكانها الآن نحو 30 ألف نسمة أو يزيد. لقد أثار قرار إنشاء مستوطنة على جبل أبو غنيم ضجة في أيام دورة نتنياهو عام 1996 وطالبت الأمم المتحدة بعدم البناء، ثم عادت إسرائيل في عهد حزب العمل أيام إيهود باراك وأكملت البناء، بدون ضجيج، واليوم أصبحت من كبريات المستوطنات جنوب القدس. وكان عدد المستوطنات لغاية توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 نحو 10 آلاف مستوطن، بينما يزيد العدد الآن عن خمسة أضعاف ذلك الرقم، موزعين في 33 مستوطنة وبؤرة استيطانية. أضف إلى ذلك المناطق التي التهمها الجدار الذي يلتف حول بيت لحم من الغرب والجنوب والشمال، والتي تصل إلى أكثر من 11 ألف دونم من الأراضي الخصبة. وتعمل إسرائيل الآن على تحويل ثلاث بؤر استيطانية قرب الخضر إلى مستوطنات متكاملة ليتم حصار بيت لحم من كل الاتجاهات، ما عدا المسرب الصغير الذي يربطها بأراضي شرق القدس وأريحا.
محافظات الوطن الأخرى ليست أحسن حالا من القدس وبيت لحم. فقد شاهدت بعيني مدى تأثير مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في الطريق إلى نابلس وأريحا ومدينة سلفيت وقلقيلية. والأخيرتان تعتبران المصدر المائي الأساسي للشعب الفلسطيني، حيث تمت مصادرة أراضي شاسعة منهم أقيمت عليها سلسلة من المستوطنات تحول بعضها إلى مدن كبيرة. هذا عدا عن مصادرة المياه الجوفية. وقد أقامت إسرائيل في مستوطنة أرئيل جامعة كبرى وأنجزت مؤخرا أجزاء مهمة من الطريق السريع المسمى «عابر الناصرة» في منطقة سلفيت المصنفة «ج» بهدف تقسيم البلاد ومنع قيام دولة فلسطينية في المستقبل.
تبقى هناك نسمة من أمل يقدمها شعب الجبارين لا قياداته البائسة. فقد سجل شباب القدس وشيبها، نساء ورجالا ، درسا عظيما لنا جميعا في كيفية صنع الانتصار من مدخل النضال الجماعي والسلمي لا عن طريق المفاوضات المفتوحة التي عرفنا أولها ولحد الآن لا نعرف متى تكون نهايتها.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي
د. عبد الحميد صيام