الجزائر تخوض حربا على بقايا الإرهاب وسط تهديدات تنظيم «الدولة»

حجم الخط
10

الجزائر ـ «القدس العربي»: رغم مرور ربع قرن على اندلاع شرارة الإرهاب في الجزائر، إلا أن جذوته لم تنطفئ بشكل نهائي، فما زال الإرهاب يشكل خطرا يزداد تعقيدا بسبب عوامل خارجية تبث فيه الحياة كلما دخل في سكرات الموت. فرغم الجهود التي تبذلها السلطات للقضاء على الإرهاب، إلا أن الخطر ما زال قائما، والجماعات الإرهابية تستغل أي فرصة من أجل العودة إلى الواجهة.
ويتوجب علينا العودة إلى الوراء قليلا لنعرف خلفيات الإرهاب في الجزائر، فأولى محاولات رفع السلاح ضد الدولة تحت راية «الدين الإسلامي» كانت في ثمانينيات القرن الماضي، مع ما عرف بحركة بويعلي، التي ظهرت غربي العاصمة، وبالتحديد في ولاية البليدة.

نشأة العمل المسلح

ولد مصطفى بويعلي في 1940 وانضم مبكرا إلى ثورة التحرير الجزائرية، وبعد الاستقلال رفض القيادة الجديدة، وانضم إلى حركة التمرد التي قادها حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي كان يتزعمه الراحل حسين آيت أحمد، لكن اعتداء المغرب على الجزائر فيما سمي بحرب الرمال، جعل بويعلي مثل الكثيرين يختار العمل المسلح لإسقاط النظام الذي تأسس بعد الاستقلال، ويرى أن الأولوية هي الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية للجزائر حديثة الاستقلال. وبعد توقف الحرب عاد إلى الحياة المدنية، وشغل منصب في شركة للالكترونيات، بجانب إلقائه خطبا في المسجد، لكن هذه الخطب كانت نارية، خاصة في سنوات حكم الرئيس الأسبق هواري بومدين، وخلفه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الأمر الذي جعل السلطات تضعه تحت المراقبة بداية الثمانينيات، حتى جاء اليوم الذي قدم فيه رجال شرطة بالزي المدني لاعتقاله من مقر عمله في 1981. ولكن بويعلي تمكن من الهرب بمساعدة زملائه، وقرر دخول عالم السرية، ولكن تدخل وسطاء وبعض المجاهدين السابقين وضع حدا لهذا الفرار، ووعد مدير الأمن العام آنذاك الهادي لخذيري بتسوية القضية، واستقبل بويعلي في مكتبه، وأبلغه أن ما حدث كان تصرفا معزولا من أفراد الشرطة الذين حاولوا اعتقاله، وأنهم سيلقون العقاب اللازم، وانتهى اللقاء بمصافحة وعاد بويعلي لبيته وعمله وإلى المسجد، ولكن سيارات المراقبة عادت لتركن أمام المسجد، وما هي سوى بضعة أشهر، حتى قدم رجال مسلحون بالزي المدني لاعتقاله من بيته، غير أنه تمكن من الهرب، واتصل بأقاربه وأصدقائه وأبلغهم أنه قرر دخول عالم السرية، ولكن إعلان «الجهاد» باسم الدين لم يكن واردا، حتى وإن كانت هناك مجموعة تحضر لهذا الأمر كانت تسمى مجموعة الـ «14» في العاصمة، والتي سبق أن اتصل أفراد منها به من أجل ضمه إليهم، لكنه رفض، وهي المجموعة التي ستقوم السلطات باعتقالها خلال 24 ساعة، وتبين بعد ذلك أنها كانت مخترقة من أجهزة الأمن، وأن أحد أفرادها كان مخبرا.
انضم إلى بويعلي جماعة من المقربين إليه، والذين آمنوا بأن العمل المسلح هو الحل الوحيد لإسقاط النظام، مثل عبد القادر شبوطي ومنصوري ملياني، واختاروا لتنظيمهم اسم «الجماعة الإسلامية للجزائرية» والتي ستكون لاحقا نواة لتأسيس الجماعة الإرهابية التي نشرت الموت والرعب في الجزائر وحتى في فرنسا والتي عرفت بـ «الجماعة الإسلامية المسلحة» وتختصر بالأحرف الأولى في كلمة «الجيا». وشرع بويعلي يؤسس لتنظيمه ويسعى لتجنيد أكبر عدد من الناس، ولعل أهم عملية قام بها التنظيم هي الهجوم على مدرسة الشرطة في الصومعة، والاستيلاء على أكثر من 344 قطعة سلاح، وهي العملية التي جعلت النظام يستنفر كل أجهزته الأمنية بحثا عن بويعلي ومن معه، وتم القبض على العشرات منهم في فترة قصيرة، ولم يبق سوى بويعلي وخمسة من رفاقه في حالة فرار، واستمرت المطاردة حتى الثالث من كانون الثاني/يناير من عام 1987 إذ قتل بويعلي وخمسة من رجاله، بعد وشاية من سائقه في أعالي جبال الأربعاء غربي العاصمة، لتنتهي قصة بويعلي، دون الإجابة على الكثير من الأسئلة التي بقيت عالقة.

«عليها نحيا وعليها نموت»

لم تمر فترة طويلة بين مقتل بويعلي وبين أحداث الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 1988 هذه الانتفاضة الشعبية التي غيرت وجه الجزائر، والتي ما زالت تتجاذبها التساؤلات حتى يومنا هذا، هذه الأحداث أو الانتفاضة كان من نتائجها ظهور تيار الإسلام السياسي إلى الواجهة، وخروجه من المساجد إلى الساحات العامة، وعندما وضعت تلك الانتفاضة أوزارها، قررت السلطة الرد بانفتاح سياسي وإعلامي لم يكن ضمن مطالب الشباب الذين نزلوا إلى الشارع بعفوية دون أن تكون لديهم مطالب محددة، وهو ما يلخصه رسام الكاريكاتير الشهير علي ديلام قائلا: «نزلت كغيري من المراهقين والشباب إلى الشارع، دون أن أعرف ماذا أريد، لكن الأكيد أنني كنت أعرف ما لا أريده أن يستمر». ولكن التيار الإسلامي ركب موجة الأحداث، والنظام أراد استغلال الأحداث لصالحه، فسمح بتأسيس أحزاب إسلامية، رغم أن الدستور الذي تم إقراره سنة 1989 يمنع ذلك، وبسرعة صعد نجم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي ضمت عدة وجوه من التيار الإسلامي مثل عباسي مدني، الذي كان مجاهدا في ثورة التحرير، وعضوا في حزب جبهة التحرير الوطني، والذي درس في الخارج، ومعه شاب أمرد متمرد ذائع الصيت في مساجد العاصمة عرف باسم علي بلحاج واسمه الحقيقي علي بن حاج، هذا الثنائي كان واجهة الجبهة، التي ضمت تيارات مختلفة من التيار الإسلامي، سواء تعلق الأمر بالتيار السلفي، أو تيار الهجرة والتكفير الذي كان يضم الأفغان العرب العائدين إلى الجزائر بعد انتهاء الحرب ضد السوفييت، وكان هناك أيضا تيار الجزأرة، الذي كان الراحل عبد القادر حشاني هو أبرز وجوهه، هذا التيار كان يرى أنه في الإمكان أن يكون هناك إسلام جزائري، وكــانت أغلبية رموزه من أصحاب الشهادات العليا، وكان شعار الجبهة «عليها نحيا وعليها نموت»!.
وكانت الصراعات بين مختلف هذه التيارات قائمة منذ البداية، والكثير منها لم يكن يؤمن بجدوى العمل السياسي، ولا يثق في العملية الديمقراطية، وحتى من يثق كان يرى في الانتخابات وسيلة للوصول إلى الحكم، ثم إلغاء الانتخابات نهائيا، وهو ما كان يردده علي بن حاج، مؤكدا أنه لا فائدة من تغيير الحكام كل 5 أو 10 سنوات ما داموا يطبقون شرع الله. وقبل أن يحدث الصدام مع السلطة، كانت تيارات في جبهة الإنقاذ تعد العدة للعمل المسلح، وكانت هناك معسكرات تدريب وعملية شراء أسلحة، وبالتالي لما قرر الجيش وقف المسار الانتخابي في كانون الثاني/يناير 1992 واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، كانت أرضية العمل المسلح جاهزة، بدليل أنه بعد أقل من سنة كانت جماعات الموت قد انتشرت كحبات فطر مسمومة.
وتعددت التسميات والإرهاب واحد، ولكن الجماعة التي كانت الأعنف والأكثر دموية هي الجماعة الإسلامية المسلحة، التي أسسها منصوري ملياني أحد قدماء تنظيم بويعلي سنة 1992 والذي ألقي القبض عليه في العام نفسه، بعد عملية تفجير مطار هواري بومدين وحكم عليه بالإعدام ونفذ فيه الحكم، وخلفه في إمارة هذه الجماعة محمد علال على الذي كان معروفا بـ»موح ليفيي» والذي تمكنت قوات الأمن من القضاء عليه، ليتولى قيادة الجماعة عبد الحق لعيايدة الذي ألقي عليه القبض في المغرب وسلم إلى السلطات الجزائرية، ولكن لم يرتبط اسم «الجيا» ( الجماعة الإسلامية المسلحة) باسم شخص مثلما ارتبط باسم جمال زيتوني الذي تولى إمارة التنظيم من تشرين الأول/اكتوبر 1994 إلى تموز/يوليو 1996 وهي الفترة الأكثر دموية في تاريخ هذه الجماعة الإرهابية، والتي انشق عنها حسن حطاب وأسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وأفراد هذه الجماعة هم من قاموا بتصفية جمال زيتوني.

صراعات وانشقاقات

الجماعة السلفية للدعوة والقتال كانت محاولة لإعادة بعث العمل المسلح سنة 1998 الذي استنزفته الانشقاقات، وحرب الجماعات، مثل الصراع الذي كان قائما بين الجيش الإسلامي للإنقاذ (الذراع المسلح لجبهة الانقاذ) والضربات التي وجهتها له أجهزة الأمن، فضلا عن قرار الجيش الإسلامي للإنقاذ الدخول في هدنة مع السلطات الجزائرية، قبل أن يقرر أفراد هذا التنظيم النزول من الجبال وتسليم أسلحتهم إلى السلطات.
وبرر حسن حطاب تأسيس هذه الجماعة بكون «الجيا» انحرفت عن «مقاصد الجهاد الشرعية» وأنها انخرطت في دموية وفي أعمال وحشية، خاصة في عهد جمال زيتوني، وحتى في عهد خلفه عنتر زوابري، وتورطت الجماعة في قتل المدنيين في الجزائر وفرنسا، مثل عملية مترو الانفاق في «سانت ميشال» في باريس، وهي العمليات التي ندد بها حسان حطاب، لكن الجماعة ذاتها ستلجأ بعد ذلك بسنوات قليلة إلى استهداف المدنيين والأجانب، بدليل أن عماري صايفي المعروف باسم «عبد الرزاق البارا» هو من تورط في اختطاف رعايا أجانب في الصحراء الجزائرية، ومختار بلمختار هو من نفذ الكثير من العمليات الإرهابية، بما في ذلك الاعتداء على المنشأة النفطية في تيقنتورين عام 2013.
الجماعة السلفية للدعوة والقتال تشكلت من أعضاء سابقين من الجماعات المسلحة المختلفة بلغ عدد أفرادها، حسب تقديرات جهات أمنية 6000 عضو، لكن هذا العدد تراجع بسبب الضربات التي وجهتها قوات الأمن والجيش لهذا التنظيم، الذي لم يكن قد بقي له سنة 2006 إلا حوالي 300 عضو، ولكن في الوقت الذي كانت فيه هذه الجماعة تكاد تنطفئ، قررت إعلان الولاء لتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وأعلنت عن تأسيس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي سنة 2006 وكان ذلك في عهد عبد المالك درودكال الذي تولى قيادة التنظيم سنة 2004 وكانت المرة الأولى التي يبحث فيها تنظيم إرهابي جزائري عن التدويل، وهو ما سمح للقاعدة «في نسختها الجزائرية» بإعادة بعث نشاطها الإرهابي، وشرعت في تنفيذ عمليات انتحارية، بلغت أوجها سنة 2007 عند استهداف قصر الحكومة ومقر الأمم المتحدة والمجلس الدستوري في أعنف تفجيرات عرفتها الجزائر، والأكثر دموية في تاريخ العمل الإرهابي.
ولكن قوات الأمن والجيش التي تفاجأت بدءا بهذا التصعيد الإرهابي، وبالطرق الجديدة التي لجأ إليها التنظيم سرعان ما تمكنت من تطويق العمل الإرهابي، ودفعته خارج المدن الكبرى، الأمر الذي جعل التنظيم يلجأ إلى جبال منطقة القبائل التي بقي محتميا بتضاريسها الصعبة، فيما بدأت قوات الأمن والجيش في استخدام طريقة جديدة، من خلال التركيز على العمل الاستخباراتي، واستهداف رؤوس الجماعات المسلحة، وهي السياسة التي أتت أكلها وأدت إلى تراجع تنظيم القاعدة وانحساره، وفشلت كل محاولات الاختراق التي أراد «تنظيم الدولة» القيام بها رغم الوضع المتفجر في ليبيا، والانفلات الأمني في منطقة الساحل.

عودة الخطر

لكن الفترة الأخيرة عرفت ظهور بعض المؤشرات المقلقة، فقد أحبطت أجهزة الأمن في الأيام القليلة الماضية خطة إرهابية تستهدف مسؤولا أمنيا في منطقة عين تاقورايت في ولاية تيبازة (80 كيلومتر غرب العاصمة) وهي العملية التي أثارت نوعا من القلق، وكانت السبب في حالة استنفار على مستوى الكثير من النقاط، خاصة داخل العاصمة والمدن الكبرى.
ويعتقد الخبير الأمني أحمد ميزاب أن التهديدات الإرهابية ما تزال كبيرة وخطيرة، وتعود أساسا إلى تعثر الوضع الإقليمي، بالإضافة إلى تمدد الظاهرة الإرهابية وتغولها لأنها تتغدى من الأزمات المحيطة بنا، مشددا على أن الجزائر أمام مرحلة دقيقة أمنيا، تستوجب استراتيجية على محورين، الأول يتمثل في التأمين الشامل للحدود، والحيلولة دون أي اختراق لها، والثانية هي العمل على القضاء على بقايا التنظيمات الإرهابية، والحيلولة دون تشكيل نواة جديدة للعمل الإرهابي.
وأوضح أن الجزائر تخوض حربا ضروس ضد بقايا الإرهاب، وهي معركة شرسة وطويلة الأمد وليست بالمسألة الهينة، مؤكدا أن قوات الأمن والجيش تعمل بمنهجية متصاعدة، بدليل أنه عندما نقف على حصيلة النصف الأول من سنة 2017 نجدها تساوي حصيلة سنة 2016 بأكملها.
وذكر ميزاب أن المخاطر الأمنية تسير بوتيرة تصاعدية، وأن هناك مخططات تستهدف الجزائر، وأمنها واستقرارها، من خلال نقل مراكز ثقل بقايا الجماعات الإرهابية من مكان إلى آخر، فقد كنا نتحدث قبل سنوات قليلة عن مثلث تيزي وزو البويرة وبومرداس، والآن انتقلنا إلى منطقة تيبازة، ما يجعلنا نشعر، يقول ميزاب، أن هناك محاولات تحريك لهذه البقايا من مكان إلى آخر، بحثا عن ملاذات للتجمع، وإعادة بعث العمل الإرهابي، لكن أجهزة الأمن تترصد تحركات هذه البقايا، الأمر الذي منعها من تنفيذ مخططاتها حتى الآن، وإحباط الكثير من العمليات الإرهابية.
واعتبر أن البلاد تحولت إلى رقم أساسي في معادلة إقليمية هشة، بدليل أن التقارير الأمريكية الأخيرة تشيد بالدور الجزائري، وتؤكد على أنها حصن منيع في وجه المخططات الأمنية، ولكن لابد من جهود أكبر لتفادي أسوأ السيناريوهات.
ويرى حميد ياسين الصحافي المختص في الشأن الأمني أنه لا يمكن الحديث عن عودة الإرهاب، لأن الجماعات الإرهابية ما تزال موجودة، وأنه كلما وجدت هذه الجماعات الفرصة لاستهداف مسؤول أمني أو سياسي فهي تفعل ذلك، موضحا أن الإرهاب شهد انحسارا بفضل ضربات قوات الأمن والجيش، ولكن في الفترة الأخيرة شهدنا عودة لهاته الجماعات، من خلال سعي «تنظيم الدولة» لتنشيط بعض الخلايا النائمة، وتجنيد أفراد جدد.
وأوضح أن السلطات تعي تلك المخاطر، وأن قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح كان دائما يؤكد خشية السلطات من تصدير الإرهاب الموجود في ليبيا إلى داخل التراب الجزائري، وأنه خلال العامين الأخيرين وقعت محاولات عديدة من هذا التنظيم لاستهداف مواقع معينة داخل الجزائر، وأن أكثر ما تخشاه السلطات هو عمل استعراضي ينفذه «تنظيم الدولة» في العاصمة تحديدا، أو في واحدة من المدن الكبرى، وهذا ما يفسر النزول المتكرر لقائد أركان الجيش إلى الميدان من أجل تحفيز قوات الجيش، وخاصة تلك المرابطة على الحدود.

الجزائر تخوض حربا على بقايا الإرهاب وسط تهديدات تنظيم «الدولة»

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية