«موسم الحج إلى سلمان» والوساطة مع طهران: «كله من إيران»!

حجم الخط
1

على الرغم من أن المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي علق على زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المملكة العربية السعودية (وكان يفترض أن تعزز بزيارة يقوم بمثلها أيضاً عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة) بالقول إنها «شأن داخلي ونحن غير معنيين به»، إلا أن جمهور إيران الداعم لسياساتها في الخارج، وضع الزيارة ومجمل تحركات زعيم التيار الصدري وسياسيين عراقيين آخرين من الشيعة كانوا أو لا يزالون محسوبون على إيران، في إطار خطة أمريكية إسرائيلية للتصدي للنفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، عبر احتواء هؤلاء «الساسة العراقيين».

التصدي عبر الاحتواء 

يرى جمهور إيران استناداً إلى ما تنشره صحف مقربة من صانعي القرار في إيران أن ما يصفونها بخطة «مارتن إنديك» السفير الأمريكي السابق لفترتين في إسرائيل للتصدي لإيران، أخذت بنظر الاعتبار تطلعات مقتدى الصدر لوضع العراق تحت تصرف القيادة السعودية في إطار خطة وضعها مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
وبينما تحدث «جمهور إيران» أن خطة بن سلمان للانفتاح على العراق، جاءت تنفيذاً لمشروع تقدم به مارتن إنديك بتاريخ 28 آذار/مارس 2017  حين أدلى الدبلوماسي الأمريكي السابق المعروف بتوجهاته الإسرائيلية،  بشهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي حول «الاستراتيجية الأمريكية حيال إيران»، ذكر تقرير نشره موقع «نامه نيوز» المقرب من رئيس السلطة القضائية في إيران آية الله صادق لاريجاني، أن مقتدى الصدر سيعمل خلال المرحلة المقبلة على حل «الحشد الشعبي» في العراق عبر الضغط الجماهيري، ونقل أن مقتدى بمجرد أن عاد من زيارة السعودية لجأ إلى استخدام الشارع كورقة ضغط ضد الحكومة والقوى الشيعية ومن بينها «الحشد الشعبي».
وزعم تقرير «نامه نيوز» ان مقتدى تعهد للمسؤولين السعوديين بأنه سيعمل لحل الحشد الشعبي مقابل دعمه ضمن تحالف يضم نائب رئيس الجمهورية العراقية إياد علاوي ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في إطار تحالف يواجه نوري المالكي رئيس الوزراء السابق الذي يوصف بأنه قريب من إيران، وبالتالي من محور الممانعة أو المقاومة الذي يضم سوريا وحزب الله لبنان والحوثيين في اليمن.
وأوضح التقرير أن مقتدى الصدر سيبدأ في تقويض النفوذ الإيراني في العراق خصوصاً فيما المرحلة المقبلة ستشهد نزالاً سياسياً يتعلق بالحشد الشعبي.
وذكر أن مقتدى وضع خطة بدعم سعودي لمنح رئاسة الحكومة العراقية المقبلة لتحالف انتخابي عراقي وطني يمنع وصول «الحشد الشعبي» للسلطة.
وختم التقرير أن مقتدى يتطلع إلى وضع العراق تحت تصرف القيادة السعودية وأن هذه الخريطة وضعها مقتدى مع محمد بن سلمان لمواجهة نفوذ إيران في العراق.

 مقتدى: السعودية أب للجميع 

لم ينف مقتدى الصدر تقرير «نامه نيوز» ولم يعلق عليه، وتجاهل الحديث عن خطة إنديك رغم أنه اطلع على كل ذلك بواسطة المقربين منه، لكنه سرب بُعيد عودته إلى النجف قادماً من السعودية «فيديو» عن تصريحات أدلى به لوسائل إعلام سعودية حول موقفه من إيران وأن زيارته تنوي النأي بالعراق عن التدخل في شؤون الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالعكس، وبالقدر نفسه مع السعودية.
لكن الصدر الذي نظم له أنصاره استقبالاً أهال عليه من «النبوة» الشيء الكثير حين تم تشبيه عودته إلى النجف بدخول النبي (ص) إلى المدينة وإطلاق نشيد «طلع الصدر علينا»، أشار في تصريحات نشرت في الإعلام السعودي إلى إمكانية إيجاد الحلف العراقي الداخلي الذي تحدثت عنه «نامه نيوز» وربطه «جمهور إيران» بمشروع مارتن إنديك والائتلاف السعودي الإسرائيلي الذي كشف عنه مراراً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمواجهة إيران.
وحتى حين زار زعيم التيار الصدري دولة الإمارات، واصفاً قبل ذلك الرياض بأنها «أب للجميع» ما دفع إلى إثارة مخاوف داخل العراق تحديداً من أن زيارات الصدر الخارجية هي لتعزير نفوذه الشخصي ونفوذ تياره على حساب تعزير علاقات هذه الدول مع العراق.
وبدا واضحاً أن جمهور التيار الصدري بالمقابل، وربما بتوجيه مباشر من مقتدى نفسه، سارع إلى شن حملات إعلامية بدت منظمة ضد إيران ووصل الأمر إلى انتقاد ومهاجمة أمين عام حزب الله لبنان السيد حسن نصر الله، والتهديد بالشارع ضد وسائل الإعلام العراقية التي تستضيف خبراء ومحللين ينتقدون زيارات الصدر الإقليمية، ويُشكلون عليها أنها لتحقيق مطامح خاصة بالتيار بـ«الاتصال بدولة أجنبية»! 

توازن ووساطة متعثرة

وفِي ظل احتدام النقاش الداخلي في العراق، قطع إعلاميون إيرانيون الصمت الإيراني الرسمي على نتائج زيارة الصدر 
السعودية حين قام وفد منهم بزيارة العبادي بحجة تقديم التهنئة بتحرير الموصل ليسألوه عنها فقال لهم رئيس الوزراء العراقي «العراق بلد ديمقراطي وزيارة الصدر للرياض إجراء طبيعي»، لكنه ملمحاً إلى مشروع إنديك دون ذكره أكد وكأنه يرد على المخاوف من ان يستخدم التقارب العراقي مع السعودية منصة ضد إيران «أن بغداد تعد التصدي لأي اعتداء على إيران واجباً أخلاقياً وشرعياً عليها».
وسارع العبادي من جهته وهو يحاول الظهور بمظهر «المتوازن» إلى ارسال وزير الداخلية قاسم الأعرجي إلى طهران الذي وقع مع نظيره الإيراني مذكرة تفاهم للتعاون الأمني الثنائي حول تنظيم مراسم زيارة أربعين الإمام الحسين، والذي أعلن عن طلب السعودية من العراق القيام بوساطة مع إيران. 
وبعد أيام قليلة من هذا الإعلان الذي جاء خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني، عبد الرضا رحماني فضلي، موضحاً في التفاصيل أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، طلب منه رسمياً، توسط العراق بين إيران والسعودية، لكبح التوتر بين البلدين، خرجت السعودية تنفي الأمر، ما دفع الوزير العراقي للتراجع عن تصريحاته رغم تأكيدها من قبل مستشاره وهاب الطائي.
وإذ اكتفت الرياض بالتصريحات التي نشرتها وكالة الأنباء السعودية على لسان مصدر لم تعلن اسمه، ينفي فيها ما تردد عن طلب الرياض للوساطة مع إيران، فان مراقبين رأوا أنها تشكل تراجعاً عن الموقف السعودي السابق، حيث أن كل الدلائل كانت تشير إلى أن الرياض كانت تسعى بسبب فشلها في الأزمة مع قطر لصالح الأخيرة، لفتح قنوات مع طهران، وهو ما يدعو للريبة! 
وبدا واضحاً أن وزير الداخلية العراقي المحسوب على منظمة بدر التي أسستها إيران ويصفه الإعلام السعودي برجل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني هو الذي نقل دعوة الرياض إلى مقتدى الصدر لزيارتها كما يروج التيار، ما يشير إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يحاول الظهور وكأنه ينتهج خلال الفترة الأخيرة منهج التوافق مع محيطه بالكامل، وهو أمر واضح من خلال حواره مع مقتدى الصدر الذي يؤمن مثل الإيرانيين بنظرية المهدي المنتظر التي يرفضها بن سلمان وأعلن سابقاً أنه يرفض الجلوس للتفاوض مع من يؤمن بها، بالإضافة إلى بدء خطوات جدية في جمع حلفاء السعودية الخليجيين كالبحرين (التي سارعت إلى إيفاد وزير خارجيتها إلى بغداد وكان وصف الصدر سابقاً بالداعشي) والتوحد على التقرب من العراق، ما جعل المراقبين لا يستبعدون محاولته فتح حوار مع إيران.

«كله من إيران» 

لكن في العموم فان الوزير العراقي المقرب إلى سليماني، ذهب إلى إيران والتقى نظيره وأكد له أن السعودية طلبت الوساطة العراقية، وبعد أيام قليلة تراجع عما قاله ونفى أن تكون المملكة طلبت أي وساطة من جانب العراق لتطبيع العلاقات مع طهران، وهو ما تزامن مع رد سعودي – شبه رسمي- على التصريحات ونفي المصدر رغبة السعودية في الوساطة، وهو أمر في مجمله يشير إلى أن طهران أبدت رفضاً للطلب السعودي ووضعت شروطاً أحرجت بن سلمان الذي كان تساءل حول طريقة التفاهم مع إيران، مشيراً إلى أنهم يريدون السيطرة على العالم الإسلامي، وأن منطـقهم تحضير البيئة الخصبة لحضور المهدي المنتظر.
وبدا واضحاً أيضاً أن الرد الذي وصل الرياض بواسطة الوزير العراقي قاسم الأعرجي، نقلاً عن نظيره الإيراني، لم يرض بن سلمان فأعلنت السعودية عدم طلبها للوساطة العراقية، بعد أن أشارت إيران إلى ترحيبها بأي وساطة بين دول المنطقة بما فيها السعودية شرط أن تكون الوساطة قادرة على دعم أمن المنطقة واستقرارها. كما دعت طهرانُ السعوديةَ إلى وقف الحرب في اليمن.
فقد قالت إيران إن إعلان وزير داخلية العراق وساطة بين الرياض وطهران أمر إيجابي. ورحب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي في تصريح بالخطوة وقال إن بلاده – وبعد الحديث عن الوساطة العراقية- لم تتلق أي إشارات واضحة تفيد برغبة السعودية في تحسين علاقتها مع إيران. وسبق للخارجية الإيرانية أن قالت إنها تأمل من السعودية وقف الحرب في اليمن وقبول الحقائق على الأرض.
وكان وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي قال في وقت سابق إن السعودية طلبت من بغداد التدخل للتوسط بينها وبين طهران، وأكد أن الأخيرة تلقت هذا بشكل إيجابي، وأن المملكة وعدت بالتجاوب مع الشروط الإيرانية.
وكان وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، أعلن أنه أبلغ الجانب السعودي رأي الجانب الإيراني بأن الخطوة الأولى التي يمكنها أن تؤدي لتخفيف التوتر بين طهران والرياض، تتمثل في إبداء الرياض الاحترام إلى الحجاج الإيرانيين ومعاملتهم بأفضل نحو، وأن تسمح لهم بزيارة مقبرة البقيع.
وقال الوزير العراقي، إن الجانب السعودي وعد بتطبيق ذلك، وأكد أن البقيع مفتوحة الآن أمام الحجاج الإيرانيين (علماً أنها كانت مفتوحة أصلاً في اليوم مرتين في السنوات السابقة) مشدداً على أن العراق يؤمن بضرورة وجود علاقات صداقة بين إيران والسعودية، لأنها تسهم في تعزيز أمن المنطقة!

«موسم الحج إلى سلمان» والوساطة مع طهران: «كله من إيران»!

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية