ثقافة اللوم السريع لإبن البلد العربي الآخر

حجم الخط
2

ينتشر اليوم من بلد عربي إلى آخر اللوم. لوم بين أهل البلد المعني بأن العرب الآخرين، بدءا من جيرانهم الأقربين، لا يفهمون عليهم عندما يتعلق الأمر بأوضاعهم السياسية. يحدث هذا بين السوريين واللبنانيين، كما بين السوريين والتوانسة، وبين المصريين وبقية العرب.
يحدث بين الجميع بمقادر متفاوتة ولحظات انقباض لها ظروف مختلفة، إنما «الترند» المتفشي أكثر فأكثر ان العربي الآخر «اجنبي وأكثر» عندما يتلفظ بذات كلمة عن الأوضاع في البلدان العربية الأخرى، بل انه يظلم ناس هذه البلدان بسوء معرفته، الجاهلة بجهلها، المتشبثة بموقفها المسبق، المسترسلة في الإسقاطات، المتوهمة بأنها أكثر موضوعية كونها على مسافة من الأزمات والنزاعات في البلد المنظور اليه. يُسمع هذا اللوم في حياتنا الشفهية اليومية، ويستشف في الكتابات على اختلاف أصنافها. ومن أصابه «ارتياد المصطلح» من الناس تراه يرمي تهمة «الاستشراق» بالعربي الذي من بلد آخر حين يدلي بدلوه في وضع بلده هو. ليس فقط اذ اختلف الشخصان حد التضاد، بين سوري مناصر للثورة وبين تونسي يساري مناصر للنظام السوري، بل ايضا حين يتفقان في عدد لا يستهان به من الخطوط العامة، كالسوري المناهض لحزب الله مثلا، وذلك القسم من اللبنانيين المناوىء للحزب اياه، فلا يعدم تلاقيهما من لوم مستور حينا، نافر حينا آخر، فيمكن للأول ان يعيب على الثاني «اصلاحيته» في مواجهة الحزب في الداخل اللبناني، بدل اشعالها ثورة، ولا يستوعب كل رطانة «الحفاظ على السلم الأهلي»، ويمكن للثاني ان يفسّر الاخفاق اللبناني بازاء الحزب باخفاق السوريين في مواجهة نظامهم والحزب، وشيئا فشيئا يظهر امامنا نموذج مزدوج للوم المتبادل: سوريون «يتخصصون» في أسباب فشل حركة 14 اذار في لبنان، ولبنانيون «يركزون» على فشل الثورة السورية.
يأتي ذلك بعد ست سنوات على انتفاضات اشعرت ملايين العرب باستعادة شيء من «وحدة الحال»، وبما طمس في حينه شدة اختلاف الحال، سواء بالمقارنة بين الأنظمة او بين المجتمعات او بين شروط الاحياء الدستوري التعددي والتأسيس لتداول السلطة في كل منها. جاء الحراك البحريني ثم الثورة السورية لاظهار محدودية خطاب «الاجماع الشعبي العربي الشامل» على دعم «كل الثورات». وان كان التفاعل العربي مع حال البحرين ارتبط بمذهبية الموقع، فما حدث بالنسبة لسوريا كان مختلفا: فالنظرة إلى المجتمع السوري بمقاييس الاكثرية والاقلية المذهبيتين لم يستتبع شعور «سني عربي شامل وثابت» بالوقوف إلى جانب السوريين، فما بدا انه يقترب بالفعل من ذلك في البدايات، سرعان ما تراجع بفعل مآل الصراع بين الإسلاميين واخصامهم في مصر وتونس، وتحت تأثير قيام دولة «داعش»، وبدلا من ان تفضي الهجمات الكيماوية في الغوطتين إلى التفاف شعبي عربي اكبر إلى جانب السوريين بدأ تفرق الالتفاف الذي كان حاصلا حتى تاريخه، مع الانقسام حول الموقف من حرب امريكية قرع طبولها باراك اوباما، وبادلها باطالة عمر النظام في مقابل تسليم ترسانته الكيماوية، ناقصة، على ما ظهر مع الهجوم بغاز السارين على خان شيخون.
في لوم العربي للعرب الآخرين على اجنبيتهم الظالمة تجاه احوال بلده الكثير من الصحة والكثير من الوهم. اهل البلد الاشد مصابا يشعرون دائما بأن الآخرين لا يفهمونهم ولا يشعرون بهم، وهذا صحيح إلى درجة معينة، ويتحول إلى غير صحي عندما يصير حكما اطلاقيا ثابتا ولا يتحسس ايضا ان للآخرين اوضاعهم وقضاياهم الداخلية التي ينطلقون منها، وحساباتهم التي ليست هي بالضرورة نفس الحسابات، فليس صحيحا ان مصالح شعوب عربية مختلفة هي في الكبيرة والصغيرة واحدة. اقله، كي تتلاقى المصالح ثمة جهة ينبغي القيام به لتقريبها والتأليف بينها. ليس هذا بمعطى بديهي او تلقائي يخاصم الآخر فقط لأنه سها عنه او اساء النية تجاهه.
العقبة الاولى المفترض تذليلها هي ان ابن البلد العربي الآخر حين يتناول اوضاع بلدك هو بالفعل ابن لبلد آخر، وان بلده ليس «وهميا» كما يمكن ان يزيّن لك، صغر حجمه او كبر، عظمت مصيبته أم فترت. وهو بالفعل ينطلق من الموقع الذي يتخذه لنفسه بين اهله وناسه في بلده، وليس مبررا اساسا ان يفرّط بالموقع الذي يدافع عنه في بلده كرمى لموقعك انت، ابن البلد الآخر. امعان في القطرية؟ تبقى هذه نظرة أكثر قومية من «قومية اللوم»، وتحديدا لأنها نظرة استيعابية ليس فقط للتعددية كما نرسمها بألوان زاهية، بل للتعددية كما هي قبل كل شيء آخر، تناقض في المصالح والمنافع، داخل كل بلد، وبين شعوب البلدان المختلفة، رغم رابطة الدين واللغة، ورغم رابطة اللوم المتبادل، والاستسهال في رمي الآخر بتهمة الاستشراق حيال البلدان العربية الاخرى.
الوطنيات العربية متصدعة اكثر من ذي قبل. صحيح بنسب مختلفة. في نفس الوقت، هذا اللوم المتبادل يظهر المقلب الآخر من هذا التصدّع. هي وطنيات مستعادة باللوم، لوم الآخر العربي بأنه لا يفهم خصوصيتك ولا الطابع الكوني لقضيتك الوطنية النبيلة، وانه لا يشعر بشعورك، وانه حتى حين يتعاطف معك يتعاطف مع شيء غير، يتعاطف معك كما لو كنت انت شخصا آخر، كما لو كنت مجردا من كينونتك.
اكاديميا، قلة من الباحثين العرب في المجالات المعرفية المختلفة، في العلوم الاجتماعية والانسانيات، اهتمت بدراسة مجتمعات البلدان الاخرى. هذا بخلاف الباحثين الغربيين حول مجتمعاتنا العربية المختلفة اذا ما جازفنا بأخذهم بالمجمل. وبالطبع، مصدر اساسي من معرفتنا بالآخر العربي يمر بهذه «المصفاة» الغرباوية، ليس فقط بالنسبة لمن يراجع هذه المكتبة البحثية، بل ايضا بالنسبة للمستويات التي تنقلها بالتواتر والاختزال والوسائط الاعلامية، إلى الثقافة الشعبية.
– المصدر الغربي لمعرفتنا عن بلد عربي آخر، سواء كان مرجعا اكاديميا او خبرا تنقله وكالة انباء، ليس بالضرورة المصدر الاسوأ. يحتاج للتعامل معه بمراس نقدي تفحصي نعم، لكنه كثيرا ما يعطيك القدرة على المقارنات الجدية بين الاوضاع المختلفة، اكثر بكثير من مجرد اكتفائك بما يصرحه ابناء كل مجتمع، شفاهة او كتابة، صحافة او دراسة، عن نطاقهم، بشكل مال في العقود الاخيرة اكثر فاكثر لتغذية «ثقافة اللوم السريع»، والحساسية السخية من انعدام حساسية الآخر العربي، واختزال الاشكال معه في الأخلاقيات كما لو انه لم تكن مسافة، ولا اختلاف مصلحة، ولا مواقع مختلفة.

٭ كاتب لبناني

ثقافة اللوم السريع لإبن البلد العربي الآخر

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية