مشهد فوق «جسر الرئيس» وسط العاصمة السورية دمشق تداوله مستخدمو وسائط التواصل الاجتماعي على نحو واسع: جنود النظام السوري يتمشّون فوق الجسر، يعبثون، شرب سافر، ضحك، تحرش بالناس، من فتيات وشبان مدنيين.
فيديو طويل لا مجرد لقطات خاطفة، يقول العسكر فيه إنهم يبثون «مباشر» عبر الفيسبوك، ولأنه كذلك فقد استفز موالي النظام أيضاً، فراح بعضهم يطالب الكشف عن أسماء هؤلاء ومعاقبتهم، كما في فيديو جرى بثه من خطوط التماس.
لولا أن الفيديو معلن وفاضح إلى هذا الحد لما طالب الموالون بالعقوبة وبكشف العابثين. المشهد هو الخلاصة، هذا هو الاحتلال سافراً، لن تشاهده لا في مسلسلات حقبة الاحتلال الفرنسي ولا العصملي. سيقول أصحاب «نظرية الصمود» وجماعة «ليتها لم تكن»: «هذا ما جاءت به ثورتكم». لكن هذا المشهد هو جوهر النظام، رأيناه في الثمانينيات حرفياً، ولم تفعل الثورة سوى الكشف عنه من جديد.
هل هذا ما قصده بشار الأسد أخيراً حين قال في خطابه «ربحنا مجتمعاً أكثر صحة وتجانساً»؟ هل المقصود هو أن تنام «مملكة الصمت» عقوداً أخرى كي تثبت تجانسها؟!
أقل ما يقوله هذا المشهد من فوق الجسر الرئيس إن الثورة لن تتأخر حتى تعود.
إلهام شاهين.. بيان النصر
لم يصدر بيان رسمي سوري بانتهاء المهمات القتالية، أو إعلان «النصر»، إلا على «جبهة» معرض دمشق الدولي، المهرجان الاقتصادي العريق، الذي جرى تفعيله أخيراً، للمرة الأولى منذ خمسة أعوام، بعملية قيصرية على ما يبدو.
الإعلان جاء على لسان الممثلة المصرية إلهام شاهين، أثناء زيارة لها للمعرض الدمشقي مع وفد من الممثلين المصريين من بينهم محمد صبحي وبوسي شلبي والمخرج عمر عبدالعزيز.
في الزيارة، وهي ليست الأولى للممثلة المصرية التي تأتي كإعلان تضامن، إن لم نقل انخراط إلى جانب النظام السوري في معركته ضد شعبه، قالت شاهين «إحنا بنعلن للعالم كله أنه سوريا عادت، سوريا انتصرت، عادت لأهلها مش للمأجورين من الخارج، اللي فشلوا فشل ذريع»، كما ظهر في فيديو أعدّته «الجزيرة بلس».
بحماسها ذاك لو وجدت شاهين بدلة عسكرية على قياسها لأطلقت خطابها باللباس العسكري، فهو خطاب أقرب إلى إعلان نجاح العطار نائبة الرئيس من قلب معرض الكتاب، الذي افتتح أخيراً في وسط دمشق، بأن المعرض بمثابة انتصار للجيش.
لم تكن الثقافة والفن على خطوط التماس كما هي الآن. واضح كيف أن النظام يدفع بكل ثقله الإعلامي إلى «جبهة» المعرض. كل ذلك لأن النظام يريد أن يُكْرِه الناس على الاقتناع بأنها «خلصت»، أي أن الحرب انتهت، وما على الجميع سوى الرضوخ لثوابت الانسجام الوطني.
هذا التحشيد الاستثنائي للمعرض برسم دعاة المعارض من المعارضين السوريين، بحجة أن الحياة يجب أن تستمر، وأن الشعب السوري يثبت بذلك أنه حي لا يموت، إلى ما هنالك من نظريات.
نقاب في برلمان
من الفيديوهات الأكثر تداولاً هذه الأيام فيديو لزعيمة حزب «أمة واحدة» اليميني، ترتدي البرقع في مجلس الشيوخ الأسترالي. وهو يظهر دخول بولين هانسون إلى الاجتماع بذلك البرقع، ثم، حين تصل إلى مقعدها، تخلعه بحركة مسرحية، وتقول «إني سعيدة جداً بنزع هذا النقاب، لأن لا مكان له في البرلمان. الإرهاب يمثل تهديداً حقيقياً لبلدنا».
الزعيمة المتطرفة تربط بشكل صريح بين ارتداء البرقع والإرهاب. الأمر الذي استفز وزير العدل جورج برانديس ليقول «أنصحك بأن تنتبهي جيداً للإهانة التي قد تكونين وجهتها للمعتقدات الدينية لكثير من الأستراليين». وتابع: «إن لدينا نصف مليون أسترالي يدينون بالإسلام في هذا البلد، وأغلبهم يحترمون القوانين، وهم أستراليون جيدون».
غضبة وزير العدل جاءت من أجل نصف مليون أسترالي مسلم فقط، عدد يساوي فلسطينيي سوريا، أو الكويت، أو لبنان، ومع ذلك من يتذكر أن وزير عدل في تلك البلدان غضب مرة من أجلهم! رغم الانتهاكات اليومية بحقهم في بعضها، الانتهاكات المحمية بقوة القوانين قبل أي شيء. وبالعكس، كان هناك تصريح شهير تاريخي ساقه وزير لبناني في عزّ سيطرة النظام السوري الممانع على لبنان، حين قال بخصوص الفلسطينيين «لبنان ليس مكبّ نفايات»، كلام يتكرر يومياً بحق مليوني لاجئ سوري في لبنان، وما من يغضب في البرلمان.
فيديو منزلي يشعل حرباً افتراضية
فيديو منزلي لا ندري كيف وصل إلى مواقع التواصل الاجتماعي ينقل جانباً من سهرة تردد فيه سيدة عجوز بيت شعر يمدح لبنان، ويذّم عمّان، العاصمة الأردنية بكلام غير لائق.
كلام السيدة لم يقل على الملأ (شخصياً لا أقبله حتى على سبيل المزاح، حتى لو في سهرة منزلية)، ولا هو مكتوب في صحيفة أو حتى على الفيسبوك أو تويتر. كثيراً ما تحدث تسريبات من هذا النوع لزلات منزلية، إن كانت طريفة يتبناها الإعلام الرسمي، وإن كانت مؤذية تهمل.
الفيديو أثار أردنيين كثراً، فاستنفروا عصبيتهم، وراحوا يشتمون لبنان وتلك السيدة بأقذع ما لديهم، بل بكلام عنصري محض، وقد وصل الأمر إلى نبش قبر الشاعر ابراهيم طوقان الراحل (1905- 1941) والتنكيل فيه، حيث ينسب البعض بيت الشعر ذاك، المتناقل شفاهة، للشاعر الفلسطيني. راح بعضهم يشتم ويستعيد هجائيات قيلت في طوقان.
كان يمكن أن يكتفي الناس بتبليغ واسطة النشر، يوتيوب أو فيسبوك، بالمحتوى المسيء لذلك الفيديو، فيحذف، ولربما صدفنا اعتذاراً من السيدة صاحبة الفيديو، التي هي ككل البشر، يقولون في سهراتهم وجلساتهم الخاصة أفظع مما قالت.
أما هذا الاستنفار العصبي، فلعله لا يفيد أحداً، وهو يثبت أننا جاهزون للعودة إلى خنادقنا مع أول زلة لسان.
كاتب فلسطيني
راشد عيسى