عمل إرهابي جبان جديد وجريمة نكراء تقترفها خفافيش الظلام، التي لا هم لها سوى تشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب في أنحاء المعمورة. وتكريه شعوب العالم بهم وإثارة المشاكل وخلق العداوات لمن استقرت بهم الإقامة في الدول الأوروبية بعد أن سدت في وجوههم السبل في بلدانهم، إما لضيق الحال الاقتصادي وبحثا عن حياة أفضل لهم ولأبنائهم، أو هربا من أنظمتهم القمعية والديكتاتورية والتسلطية.
ما عاشته العاصمة الكاتالونية برشلونة، في الأيام القليلة الماضية، عمل جبان بامتياز ارتكبته ذئاب ضالة وقوى الجهل الحاقدة العاجزة. ما شهدته برشلونة، مجزرة حقيقية وجريمة ضد الإنسانية، يعجز اللسان عن وصفها. مجزرة مدانة بكل لغات العالم وأولها العربية.. مذبحة مدانة من كل الديانات وفي مقدمتها الإسلام. هؤلاء المجرمون القتلة، ومن يمولهم ويعبئهم، يرتكبون هذه الجرائم باسم الدين الحنيف، ويزعمون انتماءهم له، والدين بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف.
ما واجهته برشلونة في الايام الماضية مجزرة، لا يستطيع أي انسان لديه ذرة من الانسانية، أو الدين او الملة، ان يبقى صامتا وهو يشاهد الاطفال والنساء والشباب وكبار السن، من كل الاجناس والجنسيات ـ جمعهم في هذه المدينة الجميلة، حب العيش والتعرف على ثقافة الآخرين، وحب الآخر لا نكرانه ـ وهم يتساقطون والهلع والرعب في أعينهم وكأنهم أوراق شجر خريفية، مع إصرار القاتل على حصد أكبر عدد ممكن منهم. هذا عمل لا يقوم به الا من هو فاقد الاهلية البشرية والانسانية والعقلية.
اختار المجرمون هذه المرة إسبانيا، لانها ربما الحلقة الأضعف، بعد العمليات الاجرامية التي ارتكبت في باريس ونيس وبرلين ولندن ومانشستر وبروكسل وفنلندا. إسبانيا البلد الآمن الأمين، إسبانيا الشعب الطيب الأقرب الينا من اي شعوب اوروبية والمؤيدة لقضايانا.. خاصة في اقليم كتالونيا شرق البلاد.
وهذه ليست المرة الاولى التي يذوق فيها الشعب الاسباني طعم الإرهاب. فمدريد قبل برشلونة قدمت191 قتيلا وأكثر من ألف و755 جريحا في تفجيرات نفذتها أيادي الغدر في11 مارس 2004 في محطة قطارات «أتوشا رينفي» في مدريد، سلسلة تفجيرات إرهابية متناسقة استهدفت شبكة قطارات نقل الركاب في مدريد في ساعات الازدحام من صباح ذاك اليوم المشؤوم..
هؤلاء المجرمون يتحركون ويرتكبون مجازرهم، ضد الضعفاء والعزل من الشعوب الأوروبية، التي احتضنتهم ووفرت لهم سبل العيش الكريم، غير المتوفر لهم في بلدانهم التي غادروها هربا من جحيم انظمتها، وربما بحثا عن عيش كريم. وبدلا من ان يرتدّوا على مسببي تشريدهم، يرتكبون المجازر ضد الابرياء، وكأن من أهدافهم، الإضرار بقضايا العرب والمسلمين، الذين ترفض الغالبية العظمى منهم هذه الجرائم أيا كانت المسببات والمبررات.
من اقترف، مجازر برشلونة وعددا آخر من العواصم والمدن الاوروبية، هم مجرمون بامتياز، يجب ألا تأخذ بهم رأفة ولا شفقة، كما لم تأخذهم رأفة ولا شفقة بهؤلاء الضحايا صغارا وكبارا. والاخطر من هؤلاء، اولئك الأئمة المتطرفون الجبناء، الذين يتخفون وراء هؤلاء الشباب الصغار يضللونهم ويغررون بهم، لتحقيق مكاسب شخصية. حاسبوا هؤلاء الأئمة واقطعوا دابرهم، كما دابر المسببات التي تدفع هؤلاء الشباب الى التطرف والاستماع إلى هؤلاء الائمة الضللة.
غير مقبول بل مرفوض رفضا باتا أي محاولات لتبرير مثل هذه الجرائم.. ومن يفعل ذلك كأنه مشارك فيها، غير مقبول القول إن هذه الجرائم ترتكب ردا على المجازر والجرائم والفظائع التي ارتكبتها وترتكبها الدول الغربية بقيادة واشنطن، ممثلة بما يسمى «التحالف ضد الإرهاب» وكذلك روسيا، في سوريا والعراق وليبيا، هذا كلام مردود على أصحابه. نعم هناك مجازر يرتكبها «التحالف الدولي» يوميا ويسقط عشرات إن لم يكن المئات من أطفالنا ونسائنا وشيوخنا، فحاربوهم في ميادين الصراع كيفما شئتم.
والشيء بالشيء يذكر أن إسبانيا تشارك اسميا في ما يسمى بالتحالف ضد الإرهاب الذي تقوده امريكا، واقتصرت مشاركتها حسب مؤسسة فورين بولسي، على تقديم 634 الف دولار كمساعدات انسانية، موجهة عبر الصليب الاحمر الدولي.. ولكن قبل أي شيء، يجب ان نلوم ونحاسب انفسنا، لما آلت اليه منطقتنا من تمزق وقتل وتدمير وإرهاب.. فنحن من «يبوس الايادي» طلبا للدعم من هذه الدولة او تلك، فمن دعا الدول الاوروبية الى ليبيا؟ ومن ناشد روسيا للمساعدة في سوريا؟ ومن شارك في «التحالف الدولي ضد الارهاب» في سوريا والعراق؟ ألسنا نحن؟ ومن يقذف الاحزاب الاوروبية التي تصوت ضد التدخل والقصف الجوي لمدننا وقرانا، بأبشع الاوصاف واتهامها بالعمالة لهذا النظام او ذاك؟ السنا نحن؟ ومن لا يزال يطالب الآخرين بخوض حربه نيابة عنه؟ ألسنا نحن؟ ومن يجهل حقيقة ان هذه الدول لا تفعل شيئا من أجل سواد عيوننا، بل خدمة لمصالحها، ألسنا نحن؟ وحتى نكون أكثر إنصافا وأخف وطأة على أنفسنا وأقل جلدا للذات.. أليست هي تلك الأنظمة الفاسدة القاتلة الدموية، أليسوا هم «الثوار الكسبة» وبعض المثقفين الملتفين من حولهم. ولا نلوم فقط الدول الغربية، ألم نرتكب وما زلنا المجازر ضد بعضنا بعضا؟ أليس ما ترتكبه قوات «المارشال حفتر» بدعم من الإمارات، مجازر وجرائم ضد الانسانية ولن نتحدث عن العصابات الاخرى فهي نفسها قوى الظلام.. ولان قادتها لا يستقبلون في العواصم الغربية ولا من وزراء اوروبيين، كما استقبل المارشال، رغم انه ضد الشرعية الدولية. اليس ما يرتكبه «التحالف العربي» في اليمن جرائم ضد الانسانية؟ ليس القتل والتدمير فحسب، بل انتشار الأوبئة والامراض والمجاعات. كان هذا «التحالف العربي» لغرض التخلص من النفوذ الايراني في جنوب الجزيرة العربية، ولكن الرياض تعمل من وراء الكواليس، لاستعادة العلاقات مع ايران. ويفترض أن يعاد فتح القنصليات! يعني ان دماء الاف الضحايا ضاعت هدرا.
وها هي الامارات تغازل العقيد علي عبد الله صالح بعد وربما قبل، الخلافات والتراشق الكلامي وغير الكلامي بين جماعة عبد الله صالح والحوثيين. باختصار فإن الامارات تسعى لاعادة الانظمة البائدة، سواء في اليمن او ليبيا، كله تحت راية محاربة الإخوان المسلمين. والوضع كذلك في العراق وسوريا. ألم يرتكب الكل المجازر ضد الكل. ولا مجال للخوض في التفاصيل لضيق المساحة. واختتم بالقول ما هكذا نرد الجميل لبرشلونة مدينة العراقة والتاريخ وأهلها وسياحها وزوارها.. صحيح ان ناديها الشهير يميل نحو اسرائيل، لكن مجلسها البلدي هو من المجالس البلدية في اسبانيا الاكثر تعاطفا مع الفلسطينيين. وقد انضم الى حملة مقاطعة اسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها «BDS». وقد صوتت أغلبية أعضاء المجلس البلدي لبرشلونة لصالح قرار يفرض احترام حقوق الإنسان للدول التي تنتمي إليها الشركات والمؤسسات التي سيتم توقيع أي اتفاق معها في المستقبل. ويشير الاتفاق بشكل خاص الى الشركات التي لها علاقة مع الاحتلال العسكري لفلسطين، وكذلك سيتم طلب تشكيل مركز متابعة تابع لحكومة كاتالونيا، لدراسة العقود التي توقعها شركات الاستثمار الكتلانية في الخارج. وأقر النص الذي اتفق عليه بشرعية النضال السلمي الذي أقرته حركة المقاطعة ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005، ويؤكد أن مدينة برشلونة تقطع صلتها بأي نوع من «الأبارتهيد» الذي تمارسه دوله الاحتلال، وتطلب منها تطبيق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويعد هذا إنجازا عظيما في مدينة يبلغ عدد سكانها مليونا وسبعمئة ألف نسمة. وببرشلونة يصل عدد المدن الاسبانية التي تبنت المقاطعة إلى 70 مدينة.
هؤلاء القتلة والظلاميون مبدعون في خلق الأعداء وزرع الأحقاد وتنفير الناس منا وتشوية صورة الإسلام والعرب.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح