أقلّه في صيف 2006 كانت الحكومة اللبنانية، حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك، لا تزال تضطلع بالشأن التفاوضي، حتى عندما يتفرّد الحزب المسلّح المرابط فيها، «حزب الله»، بقرار الحرب، ضارباً عرض الحائط بمفهوم الحكومة.
كان الشقاق بيّناً خلال فترة حرب تموز/يوليو بين الحزب وبين أكثرية الحكومة التي كانت أول حكومة يشارك فيها بشكل رسمي، فأكثرية الحكومة لم تستطع أن تبلع التفرّد الحزبي بقرار الحرب والسلم، في حين لم يتردد إعلام الحزب والدائرين في فلكه في التهديف على جهات في الحكومة، بتهمة أنها مشاركة في الحرب الإسرائيلية عليه. مع ذلك، لم يمنع هذا الجو المشحون و»التوعدي» الحكومة في أيام الحرب والحصار من أن تزاول، باستقلالية كبيرة، دورها التفاوضي، الذي استحق تقريظاً من الرئيس نبيه بري إذ وصف حكومة السنيورة بـ «المقاومة الديبلوماسية». وقبل أن تضع الحرب أوزارها، ويباشر بعدها العد العكسي لانسحاب وزراء حركة بري و»حزب الله» من الحكومة ومحاصرة مقرها ووسط العاصمة لعام ونصف انتهت بالزج بالسلاح في أزقتها، أتى هذا العمل التفاوضي أُكلَه، بالتخفيف من وطأة القرار 1701 على «حزب الله»، فلا مطار دولي تحت وصاية دولية، ولا فصل سابع، ولا مراقبة لتدفق الأسلحة على الحزب من البوابة السورية.
طبعا، الأرضية الموضوعية لتخفيف وقع القرار وتليين مندرجاته تمثلت بالانسداد في العملية الحربية التدميرية الإسرائيلية، والأعطاب التي كشفتها الحرب في آلة الحرب الإسرائيلية، وانتهاء فترة السماح الأمريكية لها من دون نجاحها في تحقيق نتائج واضحة، هذا إن لم تكن الحرب أساساً حملة «تأديبية» من دون أهداف استراتيجية.
إلا أن هذه الأرضية الموضوعية لتخفيض مستوى القرار الدولي ما كانت لتفلح تخفيضا محققاً له لولا المفاوضة التي قادتها الحكومة، التي كانت في الآن نفسه تفاوض حول شكل إنهاء عدوان حربي، فيما أحد طرفي النزاع عضو فيها، وهي لم تستشر من الأساس في أمر إشعال المواجهة في ذلك الصيف، بل كان يرابط لها الحزب إياه، على الكوع، فور انتهاء المعارك.
لم نكن يومها في وضعية جناحين، عسكري وسياسي، يتفرعان من جسم واحد، لكن التفاوض أعطى بحق، حيزا من الاستقلالية للحكومة، لا يقلل من إبعاد الأخيرة عن منصة تقرير حال الحرب من حال السلم، إنما من دون أن يؤدي هذا الإبعاد للحكومة عن «السيادة» لإبعادها عن «السياسة».
ما يحدث في صيف هذا العام مختلف للغاية. قرار الحرب والسلم الذي انتزعه الحزب في صيف 2006 أسس عليه تدخلا في الحرب السورية إلى جانب نظام آل الأسد، وكذلك حقه في تحديد التوقيت المناسب للمعركة مع جبهة النصرة في جرود عرسال، من دون الرجوع هنا أيضا، ولو بروتوكوليا، للمظلة الحكومية، فكان على الجيش أن يتخذ إبان معركة جرد عرسال وضعية مركبة: فهو غير مشارك في الهجوم الذي يشنه الحزب من الجهة اللبنانية للحدود، والجيش السوري زائد الحزب من الجهة السورية لها، لكنه منتشر في المنطقة المحيطة بعرسال ومخيمات اللاجئين لمنع تسلل المسلحين من الجرد إليها. وبعد قليل من معركة عرسال التي انتهت بالتفاوض بين حزب الله وجبهة النصرة، كانت معركة جرود رأس بعلبك والقاع ضد مجموعة مسلحة متطرفة اختطفت الجزء الآخر من عسكريي الجيش، وسرت إشاعات منذ سنوات بأنها أعدمتهم، وتبايع هذه المجموعة «تنظيم الدولة» (داعش) من دون أن يكون واضحا شكل الارتباط بينها وبين «كيان داعش الترابي» في الرقة.
هذه المعركة تولاها سلاح الشرعية اللبنانية، نافيا التنسيق مع الحزب والجيش السوري، وهذا مسوغ من ناحية الاصطلاحات العسكرية، فما من غرفة عمليات مشتركة بين هذه الأطراف رغم وجودها في حالة حرب مع مجموعة متطرفة ممتدة على جانبي الحدود. مع هذا أصر الحزب وإعلامه على أن التنسيق حاصل وأنه ضروري وأن نفيه غير مستحب، وأن ضرورته القصوى تكمن في التعاون مع الجانب السوري للكشف عن مصير العسكريين المخطوفين، فكانت النتيجة، هنا أيضا، أن من تولى المفاوضة، هو بشكل أساسي «حزب الله». أي أن الحزب تولى هذا الصيف، بالتتابع، شأن المفاوضة مع كل من النصرة والمجموعة التي تبايع «داعش»، بصرف النظر عن كونه المحارب الوحيد من الجانب اللبناني ضد الأولى، والتزام الجيش بالقتال ضد الثانية. في الحالتين، الخاتمة نفسها: الحزب، قاتل أم لم يقاتل، من الجانب اللبناني من الحدود، هو المفاوض اللبناني الأساسي مع هذه المجموعات. ما عاد للحكومة ما كان لها عام 2006، من مضمار للتفاوض تختص به، رغم انحسار أسباب السيادة التي تستند إليها. هذا المضمار اقتطعه الحزب لنفسه أيضا، وليس من دون إبداء فروسية «قروسطية» مع المجموعات المندحرة، بحفظ دمها وتأمين سفرها مئات الكيلومترات بعيدا عن الحدود اللبنانية، كما لو كنا في أجواء فيلم الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين، بعيداً عن المعالم الشكلانية لمفهوم الدولة.
الحزب ديبلوماسيّ نفسه في حرب الجرود وديبلوماسي الدولة حتى وهي تخوض، ولو بالشكل، معركة غير ممهورة بختمه. وأكثر، يتصرف كما لو أنه يجمع بشكل عضوي بين أقصى الكفاحية والتفاني، وبين الحد الأقصى من الحلم والرأفة و»العفو عند المقدرة». وليس النافع هنا تصديق أو تكذيب هذه الصورة المزدوجة، إنما التوقف عن أخذ هذه الأمور كبداهات. ليس حق التفاني بمطلق، لأي نفر أو رهط في دولة، إنما التفاني يكون في نطاق العقد الاجتماعي الذي يفرز رزمة حقوق وواجبات، وليس «العفو عند المقدرة» ـ مع بقائه أفضل من «الثأرية»، إلا الجانب الآخر من تقويض فكرة القانون، عندما لا يكون القانون والدستور ومؤسسات الدولة قنوات تأطيره ومرجعه. «العفو عند المقدرة» عن المسلحين المتنسبين إلى «داعش» يترافق اليوم مع محاولة طي ملف العسكريين المقتولين غيلة، بطنين «مارتيرولوجيا تلفزيونية» يفترض أن لا تحول دون فتح تحقيق قضائي حول مصير العسكريين، متى وكيف قتلوا وأين، حتى لو بقي الملف فارغا يجب أن يفتح. وربما كان هذا أكثر ما يمكن فعله في لبنان الآن، في ظرف انتزع الحزب الخميني لنفسه ليس فقط الحق في التفاني، وقرار الحرب والسلم، ودعم الانتفاضات أو دعم بقاء الأنظمة بوجهها، بل كذلك الحق في العفو عند المقدرة، وفي المفاوضة على العمليات العسكرية جميعها. الحق في احتكار السياسة أكثر فأكثر.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة