يأبى الصديق كمال الطويل (وللتفرقة بينه وبين الشاعر سميّه، ملحن رائعة أم كلثوم «والله زمن يا سلاحي» عام 1956 نلحق اسمه الأول كمال باسم والده خلف) يأبى إلا أن يذكّرنا بين الفينة والأخرى، بالزمن الجميل، إذ وصلتني منه مقالة، علّق عليها بتعبير «غطيني يا صفية» التعبير هو للزعيم المصري المعروف سعد زغلول، الذي لما أحسّ بدنو أجله، طلب من زوجته صفية زغلول (أم المصريين) التي طالما خرجت على رأس المظاهرات المصرية ضد المحتلين البريطانيين، وساهمت بدور كبير في تحرير المرأة، قال لها: «ما فيش فايدة، غطيني يا صفية، وصوّتي».
وبالفعل، هذا ما حصلْ. قصد الزعيم بـ»ما فيش فايدة» وصف حالة الأوضاع المصرية آنذاك. أما كلمة صوّتي، فقد أضيف إليها باللهجة الفلسطينية كلمة «دبّي» المقصود «دبّي الصوت يا صفية». التعبير استعملناه كشلة في المدرسة بعد الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية عام 1967. كان الواحد يسأل الآخر، كيف أحوال صفية اليوم؟ يجيبه الثاني، غطيني يا صفية، ما يعني أنه لا توجد مظاهرات اليوم. أما في حالة الإجابة بدبّي الصوت، فمعنى ذلك، استعدوا للمظاهرة التي ستجوب شوارع قلقيلية. منذ تلك السنوات غاب التعبير الجميل عن ذهني، حتى ذكّرني به الأخ والصديق كمال.
حقيقة الأوضاع السياسية العربية والفلسطينية، تستلزم جملة سعد زغلول «ما فيش فايدة.. غطيني يا صفية، ودبّي الصوت»، فالأوضاع سيئة ومن الصعوبة بمكان انتظار تغييرها، فالحال فعلا «مايل» ولا أمل فيه، وأنه لا الثورة ولا غيرها ستغير شيئا من الواقع الصعب الذي نعيشه، من تفشي الأنانية وهزالة القيادة ومحاربتها للنقد، الذي لا يكسب مقدمه منه سوى مراكمة المزيد من الأعداء حوله، حيث سيبدو أنه المذنب. أما الموضوع مجال النقد، فلا شيء سيتغير في مساره مطلقا، ألم تسمع عزيزي القارئ بمثَل «فالج لا تعالج»، للعلم الفالج هو مرض الشلل. القيادات العربية والفلسطينية هي محتكرة الفهم والآراء الصحيحة، وشوية وسيقال عنها من قبل مادحيها أنها «لا تنطق عن الهوى»، فبمجرد دخول أحدهم للساحة القيادية، يُملأ عقله رأسا بالحكمة التاريخية، يا سبحان الله! لذلك أعزائي القراء لا يقم أحدكم بنقد الأوضاع في بلده، فالنقد سيثير صخبا على صاحبه، حتى لو كان نقدا هادفا، حتى لو كان بعيدا عن التجريح والانتهازية، حتى لو خضع لفهم فلسفي عقلاني، وفقا لسقراط وأرسطو وفي ما بعد، ديكارت وسبينوزا وغيرهما.
حتى لو كان نقدا للمعيار العقلي في الظواهر، محتويا أيضا على كل الملامح الاعتبارية لمذهب كانط، المعتمد على أن بوسع النقدية أن تُفضي إلى معرفة الأشياء التي تتبدى لنا.. فالظواهر تُعرف من تلك الأشياء لا من حقيقتها.. فهي مثالية لكنها كامنة وليست متعالية، وتطورت إلى نظرية نقد العقل العملي ونظرته للقانون الأخلاقي.. وهذا النقد العقلي لا يكون موضوعيا ما لم يكن حرا وصادرا عن إرادة مستقلة، وليس خاضعا لحسابات وعوامل خارجية، حتى لو كان نقدك محتويا على كل الصفات السابقة، فلن يقبله مسؤول صغير.
تلمسون بالطبع التطور العربي في مختلف المجالات، وتحسون التطور التكنولوجي الكبير في أوساطنا، حيث سبقْنا الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والدول الأوروبية مجتمعة في التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعات! تحسون معي أيها الأخوة القرّاء، الفائض الكبير من الأمول العربية التي تصرف على تطوير الأقاليم في دولة الوحدة، ورخاء مواطننا، الذي لا يعرف كيف يستعمل فائض أمواله. يحمل المواطن العربي هويته ويجول بواسطتها في أقطار الوطن العربي بسيارته، وفي واحة من الأمن والترحيب من قبل إخوته في العروبة.
لماذا ننتقد ونحن في مثل هذه الأحوال المتطورة عن كافة شعوب العالم؟ ليحاول أي مواطن عربي أن يرى مظهرا صغيرا واحدا من مظاهر الرشوة والواسطة والمحسوبية، أو الإهانة في مؤسسات الدولة العربية الواحدة التي نعيش في فيئها، فلا ولن يجد.. فما بالك بمظاهر الفساد والاختلاسات، وارتفاع الأسعار الذي يسود العالم كله (إلا في وطننا العربي) بلا ضابط أو رابط أو مواجهه! بالطبع لا يخفى على احد، ما يفيض به العقل العربي من قوة في الرؤية، واكتمال في المنهجية، ووضوح شفاف وكبير في النظرة المستقبلية، وقوته المكتملة تماما، منذ عقود طويلة في التوصل إلى واقع يرضي طموحات الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، فلماذا النقد إذن؟. نعم، تمكنا في الوطن العربي الكبير من تنشئة إنسان متكامل بعيد عن الانكسارات والتراجعات المريرة، فلماذا التمسك بالنقد؟
ومثلما تلاحظ عزيزي القارئ، فإن العقل السياسي العربي، ديناميكي ومتحرك، ومتطور في كافة المجالات العلمية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية حيث يخلو الوطن العربي من أي مشاحنات مذهبية، طائفية وإثنية، ويسود الانسجام والوئام مجتمعنا العربي في دولة الوحدة العربية، ذلك كله بفضل قياداتنا الحكيمة المنتخبة ديمقراطيا من قبل جماهيرها. مسؤولونا بكل رحابة صدر يستقيلون من مناصبهم، إذا أصاب مكروه أحد مجالات أنشطتهم! ألم تروا استقالة وزير الطيران بعد حادثة سقوط طائرة خاصة صغيرة في إقليم المغرب؟ ألم تروا استقالة وزير الصناعات العسكرية الثقيلة بعد حادثة الحريق الذي أصاب مصنع الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وقد ذهب ضحيته ثلاثة عمال؟ ألم تروا كيف قضى وطننا العربي على الأمية. ووفيات الأطفال لدينا في أدنى مستوياتها العالمية. لا يسعنا إلا شكر قيادة الدولة الواحدة على تنظيمها رحلات سياحية عالمية شبه مجانية للمتقاعدين العرب فوق سن الـ 65. هذا في ظل التأمينات المجزية المختلفة، سواء من الإصابة أثناء العمل، وفي المرض والشيخوخة! وفي ظل مجانية التعليم من رياض الأطفال حتى الجامعة، ومجانية الطبابة في كل أنحاء الوطن العربي. كما مساعدة كل أسرة تحتاج بيتا، والمساعدة في الزواج.
بالمعنى العسكري، فإن جحافلنا العربية تحيط بتل أبيب، وقد أخذت القيادة العربية وبمشاركة من القيادة الفلسطينية قرارا، بالانتظار قليلا قبل دخول عاصمة العدو الصهيوني، بفعل وساطة ترامب وبوتين وزعماء غربيين آخرين، لإقناع العرب بعدم محاسبة الإسرائيليين عن جرائمهم تجاه شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية، وعفى الله عما مضى، كما من أجل التصدق على اليهود بإعطائهم دولة في صحراء سيناء، مقابل إشراف أمني من كافة الدول العربية على هذه الدولة المنزوعة السلاح بالطبع. حصل خلاف بين القيادات العربية على هذه المسألة، التي لم تحسم بعد. هذا وقد استغل المطلوبون من الإسرائيليين للأمن العربي، حالة الانتظار، وابتدأوا الخروج أفواجا بطرق مختلفة، خوفا من العدالة العربية.
نعم، تم تحرير الأرض الفلسطينية وإخلاء المستوطنات والأهم تحرير المدينة المقدسة. كانت إسرائيل قد تقدمت بمقترح حل الدولتين، وجاء وسطاء كثيرون إلى القيادة العربية للجنوح لمثل هذا الحلّ، لكن الأخيرة وبناء على معطيات الواقع، وميل موازين القوى لصالحنا، أفشلت هذا الحلّ، الأمر الذي حدا بإسرائيل وقادتها إلى نعي حلّ الدولتين بصورة نهائية. كما أن قيادتنا مشكورة رفضت حل الدولة الواحدة والدولة ثنائية القومية.
طيلة ساعتين، وهي المدة التي استغرقتها كتابة هذه المقالة، كنت أفترض صورة معكوسة لما هو قائم، ثم صحوت من حلم يقظة، لذا، لا بد من مخاطبة الزوجة والقول لها (وأيا كان اسمها، فلا يجوز تحريف المقالة كما وردت على لسان الزعيم سعد زغلول) «غطيني يا صفية… ودّبي الصوت».
ختاما، وبمناسبة عيد الأضحى غداً، كل عام وأنتم بخير، نتمنى في سنوات مقبلة أن يأتي العيد، وتكون أحوالنا قد وصلت إلى ما تصورته هذه المقالة.
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد