اليمن: ثقافة الاعتذار تقود إلى النقد الذاتي للأحزاب

حجم الخط
0

تميز الربيع العربي في نسخته اليمنية بخصوصية انفردت عن بقية التجارِب الأخرى، وتحديد
اً في البلدان التي هبت عليها رياح التغيير، من أهمها انطلاق الحوار الوطني، وإعادة الهيكلة للجيش والتدوير الوظيفي، ونحو ذلك من المفاهيم التي لم يعتد عليها الشارع اليمني. ومؤخر اعتذرت الحكومة اليمنية عن كل ما حدث في السياسات السابقة من ظلم وتعسف لأبناء المحافظات الجنوبية، وكذا لأبناء صعدة التي عانت ست حروب ظالمة، في الوقت الذي كان يفترض فيه معالجة الأمور بالحسنى، بدليل أن تلك الحروب لم تنه مطالبات الحوثيين، بقدر ما زادتهم قوة.
فالاعتذار دليل شجاعة وثقة بالمستقبل فإذا كانت فرنسا قد اعتذرت لشعب الجزائر عن فترة الاحتلال، التي انتهت قبل أكثر من نصف قرن، ومطالبة مواطني المغرب العربي اسبانيا بالاعتذار لطرد المسلمين المعروفين بالمورسكيين من الأندلس الاسبانية، قبل أكثر من أربعة قرون، وهم من دولة وقارة أخرى وحضارة وملة مختلفة، ومع ذلك فان طبيعة التعايش بين الأمم يقتضي مثل هذا السلوك الحضاري، فما بالك بابناء جلدتهم.
الأحرى والأولى أن يكون الاعتذار سمة المرحلة المقبلة، ويجرنا ذلك إلى ثقافة بعض المفاهيم المفترضة في الفكر السياسي اليمني المعاصر، ومنها التقييم والنقد الذاتي داخل كل مؤسسة وحزب ومجموعة، والأجدر بالأحزاب اليمنية أن تنهج هذا السلوك، فتجدد نفسها وتعيد تقييم سياساتها ونهجها، من ناحية الشكل والمضمون الذي يقود لانتخابات جديدة وتغيير قيادتها، ولاسيما الأحزاب الكبيرة الرئيسية كالمؤتمر والإصلاح والاشتراكي، وينطوي ذلك على كل الأحزاب في اليمن وغيرها، سواء تلك التي تصنف بالتوجه الإسلامي او اليسارية، او تلك التي تسمي نفسها العلمانية والليبرالية، وعليها أن تتخلص من مفهومها الخاطئ القديم لقيادة الزعامة التقليدية القبلية والدينية والسياسية، وان تؤمن بالانتخابات والاقتراع السري والتنافس على المناصب القيادية للحزب، والا تحتكر تلك المناصب بحيث تقتصرعلى شخصية واحدة أو حلقة معينة.
والأحرى بأن نقتدي بهذه الثقافة والقيم، فالمؤتمر رغم قدمه النسبي في المشهد السياسي، إلا أن الشارع اليمني يقرنه بفشل الفترة السابقة، ما لم يجدد نفسه ويبعد عنه هذا الانطباع. وفي الغرب عندما يخسر أي حزب السلطة يبادر ذاتيا الى تغيير قيادته حتى يلج مرحلة جديدة وواقعا مغايرا فمن نواميس الحياة، التدوير والإحلال، وليس في ذلك عيب أو نقص لشخص أو لمجموعة، بقدر ما هو رفد بدماء جديدة لم تتورط في مهاترات وحساسيات، وهو في نهاية المطاف لمصلحة الحزب نفسه.
أما لماذا التركيز على المؤتمــــر فالجــــواب لأنه من أهم واكبر الأحزاب، ومن جهة ثانية بيده عقدة الحــــل، والخلافات في أن واحد، بمعنى أن قضية (الشخصنة) قد علقت بالذهنية السياسية اليمنية بصورتها الايجابية، أو عكس ذلك، وبداهة فان الأفضل هو تغيير تلك القيادات وتجديدها بقيادات اخرى، وهذه ستحسب له أكثر مما هي ضده، وقد تحذو الأحزاب الأخرى في المشهد السياسي حذوه.
ويعتقد بأن أسباب تعثر مآلات الربيع العربي هو التيه والمراوحة بين ثقافة التغيير وثقافة التبرير، وفي رصد أولي لأغلب الأحزاب، سواء تلك التي في السلطة او المعارضة، لا تتضمن أدبياتها ثقافة المراجعة والنقد الذاتي والاعتذار، بينما هناك أمثلة مغايرة، فحزب ‘السلامة’ التركي برئاسة الراحل نجم الدين اربكان، لولا نقد نفسه والتجديد المستمر خلال مراحل حظر وتحول في المسميات، والانسحاب من الحياة السياسية في نهاية المطاف، ما تطور وتلاءم مع المستجدات، ليظهر بالصورة التي هي عليه اليوم، ولولا كل ذلك لما خلده حزبه وغدا الأب الروحي لأنصاره وقواعده، الذين أسسوا حزبا جديدا هو حزب ‘العدالة والتنمية’، الذي هو امتداد (لسلامات بارتي) الذي غدا بقيادة رجب طيب اردغان، فلو تمسك بقيادة الحزب لما جدد الحزب نفسه وقاد التحولات في تركيا في عشر سنوات، وزاد دخل الفرد فيها خلال تلك الفترة القصيرة ثلاثة أضعاف، وصارت معدلات النمو أكثر من بعض بلدان اوروبا ذاتها، وغدت مثالاً يحُتذى، وهو الأمر نفسه في أطراف القارة الآسيوية، فمهاتير محمد استقال من حزبه وعن السلطة وهو في عز مجده، بعد أن قاد التحولات العظيمة في بلاده من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعات، وغدا اقتصاده من اقوى الاقتصاديات في جنوب شرق آسيا، واصبح إيقونة للتضحية والإيثار تتهافت عليه الجامعات والمؤسسات العلمية لتستفيد من خبرته ونصائحه، وفي قفزة جغــــرافية لأقصى طرف القارة الأفريقية تنازل نيلسون مانديلا، وهو في أوج شعبيته المحلية والعالمية عن كل سلطاته السياسية والحزبية، بمحض إرادته، وهو الذي حول مجرى تاريخ الفصل العنصري السيئ الصيت.
واجمالا لو نصح مستشارو الرئيس السابق، واحسن هو قراءة ما حوله من نماذج، واستقال مع شريكه في صنع الوحدة حينها، لخلدهم التاريخ،
وجاءت محطات أخرى كانت فرصة للتقيم والنقد الذاتي، وذلك بعد حرب 94، وأخير فرصة انتخابات 2006 وإتاحة الفرصة لابن شملان المدني البسيط لتسلم قيادة مدنية، كل ذلك كان اعطى لليمن منحى آخر وما اصبح اليوم على كف عفريت تتجاذبه المحن وتعصف به مشاكل لا تنتهي، جعلت الكثيرين يكفرون بمفردات الوحدة والجمهورية والديمقراطية، بحيث غدت نصوص خالية من مضمونها، فمتى يدركون مدى خطورة وحساسية المرحلة، فقادة الأحزاب أنفسهم ليسوا معصومين، وبالتالي ليسوا أهم من أحزابهم والشيء المهم في نهاية المطاف، هو ان اليمن فوق كل تلك الأحزاب.

‘ كاتب وسياسي يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية