الأردن: نظرة في ما وراء أزمة الكردي وصفقة الفوسفات

محاربة الفساد وحصاره تعتبر عناوين جذابة في الأردن، يضاف لها التصريح الذي قدمته وزيرة الاتصالات مجد شويكة بتجفيف منابع الفساد، من خلال الخدمات الإلكترونية التي قدمتها وزارتها. ومع أنه تصريح غير دقيق وغير واقعي، إلا أن الوزراء يحتاجون من وقت إلى آخر لموقع يمكنهم الحضور من خلاله في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتمكنت شويكة من الحصول على مساحة جيدة نسبياً قبل أن تتلاشى تصريحاتها أمام خطوة اتخذتها الحكومة الأردنية بمباشرة عملية إحضار وليد الكردي للأردن، بعد سنوات من بقاء القضية عالقة، نظراً لتواجده خارج المملكة. وقصة الكردي اعتبرت طويلاً أحد المواضيع الحساسة نظراً لعلاقة النسب التي تربطه مع العائلة المالكة، ومع أن الملك عبد الله الثاني أوضح لمرات عدة أنه لن يمنح الحصانة لأحد، إلا أن تقاليد معينة تستقر بوصفها جزءاً من «الدي أن أيه DNA « في المقاربات المماثلة خلال سنوات كثيرة مضت، على الرغم من قيام البعض باستعراض الشجاعة بأن يهتفوا مطالبين بإحضار الكردي وكأنه الحل الأخير الذي سينهي مشكلات الأردن جميعاً ولمرة واحدة، وأن الأموال التي تشكل الفرق في قيمة صفقة التخاصية التي ترتبط بشركة الفوسفات الوطنية سينهي الخلل الاقتصادي والمالي القائم.
استعراض لجنة التحقيق النيابية حول خصخصة شركة الفوسفات يدين كثيرين بما يفوق أية إدانة يمكن أن توجه للكردي، فالصحافي محمد عمر يلاحظ أن، الكردي كان يمثل الطرف المشتري، وفي هذه الحالة هو وكالة بروناي للاستثمار، وربما من المعروف أن اهتمام ممثل المشترين في الصفقة، بمصالحهم للحصول على سعر تفضيلي، يبخس قيمة الشركة الحقيقية هو فعل مبرر، ولكن ما هو غير مبرر أن الكردي أوحى بأن علاقته بالأسرة المالكة كانت تعكس توجهاً من المستويات العليا في المملكة، وهذه الايحاءات أوقعت الموظفين الحكوميين في أخطاء كبرى لتمرير الصفقة، مما أسمي بالمسار السريع الذي اكتنفه الغموض، وإنهاء العطاء الدولي لاستدراج شركاء استراتيجيين لتشغيل الشركة الحيوية للأردن، وهنا يمكن أن تلحق الإدانة كثيرا من الموظفين الرسميين الذين كانوا في مناصب سياسية تحتم عليهم أن يحافظوا على المصلحة الوطنية الأردنية قبل أي اعتبار آخر، وأن يتمسكوا بجميع إجراءات الشفافية التي تكفل حقوق الملاك الحقيقيين للشركة، المتمثلين في الشعب الأردني، ولذلك فالتقصير كان من الوكلاء وقت إنهاء الصفقة، ووصف الوكيل يشمل جميع الأشخاص من أصحاب الصفة الرسمية في الحكومة الأردنية وقتها.
الفقرة السابقة تشتمل على خطأ جوهري يتمثل في استخدام تعبير (منصب سياسي) بينما الأردن في ظل تركيبته السياسية الحالية يقدم (مناصب تنفيذية) فرئيس الحكومة في وقت تمرير الصفقة عدنان بدران، لا يمكن أن يوصف بالسياسي، ولا يمثل أي قاعدة شعبية حقيقية، فلم يصعد في أي يوم من تجربة حزبية أو نقابية، ولم يمارس أنشطة سياسية بنكهة اجتماعية، فالرجل أكاديمي وجد طريقاً ممهداً أمامه لمناصب مهمة ورفيعة المستوى، ولكن أياً منها لم يكن يجعله على تماس واحتكاك بالمواطنين الأردنيين، ولذلك فمن الصعب على وعيه السياسي، أن يستحضر دور المواطن الأردني، ولا أن يخاف من العقوبات المعنوية التي يمكن أن تلحق به، نتيجة إقصائه اجتماعياً في مرحلة لاحقة، لأنه ببساطة لم يكن يوماً مندمجاً، ولا يضع فكرة الاندماج في رأسه من الأساس، ولا يتخيلها ولا يريدها. والرئيس السابق عبد الله النسور يمكن أن يعرف قيمة هذه الفكرة، لأنه وبعد سنوات قضاها في الدوار الرابع (مقر الحكومة الأردنية) يجد نفسه مستبعداً تقريباً من الأردنيين، الذين استشعروا الخذلان تجاه تجربته النيابية التي امتلأت بالصولات وأدائه في رئاسة الحكومة واقترافه جميع ما كان يعارضه ممثلاً للشعب، ورئاسة الوزراء لم تكن تستدعيه من جديد بوصفه زعيماً شعبياً حتى في مدينته، كما كان يأمل على امتداد سنوات طويلة من مسيرته السياسية.
حكومة برلمانية حزبية منتخبة وحدها كان يمكنها أن تقف أمام الكردي وغيره، لأنها ستعيش هاجساً بارتهانها لإرادة شعبية ضاغطة بكل مزاجيتها وعاطفيتها وحساسيتها، ليس ذلك كافياً أيضاً، ولتصحيح العبارة، يجب أن تكون هذه الحكومة صاعدة على أسس من الشفافية والمشاركة الواسعة من المواطنين، ولنفترض أن أي حكومة ستصعد في انتخابات شعبية في ظل مشاركة محدودة سترتكب أخطاء كبيرة، فإن التصويت الانتقامي لدى انتهاء مدتها الدستورية سيجعلها عرضة للتغيير والاستبدال، لأن الفئات الخاملة سياسياً، مثل الطبقة الوسطى للأسف، ستنشط للإطاحة بالحكومة، وهذه هي المعادلة الضرورية. يمكن أن تحديات إقليمية تحول دون تطبيق هذه التجربة في الأردن، فالتجربة والخطأ ليس متاحاً بهذه الصورة في بلد ضمن ظروف الأردن، والمنادون بتطبيق التجربة المغربية في الأردن يتناسون أن المغرب في موقع طرفي وبعيد يتيح لها رفاهية العمل بدون ضغوط جيو-استراتيجية كبيرة، كما هي الحال في الأردن، ولكن ذلك لا ينفي وجود فرصة ما في استبعاد التكنوقراط من المشهد، بعد أن أثبتوا أنهم منفصلون عن المواطنين شكلاً وموضوعاً، والسيدة في وزارة الاتصالات تدرك أنها غير ممتنة للقاعدة الشعبية في مسيرتها الناجحة في قطاع الاتصالات، التي أوصلتها للموقع الوزاري، فهي صعدت بكفاءتها الشخصية، ولكنها كفاءة تنفيذية وليست سياسية.
مشكلة الأردن لا تختلف عن أي بلد عربي آخر، فالحكومة تعتمد على الشكل الهرمي التقليدي وتعتبر نفسها فوق الشعب، بينما الحقيقة أنها ليست سوى وكيل عن الشعب يمثل مصالحه ويسعى للمحافظة عليها، والتنفيذيون القادمون من عالم الأعمال أو الأكاديمية أو الجيش لا يمكن أن يعدلوا الشيفرة الذهنية التي تجعلهم يعيشون أسرى التراتبية الهرمية، فكل ما يفعلونه هو النظر لمسؤولياتهم تجاه المستوى الأعلى بدون أن يولوا اهتماماً لمن يقعون دونهم في الهرم الوظيفي، بينما الهرم السياسي الحقيقي، يجب أن يكون هرماً مقلوباً يمثل الشعب أعلى مستوياته ويرتكن في النهاية على الحكومة التي تمثل دور العجلة التي تسير به نحو تحقيق أهدافه ومصالحه.
الكردي ليس إلا أحد مظاهر الخلل، ولكن جلبه لا يعد تصحيحاً للخلل ولا يمكن أن يرقى في النهاية إلا أحد الدروس المستفادة، التي يمكن أن تحسن جزئياً من أداء أصحاب المناصب السياسية بينما المطلوب هو الارتقاء لهذه المسؤولية، ولا يتأتى ذلك إلا من تجربة انتخابية في إطار الشعب نفسه وبين صفوفه، لا في أروقة الشركات الكبرى أو الجامعات المرموقة وقاعات الاجتماعات الخاصة بها، وإلا كان مايكل بورتر مثلاً، أستاذ الإدارة الاستراتيجية في جامعة هارفرد هو الشخص المناسب لرئاسة الولايات المتحدة.
كاتب أردني

الأردن: نظرة في ما وراء أزمة الكردي وصفقة الفوسفات

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية