سينما محجّبة في قطاع غزة… كيف تحوّل عمرو خالد إلى ظاهرة كوميدية… وكيف تذكّرت «مفوضية اللاجئين» آلان الكردي

حجم الخط
6

 

من المفروض أن يكون عرض فيلم سينمائي في مدينة غزة الواقعة تحت حكم «حماس» خبراً طيباً للفلسطينيين والعالم، بعد سنوات من أخبار متفرقة عن حرق دار سينما فيها أو إتلاف كتاب أو تفريق لفرح شعبي اعتيادي. لكن الريبورتاج المصور الذي عرضته «سي أن أن» العربية حول إنتاج وعرض فيلم «عشر سنين» للمخرج علاء العالول لا يثير سوى مزيد من الحزن على هذا البلد الغارق في الظلام.
اللقطات التي عرضها التقرير من الفيلم يمكن أن تنسب ببساطة للسينما الإيرانية لا الفلسطينية، سينما ميشيل خليفي وإيليا سليمان وهاني أبو أسعد ومي مصري، فربما هي المرة الأولى التي تشاهد ملصقاً لفيلم فلسطيني عمادُه صورة امرأة محجبة، كذلك كل نساء الفيلم، إلى حد أنك تتخيل أن بال الفيلم مشغول بإتقان مشاهد الحجاب والملابس الطويلة أكثر من إتقان مشهدية سينمائية.
لا نزعم أن الفيلم يقدّم صورة مزورة عن واقع غزة، فبعد عشر سنوات من حكم «حماس» استطاعت الأخيرة أن تجبر غزة على الصورة التي رسمتها لها. الواقع هو الذي بات مزوراً بقوة السلاح والرعب وتكميم الأفواه وقمع الحريات، ولا شك أنه لا يشبه حال المجتمع الفلسطيني في مدن أخرى.
في حديثه لـ «سي أن أن» يشير مخرج الفيلم إلى أنه لم يكن سهلاً العثور على صالة سينما لعرض الفيلم، إلى أن اهتدوا إلى صالة سينما السامر التي بنيت في العام 1944. إنها مفارقة أخرى، لقد بدأت السينما الفلسطينية مبكراً، على الأقل بالنسبة لدول عربية شقيقة، لكن انظروا إلى أين وصلت في العام 2017؟

كوميديا عمرو خالد

عمرو خالد ظاهرة في المشهد العربي والإسلامي، هذا شأنه منذ بدأ يلمع كشيخ مودرن في مشهد يغص بالتطرف والفتاوى الخرافية، لكنه في الأيام الأخيرة بات ظاهرة الظواهر وهو يبث فيديوهات مباشرة له من أكثر من موقع في الحج. بات ظاهرة مضحكة أثارت قهقهات ما زال يتردد صداها في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.
أسئلة وتعليقات كثيرة ألقيت حوله، ليس أولها كيف يستطيع المرء أن يحقق الخشوع المطلوب أثناء العبادة وهو مشغول إلى هذا الحد بالبث المباشر على صفحته في فيسبوك، ولا آخرها إن كان يستحق مجرد الدعاء، بأي كلام أن يكون بثاً مباشراً يتابعه آلاف الناس.
أما التعليقات التي ملأت دنيا مواقع التواصل الاجتماعي فقد طالت دعوته المضحكة لكل من يشاهده في البث بأن يكتبه الله رفيقاً للنبي في الجنة، و الاستجابة لدعاء كل من يكتب على الكومينت (حرفياً هكذا)، مدعماً دعوته بالقول «نقسم عليك أن لا تطلع شمس بكرا إلا وأجبت دعاءنا»، وصولاً إلى قوله «يا رب ارضى عن كل الشباب والبنات اللي معانا على هذه الصفحة، اكتبهم من أهل الجنة».
خالد مشغول إذاً بزوار صفحته هو لا سواهم، بدعواتهم هم دون غيرهم، ويريدها جميعاً أن تتحقق، حتى لو كان من بينها ما يدعو لإبطال دعوة جاره، حسب نكتة شائعة، بل ربما تجد بينها دعوة تطاله هو بالذات. إلى هذا الحد يتحول الداعية الشهير عبداً لزوار صفحته، عبداً للشهرة، التي هي في النهاية مزيداً من الإعلانات التحويلات البنكية.
إنها الصورة الأصدق للداعية المودرن، يريد جمهوراً وشهرة بأي ثمن، بالتسول والتوسل والتذلل، لما يطلبه الجمهور، جمهور صفحته بالذات.
يا شيخي الجليل، لقد كنت على صفحتك في تلك الساعة، ودعوت الله من كل قلبي أن يختفي الدعاة المزيفون الذين يتلاعبون بعقول الناس وقلوبهم، الدعاة الهزليون المضحكون، أن يحشروا إلى جانب رفاقهم من الدعاة المتطرفين المتلاعبين بالعقول على طريقتهم هم أيضاً. قادر يا كريم.

ممرضة أمريكية قيد الاعتقال

تلقّف سكان الميديا الاجتماعية فيديو توقيف ممرضة أمريكية من قبل الشرطة أثناء تأدية عملها بكثير من الشماتة لما يعتبرونه فضيحة انتهاك حقوق الإنسان في الولايات المتحدة. كان واضحاً أن الأمر سيستعمل مثلما يستعمل انقطاع التيار الكهربائي لثانيتين فقط في الغرب، سيكون تبريراً مقنعاً لانطفائها أشهر في مدن العالم الثالث: انظروا، إنها تنقطع هناك أيضاً!
الممرضة أليكس ويبلز ظهرت وهي ترفض السماح للشرطة بسحب دم سائق شاحنة وصل المشفى بعد حادث سير، وعدّدت شروط السماح (آه لو تعرفوا كيف تتصرف ممرضات نظام الأسد وأطباؤه مع الجرحى)، إلا أن رجال الشرطة اعتبروا أنها تعيق سير التحقيقات بحادث سير، فكبّلوها واعتقلوها.
حتى هذه اللحظة من الفيديو لا بد أن تتعاطف مع الممرضة وتدين سلوك الشرطة الرهيب، فمهما صغر الانتهاك لا يمكن للمرء أن يجد له تبريراً.
الـ «سي أن أن» عرضت تالياً مقابلة مع الممرضة بعد إطلاق سراحها، من دون أن يتم توجيه أي اتهام لها، ظهرت والتأثير باد عليها جراء التجربة، وقال التقرير إنها لم توجه أي دعوى قضائية ضد الشرطة. كذلك رأينا عمدة المدينة، في مؤتمر صحفي للمناسبة، تقول إن الاعتقال غير مقبول وتحدثت عن استخدام القوة، وأن ذلك لم يكن ضرورياً، وقدمت اعتذارها.
الفيديو في مجمله يؤكد أنه لولا احترام حقوق الإنسان وتماسك المجتمع المدني والحضور القوي للقانون لما شكّل هذا الانتهاك بحق الممرضة حدثاً بهذا الحجم.
مهما حاول مبرروا الانتهاكات في العالم الثالث لن يجدوا فظاعات كتلك التي يرتكبها حكامهم، كذلك لن يجدوا من يسوّغ مثلهم تلك الجرائم والإساءات.

التظاهر بالسعادة

على رغم التعاطف الذي قد يبديه المرء مع كل ورش العمل التي تحفز الناس على الحياة والعمل والاجتماع، أو تلك التي تسهم في فضّ النزاعات وتنمية الإحساس بحقوق الإنسان وإدانة العنف والانتهاكات، إلا أنه كان من الصعب استقبال فيديو يصور حلقة مصرية لسيدات تحت عنوان «يوغا الضحك،، علاج التظاهر بالسعادة»، وفيه سيدات يتظاهرن بالضحك على أمل أن يضحكن تالياً من قلوبهن.
مسحة من الهبل طغت على المشهد، وفوق ذلك هناك شعور باستغفال تلك السيدات اللواتي تحولن بقدرة خبراء وإعلاميين إلى مهرجات بلا حول ولا قوة، لا يثرن سوى الشفقة. لكن هذا كوم ومراسل «بي بي سي» في القاهرة علي جمال الدين كوم آخر، فقد أعدّ تقريره للقناة عن الموضوع، وأخذ يضحك هو الآخر وهو يختم متوجهاً للمشاهدين بالقول إنه من الصعب ألا تضحك وأنت بين هؤلاء حتى لو لم يكن لديك أسباباً للضحك.
«رزق الهبل ع المجانين»، هذا ما يقوله مثل شعبي دارج. ربنا يكون في عون المشاهدين.

ما تبقى من آلان الكردي

في الذكرى السنوية لغرق الطفل السوري آلان الكردي، والذي تحوّلت صورته إلى إحدى الأيقونات الشهيرة للمأساة السورية، أطلقت «المفوضية السامية لحقوق اللاجئين» حملة تضامنية تضمّنت فيديو لمشهد بحري، مع صوت لطفل يقول «يمكن في أمل بهالمي، معقول ما تحس فيه، بس أنا بشوفو بكل موجة، بسرح فيه، بحلم بأرض جديدة بلا رصاص، بلا دم، بلا دموع.. مكان ما في خوف.. وطن جديد نظلنا نلعب أنا وأخي متل زمان، هانت، شوي و ح نوصل.. قربنا».
الفيديو في ختامه يحمل كلمات تقول «في الثاني من سبتمبر 2015 غرق الطفل السوري آلان الكردي. تذكروا الاسم، تذكروا اليوم».
يتفهم المرء أن لا يسمّي الفيديو المسبب الرئيسي للجوء السوريين، وهو نظام بشار الأسد، بدعوى الحياد. كما يتفهم المرء أن يبحث طفل الفيديو عن أرض جديدة، لا عن أرضه الحقيقية، فالفيديو منتج من قبل «مفوضية اللاجئين»، أي أنها معنية بالتغني بأرض اللجوء، لا بسواها، ويتفهم المرء أن لا تعرض صورة الطفل آلان الكردي ملقى ميتاً على الشاطئ التركي، فذلك يسيء لكرامة الإنسان، لكن هل يمنعها ذلك من عرض مجرد رسم تعبيري للحدث؟.. نفهم ونفهم ونفهم، لكن قولوا لنا بالله عليكم لماذا الفيديو إذا كنا نريد أن نتجنب كل ذلك؟ ما الذي يبقى من القضية، إذا أردنا أن نتجنب كل ذلك؟
كأن هذاالفيديو نموذج تطبيقي لما تفكر فيه الأمم المتحدة، شروط وقوانين وقيود لن تفضي في النهاية إلا إلى ضياع الحقوق، واندثار قضية اللاجئين.

كاتب فلسطيني

سينما محجّبة في قطاع غزة… كيف تحوّل عمرو خالد إلى ظاهرة كوميدية… وكيف تذكّرت «مفوضية اللاجئين» آلان الكردي

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية