ولنبدأ من الكويت..
خرجت غالبية من الناخبين لها وزنها العددي والنوعي يوم 27 تموز/يوليو الماضي، للمرة السادسة منذ عام 2006، لاختيار اعضاء مجلس الأمة الجديد، ورغم ظروف إيمانية تمثلت في صيام شهر رمضان، وأخرى مناخية عكستها درجات الحرارة العالية، وثالثة اعتراضية/ دعائية حرصت على الترويج لها وتفعليها بقوة كتل المعارضة، لحث الناخبين على تأكيد المقاطعة الشعبية للانتخابات، إلا أن الوعي الشعبي رفع سقف المشاركة إلى ما يقرب من 5.52′ على عكس كافة التوقعات التى تنبأت بانها ربما تنخفض عن مستوى المشاركة في انتخابات كانون الاول/ ديسمبر 2012، التي وقفت عند مستوى الـ40′. وعقب إعلان النتائج، تشكلت الحكومة الكويتية الجديدة برئاسة الشيخ جابر المبارك..
ما يهمنا أكثر من غيره في خطاب أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للحكومة الجديدة، ليس مطالبته للوزراء بالعمل الدؤوب بروح الفريق، ولكن تأكيده على الحاجة الماسة للتعاون مع مجلس الأمة، أو ما يسمى بتقاسم السلطة..لماذا؟
لأن كافة الدلائل تشير إلى أن عدم الاستقرار النيابي وتبعثر الحراك الاجتماعي للشعب الكويتي إنما يرجع في المقام الأول إلى تكرار تشكيل وفض المجالس النيابية، بسبب إنسداد أفق التعاون بينها وبين الحكومات المتعاقبة لما يقرب من ثماني سنوات، انعكس بشكل ملحوظ على برامج التنمية ومشاريع الإنماء، كما أثر سلبا على دور الكويت على المستويين الخليجي خاصة والعربي بصفة عامة.
لا شك أن قطاعات كبيرة من أطياف الكتل السياسية في الكويت لم تكن راضية عن شبه الجمود الذي لحق بنشاطات كثيرة للدولة، على المستويين الداخلي والخارجي، ولهذا السبب تمسكوا بحقهم في المشاركة في الانتخابات الأخيرة وحرصوا على إنجازها بقدر مشهود له من الشفافية والتنظيم.. وأصروا في نفس الوقت على إتاحة الفرصة للجميع، مؤيدين ومعارضين أن يعبروا عن آرائهم.
وهذا ما يجلعنا نأمل في أن يُترجم هذا الإصرار على تجاوز المؤثرات السلبية التي عطلت الحراكين السياسي والاجتماعي، على مستوى المجتمع الكويتي، إلى برنامج عمل يتسم بالمصداقية والشفافية، يُرسخ عوامل الاستقرار الداخلي بما يحقق مطلب التعاون وتقاسم المسؤولية الذي اشار إليه أمير البلاد.
برنامج يقوم على التكامل المثمر وتوزيع المسؤولية الدستورية بين الطرفين التشريعي والتنفيذي، من شأنه أن يعيد إلى الواجهة وبسرعة مسيرة الإصلاح، ويدفع الطاقة المتجددة في مشاريع التنمية، ويُحيي عوامل الإنجاز والتحفيز التي تشجع المواطن على المشاركة الإيجابية في الحياة السياسية والاجتماعية، وينتج مجموعات القوانين التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، ويعلي من شأن دولة القانون والمؤسسات الحاكمة، ويرتقي بمطالب تحديث الخدمات والمرافق العامة.
لذلك نؤكد أن أقرار هذا التكامل يجب ان يأتي على رأس اولويات عمل الحكومة ومجلس الأمة، لأنه سيمكن الشارع السياسي من ان يكون له دور فعال ومؤثر في تحقيق معادلة العمل المشترك الذي يجب ان تتمسك به هذه الأطراف الثلاثة، لأنه سيوفر لها البيئة الصالحة لخلق إدارة واعية بمستقبل المجتمع الكويتي خلال السنوات القادمة، وقادر في نفس الوقت على وضع المشاريع والخطط اللازمة لتحقيقها، خاصة ان مقومات كل من التكامل/ تقاسم المسؤولية والرؤية المستقبلية متوافرة على مستويات كثيرة.
وإذا ما تتبعنا أجواء تونس التفاعلية.. سنلاحظ ان حركة النهضة الاسلامية تضع نصب عينيها ما وقع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر من ناحية، وتتوجس من النتائج النهائية للضغوط التي تمارسها عليها قوى المعارضة الداخلية من ناحية أخرى.
تونس تعيش منذ بضعة أسابيع مأزق الانقسام المجتمعي الذي يظلله الإرهاب،
الانقسام المجتمعي الذي تعمق بعد حادث اغتيال الناشط السياسي محمد البراهمي، والذي فتح الباب لتنامي الخلافات السياسية وتحولها إلى اعتصامات وبيانات واحتجاجات أتاحت لقوى المعارضة أن تعلن عن اعتراضها لما وصفته بحالة الفوضي التي تتفشي في البلاد، وأن تكشف بصوت عال عن اخطاء التحالف الثلاثي الحاكم (حركة النهضة + حزب المؤتمر من أجل الجمهورية + التكتل الديمقراطي) وتطالب بإقالة الحكومة، وبحل المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) وبتشكيل حكومة إنقاذ وطني.
ثم تفاقم الأمر إلى مزيد من التصعيد، بعد ان لقي ثمانية من أبناء الجيش التونسي حتفهم غيلة وغدرا، عند نقطة جبل الشعباني بالقرب من الحدود التونسية الجزائرية على يد مجموعة من كوادر الجماعات المتشددة والتكفيرية.
قبل ستة أشهر وفي اعقاب اغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد، افلتت من بين يدي حركة النهضة فرصة مواتية لاتخاذ قرارت حاسمة للإسراع بوتيرة الاصلاح السياسي والاقتصادي، التي تعرف ان قوى المعارضة بدأت تتململ من بطء مسيرتها، عن طريق الدعوة لتقاسم السلطة بين جميع الاطياف. بينما استفادت تلك القوى من متتاليات الرفض التي أقدمت عليها الحركة، والتي أدت إلى استقالة رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي.
وفرت هذه الاستقالة لقوى المعارضة مبررات محاصرة الحركة وحكومتها ورئاسة الجمهورية، ومن ثم كشف محدودية قدرتها علي إدارة شؤون البلاد.. ونجحت في توسيع الفجوة بينها وبين شرائح كبيرة من المجتمع التونسي، خاصة بعد ان انسحب نحو 70 عضوا من اعضاء المجلس الوطني التأسيسي لأسباب متنوعة، وتمكنت من زعزعة أركان الثقة فيها وفي المجلس التأسيسي الذي تتمسك به، عندما اضطر رئيسه في منتصف شهر تموز/يوليو الماضي إلى رفع جلسته بسبب غياب معظم الأعضاء.
لماذا المجلس التأسيسي؟ لأن الزعيم التونسي راشد الغنوشي أعلن منذ اليوم الأول لتنامي الخلافات السياسية بينه بين اطياف المعارضة، ان ‘حل المجلس التأسيسي الذي انتخب في 23 تشرين الاول/اكتوبر 2011 يعد خطا أحمر لا يمكن المساس به لأنه اصل الشرعية’.
وبعد ان تمسكت قيادة التحالف الحاكم طويلاً برفض مطلب إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لدرجة أن علي العريض رئيسها حذر بقوة من النتائج السلبية التي ستترتب على المظاهرات التي دعت إليها قوى المعارضة، وهدد بأنها ستتصدى لكل من يتطاول على مؤسسات الدولة. اعلن الغنوشي في 22 اب/أغسطس، ان السلطة وافقت على إجراء محادثات مع معارضيه العلمانيين في ضوء المبادرة التي طرحها الاتحاد العام للشغل، الذي يتولى الوساطة بين الطرفين. وعلق قائلاً ‘نوافق مبدئيا على المبادرة كمنطلق لبدء حوار وطني، ونتوقع ان تتكفل بحل الأزمة التي شلت الحياه السياسية في تونس لأكثر من شهر’.
نصت المبادرة على حل الحكومة التي يقودها تحالف النهضة، وتشكيل أخرى من كفاءات وطنية قادرة على تنفيذ مطالب المجتمع في الاصلاح.. على ان يواصل المجلس التأسيسي عمله لفترة محددة يتم خلالها إجراء الانتخابات النيابية المرتقبة.
وفي حين استخلصت المعارضة أن هذا القبول يعني الموافقة المبدئية على حل الحكومة، ورأت أن هذه الخطوة يجب ان تبدأ بالتشاور لاختيار شخصية وطنية مستقلة تتولى تشكيل حكومة جديدة ‘غيـــــر متحـــزبة، مصغرة، لا تترشح للانتخابات المقبلة’. اكد التحالف الحاكم على ضرورة البدء أولا بإجراء حوار وطني لتحديد مسار تخليص البلاد من أزمتها السياسية الخانقة، قبل النظر في إقالة الحكومة الحالية وتشكيل بديل عنها، الأمر الذي اعتبرته قوى المعارضة ‘مضيعة للوقت’.
حركة النهضة لم تستوعــب بعد ما جرى في مصر من تغييرات نادت بها قوى الشعب المتحالفة بتأييد من القوات المسلحة.
نقول ذلك لأن المماحكات السياسية غير المنطقية التي تتمترس، آراؤها تبرهن على انها غير مدركة أن مطلب تقاسم السلطة في تونس أصبح حاجة شعبية ملحة، بعد أن تأخرت طويلا نتائج ثورة الإصلاح والتنمية التي تقودها على امتداد العامين الاخيرين.. ويبدو أنها ليست على استعداد لاستبدال تحالفها الواهي مع الحزبين الصغيرين، الذي يهيئ لها اللحظة الحالية لإدارة شؤون البلاد، من اجل مصلحة تونس العليا التي تفرض عليها ان تتآلف مع كل اطياف العمل السياسي المتمسك بتشكيل حكومة كفاءات محايدة تشرف على انتخابات نزيهة وشفافة تضمن استكمال مسار الانتقال الديمقراطي للمجتمع التونسي. فهل يتواصل الانسداد السياسي الذي يعاني منه المجتمع التونسي لمدة أطول؟ أم تتحقق قريبا صيغة للتفاهم الممنهج يبعد الصدام غير المجدي ويحقق مصالحة وطنية واجبة؟
‘ استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا