هل تفعلها كوريا الشمالية؟ أم أن كل ما في الأمر أن الفتى الكوري يعيش هوساً بالظهور وإشغال العالم، وأيا هي الحدود التي يمكن أن تضمن ألا يتسبب في كارثة كبرى نتيجة هذه الرغبة الشخصية، وفي المقابل، ألا يقدم ذلك الشاب للرئيس الأمريكي كل ما يحتاجه من أجواء الاستعراض التي يعشقها ذلك الأخير؟
للرئيس ترامب تاريخ حافل بالفضائح والهوس، موثق بالكاميرات التي يعشقها، ويحاول أن يختطفها بأي طريقة، فمن راقصات التعري إلى الرعونة الطفولية حول حلبة المصارعة، يمتد سجله الشخصي الطويل، ويمتلك فوق ذلك القدرة على ضرب أي قواعد مستقرة أو تقاليد عريقة، ولذلك فالبيت الأبيض يحكمه اليوم آل ترامب حرفياً، وتختفي المؤسسية الأمريكية وراء الحكم، لدرجة دفعت الصحافة للتساؤل حول ما يفعله حقيقة وزير الخارجية تيلرسون، الذي يترك الساحة لمندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن نيكي هيلي لتتصدر المشهد، لدرجة جعلتها تبدو بأنها وزيرة الخارجية الحقيقية أو القادمة، كما وصفتها الصحافة الأمريكية.
الصحة النفسية للرئيس الكوري الشمالي في حكم الاختلال الواضح، أو على الأقل، هذا المرجح أو الظاهر للوهلة الأولى، كما أن شكوكاً عميقة تدور حول الصحة النفسية للرئيس الأمريكي، ويدخل العديد من الرؤساء المؤثرين في العالم في مجال علم النفس وفروعه، وهو ما يشكل مادة ثرية وخصبة للإعلام بالقطع، فأي إثارة من متابعة التصريحات المضطربة لهذه الشخصيات، التي تلعب بمستقبل البشرية، وإن يكن أننا في المنطقة العربية عشنا في عصر القذافي وعلي عبد الله صالح، ومن قبلهم بورقيبة والسادات، فإن أدوارهم جميعاً كانت محدودة وغير مؤثرة، ولا يمكن أن تثير القلق سوى في إطار بلدانهم أو أقاليمهم المحدودة، واليوم تمتد خريطة التشوه النفسي في مستويات القيادة العالمية لتشكل خطراً محدقاً بالبشرية.
حسناً، يمكن أن الأمر ليس جديداً ويحتفظ التاريخ طبعاً بحصته الكبيرة من الدلائل أن الأمور كانت دائماً تحتمل إنتاج مثل هذه الشخصيات، ولكن من دون أن يتوفر الانكشاف الكبير على الإعلام كما هي الحال اليوم، فستالين لم يكن مستقراً نفسياً ويفوقه بريجينيف، الذي مثلت حياته سلسلة من الفضائح الصغيرة، وتشرشل كان يعاني من نوبات متواصلة من الاكتئاب، وبين فترة وأخرى نجد نماذج مثل بيرلسكوني وساركوزي، والفارق أيضاً بجانب الإعلام، كان يتمثل في وجود الصف الثاني الذي يمكنه أن يمتص حالات الاضطراب في حالة الزعيم النفسية، وأن يقوم بالغربلة اللازمة من أجل المحافظة على صورته وعلى النظام السياسي بشكل عام، وفي حالة التركيز على العالم الغربي فإن هذه الحالة تظهر في تآكل الصف الثاني من السياسيين، الذين يمكنهم أن يضبطوا الأمور وأن يسيطروا على القيادة السياسية إلى حد ما، أما في الشرق فكانت المشكلة وما زالت، هي عدم القدرة على إنتاج ذلك الصف الضروري من أجل المحافظة على استقرار النظام وشرعيته واستدامته.
في الغرب وأمام تراث سياسي يمكن استقراؤه بموضوعية، نجد أن النزعة الفردية التي جرى تعزيزها بعد الحرب العالمية الثانية تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية، فالعقول الواعدة أصبحت تتوجه للعمل الفردي وللبحث عن التفرد والمغامرة في مجالات الأعمال، أو المواقع المتميزة في الشركات الكبرى، ولم يعد العمل السياسي ضمن أولوياتها أو طموحاتها، والإعلام يسوق هذه النماذج بكثافة ويرفعها لمرتبة الأسطورة، لنجد بيل غيتس وستيف جوبز ومارك زوكربيرغ، يشغلون تعريف أقصى درجات النجاح، وتستولي صورتهم على مخيلة ملايين الشباب من خريجي الجامعات، وتنطلق الدورات وورش العمل لتدريب الشباب على التفكير في الحياة بطريقة هذه الشخصيات ومشاهداتها من منظورهم، وتشغل الاقتباسات المنسوبة لهم مقدمات الكتب والدراسات، بما تشتمل عليه من تركيز على النجاح الفردي والطاقات غير المحدودة التي يمكن للفرد أن يوظفها في مسيرته، التي تشتمل على فكرة تحدي المجتمع والارتقاء فوق شروطه، بينما القيادة السياسية تتطلب قدراً كبيراً من النزعة للعمل الجماعي ولمشاهدة العالم من منظور الرجل العادي، والاحتفاء به وبمشاغله الصغيرة.
كانت القيادة السياسية، والعمل في إطار الوصول إلى تحقيقها والاستحواذ عليها تشغل الحيز الأكبر في تفكير الشباب وتجعلهم يخوضون حروباً شخصية طويلة من أجل الحصول على الكاريزما والقدرة على التأثير والخبرة في المناورة، بينما في هذه المرحلة، فإنه يمكن للحمقى الوصول من خلال طرق سريعة خالية من المطبات والمنافسة، وهذه الظاهرة لم تبدأ مع ترامب، ولكنها أظهرت مؤشراتها الأولية مع جورج بوش الابن، ولكن الأخير كان مجرد أداة طيعة لدى بعض السياسيين، الذين يمثلون تحالفات المصالح الاقتصادية والتجارية، وكانوا يتركونه مع زلات لسانه التي تفضحه، بوصفه أحد منتجات عصر الفردية، فيبرر عداؤه لصدام حسين بأن الأخير حاول قتل والده، وكأن الأمر ينحصر في الثأر الشخصي، وإلى حد بعيد، فذلك ما يحكم العقيدة السياسية لجيل تربى على الفردية والأنانية.
تفاقم نزعة الفردية سيفرز مزيداً من المضطربين نفسياً في مواقع القيادة السياسية، فليس جديداً أن يستعرض الرئيس الكوري الشمالي، وتصريحاته كانت تعتبر مادة للتسلية والتندر بأكثر مما كانت تمثله من مخاطر يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولكن الجديد هو الإغراء الذي تشكله تصريحات ترامب وطريقته في التعامل مع الأمور، وفوق ذلك، تغيب الإدارة التي يمكنها أن توظف الرئيس للتعبير عن الدولة، لا أن تتولى فقط مهمة ترقيع ومعالجة نتائج تصريحات الرئيس وشطحاته، وعندما تفشل تجد نفسها خارج الإدارة، وهذه الوضعية من الشخصنة دفعت الرئيس الكوري للمضي قدماً في تجاربه، خاصة الأخيرة التي أتبعتها هزة أرضية دفعت العالم لحالة من القلق الفعلي، فما هو المتوقع بعد ذلك؟ وكيف يمكن أن تمضي الأمور، وأين يمكن أن يتوقف التصعيد؟
هل نعيش عصر نهاية الدولة التقليدية التي عرفت في التاريخ بوصفها واحدة من أعظم منتجاته، وتجسيداً لرحلة الإنسان في دروبه الوعرة والزلقة؟ بالقطع فإن الدولة كمفهوم تتغير بصورة جوهرية، وشروط اللعبة السياسية وطريقة الإدارة تدخل في مسارات جديدة ملائمة لعصر التكنولوجيا، ويبدو واضحاً لمن يتابع عن كثب ما يحدث في أجواء العوالم الافتراضية وقدرته على صناعة القرار السياسي، أن معادلة جديدة ستفرض نفسها على الدولة، وفوق ذلك، تدخل التجارة الإلكترونية لتغير أيضاً من خريطة الواقع الاقتصادي في العالم بأسره، ولتزيح طرائق الإمداد التقليدية التي أنتجت طويلاً قدرتها على صناعة النخب والاستحواذ على التأثير، فما هو الشكل الذي سنصل إليه؟
يبدو العالم اليوم مشدوداً لحلول تأتي من الجماهير الغفيرة، ولكن هل تثبت هذه الجموع قدرتها على صناعة الذكاء الجمعي تحت شعار We are smarter أم أن الأمر سيجعل المشهد عالماً من المجانين يحكمه المختلون كما كان مفكرو القرن التاسع عشر ينظرون إلى الجموع ويربطون حراكها بقصر النظر والغوغائية والرغائبية؟ هل نمتلك أصلاً رفاهية أن ننتظر؟
كاتب أردني
سامح المحاريق