في كل مرة أقوم بزيارة للشرق الأوسط أتوقف في إسطنبول لمدة أسبوع على الأقل، لاستكمال صورة الأوضاع في المنطقة، بعد أن أصبحت تركيا عاملا فاعلا فيها وجزءا أساسيا من نسيجها، تؤثر فيها وتتأثر بها سلبا وإيجابا.
فبعد أن باعدت تركيا نفسها عن المحيط العربي لأكثر من ستين سنة، عادت وانغمست في قضايا المنطقة وغرقت في مشاكلها وساهمت بطريقة أو بأخرى في تفاقم بعض الأوضاع في دول الجوار، خاصة سوريا، ودفعت ثمنا باهظا لهذا الانخراط الذي ما زال يكلفها الكثير، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو السياسي.
وأود أن أسجل بعض الملاحظات التي جمعتها في زيارتي الأخيرة بعد لقاءات مع بعض الأصدقاء والكتاب والصحافيين العرب، الذين استقروا في تركيا، وكذلك بعض اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذين فروا من سوريا وانتهى بهم المطاف في تركيا. إسطنبول مدينة مستقرة في المخيال العربي والإسلامي كإحدى العواصم التي صنعت التاريخ مثلها مثل بغداد ودمشق والقاهرة. ولذلك لا تشعر بأنك غريب في هذه المدينة العريقة، التي يزيد سكانها مع الضواحي عن عشرين مليونا. فهي رغم ما ألمّ بها من عمليات إرهابية، إلا أنها ما زالت تتمتع بحيوية وحركة دائمة وكأنها خلية نحل. لكن للمرة الأولى شعرت بأن إسطنبول خالية من السياح الأجانب إلا قلة من الوجوه الشرقية من الصين واليابان وبعض الأفارقة، خاصة من الصومال، بعد أن افتتحت شركة الطيران التركية خطا مباشرا من إسطنبول إلى مقديشو، وهو ما سهل حركة مئات الألوف من الصوماليين الذين يأتون من كل الأقطار إلى إسطنبول ويطيرون مباشرة إلى مقديشو. الأوروبيون، خاصة السياح الروس، اختفوا من المدينة تماما، ولا تكاد تعثر على أحد. الغالبية الساحقة من السياح والمتسوقين والباعة المتجولين من العرب. وفي رحلة سياحية خارج إسطنبول إلى «البحيرة المخفية» وقف المرشد السياحي السوري يسأل عن اللغات التي سيستخدمها أثناء الرحلة، وإذا به ينتهي إلى استخدام العربية فقط، حيث لم يكن في الحافلة أحد من غير العرب. اللغة العربية موجودة في كل مكان ولا تكاد تدخل محلا تجاريا أو مطعما أو مصلحة من دون أن تلتقي بالعرب. المدينة تخبئ الكثير من الهموم التركية الكبرى، فلا تشعر وأنت تتجول في الأحياء وبين المعالم التاريخية وتتنقل من معلم عثماني إلى برج حديث، بأن هناك ما ينغص حياة القوم أو يعكر مزاجهم، رغم أن العكس هو الصحيح. تشعر بأن شيئا ما يعكر صفو الناس، ربما الهجوم الدموي على المطار، أو التفجيرات خارج أسوار الملعب الرياضي، أو عملية اغتيال السفير الروسي على مرأى من العالم، إلا أن الحدث الأعظم الذي أصبح الناس يشيرون إليه في تأريخهم هو الانقلاب الفاشل في يوليو من السنة الماضية، فيقولون في أحاديثهم بعد الانقلاب أو قبل الانقلاب. لقد كان حدثا ترك بصماته على كل مناحي الحياة، وكاد يطيح بالدولة العميقة، لولا استقرار التجربة الديمقراطية التي، رغم مثالبها، استطاعت أن تتخطى التحدي وتوحد كافة الأطياف الحزبية والمجتمعية خلف النظام الديمقراطي، حتى لو كان بعضها معارضا صلبا لسياسة رجب طيب أردوغان، لكن محاولة الانقلاب لا يمكن أن تكون مبررا لخنق الحريات، واعتقال الصحافيين، وإغلاق العديد من المواقع الشبكية، بما في ذلك «وكيبيديا». وما إن تتحدث لأي عربي في إسطنبول أو تركي في متجر أو مركب أو مقهى، حتى يضع اللوم كله أو بعضه على شخصية رجب طيب أردوغان وسياساته المتعجرفة، وتحوله إلى شبه ديكتاتور ومحاولاته لجم المعارضة، وإسكات الصحافة، والتصرف بعليائية واضحة، مستندا إلى سلسلة إنجازات كبرى وضعت تركيا في مصاف الدول العظمى اقتصاديا، واعدا بأن يصل بها إلى المرتبة العاشرة مع حلول الذكرى المئوية لقيام الجمهورية عام 2023، التي يرى نفسه فيها متربعا على الاحتفالات، فقد وضع نصب عينيه منذ تولى رئاسة الوزراء عام 2003 أن يكون هو شخصيا من يرأس احتفالات المئوية. ويبدو أن جميع الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف قد تحققت أو تكاد، إذا ما نجح في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2019.
يجري الحديث الآن عن انتخابات الرئاسة عام 2019، وقد أحس أردوغان بصعوبة الأمور بعد أن انخفضت شعبيته في استطلاعات الرأي الأخيرة في إسطنبول، إلى ما دون الـ50 في المئة. ويعتقد أردوغان أن من يخسر إسطنبول يخسر الانتخابات. كما أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية في أبريل الماضي لم ينجح إلا بفارق 1 في المئة. إذن الأمور بالنسبة لأردوغان ليست مضمونة النتائج. وقد بدأ بإجراء تعديلات جذرية في قيادات حزب العدالة والتنمية، الذي سمح له التعديل الجديد أن يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحزب، وهو ما يؤكد لدى خصومه أنه مشروع ديكتاتور مختبئ وراء الديمقراطية المفصلة على مقاسه. وقد أكد لي أحد خبراء السياسة التركية أن فوز أردوغان في انتخابات الرئاسة عام 2019 مضمون، ليس حبا في أردوغان، بل ضعفا في خصومه، فحزب الشعب الجمهوري يفتقد إلى قائد ذي كاريزما طاغية، كما هو الحال في أردوغان. الشيء الآخر أن السنتين المقبلتين ستشهدان إنجازات كبرى على المستوى الوطني، أهمها افتتاح المطار الجديد يوم 29 أكتوبر 2018 وغيره من المشاريع الكبرى. كما أن أردوغان بدأ يزور القواعد الحزبية ويلتقي خاصة بالفئات الشبابية، ويدفع بها إلى احتلال مواقع قيادية في الحزب.
هذه المرة زرت مدينة إزمير كي أتعرف على ثاني أكبر المدن التركية. وجدتها مختلفة عن إسطنبول، خاصة بمدى الانفتاح والتشبه بمدن أوروبا الغربية. فاللمسات اليونانية ما زالت قائمة ومدينة إيفيسوس قرب مدينة سلجوق تشهد بهذا التداخل العميق بين تركيا واليونان. المحجبات هنا قليلات والنساء غالبيتهن، يمارسن الحرية المطلقة في ما يلبسن ومع من يتنزهن وعلى أي شاطئ «يشوين جلودهن». ويبدو أن شعبية أردوغان هنا أقل بكثير من إسطنبول. سألني سائق السيارة عندما عرف أنني عربي، إذا ما كنت أحب أردوغان. قلت له أنا لا أحب ولا أكره أنا أحلل. الرجل لديه إنجازات عظيمة وضعت تركيا في مصاف الدول العظمى ما جعله يشعر بالغرور، ويظن أنه مسك التاريخ من أذنيه، لكنه ارتكب أخطاء جسيمة كادت تكلفه حياته وحياة مئات الألوف من الأتراك. وما هي هذه الأخطاء؟ سألني محدثي. قلت له إنه وقع في الفخ السوري، وكان يظن أن النظام سيسقط خلال أسابيع، فرمى بثقله مع المعارضة وسمح لآلاف الإرهابيين والمتطرفين أن يدلفوا إلى سوريا من الحدود، وانظر ماذا كانت النتيجة. تحولت الثورة السورية السلمية إلى حروب بالوكالة وحروب بين الكثير من دول العالم مع مئات التنظيميات الإرهابية، ثم إن أردوغان وضع ثقته في الأمريكان الذين خذلوه مرتين، أولا بتدبير الانقلاب مع فتح الله غولن والتحالف مع الأكراد عدو تركيا التاريخي.
في لقاء مع إحدى اللاجئات السوريات/الفلسطينيات الهاربات من دمشق قالت، إن زوجها أستاذ القانون في جامعة دمشق، تم اختطافه في بداية الأحداث، انتظرته طويلا ولم يعد، فبدأت تراجع دوائر الأجهزة الأمنية، فقيل لها لا تسألي عنه وإلا سيكون مصيرك شبيها بمصيره. حملت طفليها ودفعت مبالغ كبيرة لتهريبها من دمشق إلى حلب، ومن هناك إلى أي مكان يضمن فيه العيش الكريم لها وللطفلين. وروت لي بعدها المعاناة التي يعيشها اللاجئ السوري يوميا، حيث كانت هناك ردود فعل سلبية بسبب احتلال معظم الوظائف الدونية من قبل السوريين، الذين يودون أن يستمروا في العيش الكريم. قالت إنها لا تستطيع أن تلقي اللوم على الأتراك، فقد احتل صغار السن معظم الوظائف الصغيرة، فهناك 3.2 مليون لاجئ منتشرون في أنحاء تركيا حسب الإحصاء الرسمي، لكن الحقيقة أنهم أكبر بكثير. والظاهرة التي تقطع القلوب هي هذا العدد من المتسولين، خاصة من النساء اللواتي يرمين أمامهن طفلا صغيرا أحيانا لا يتجاوز الثانية أو الثالثة لجلب عطف المارة من أجل التصدق. كل ما يتمناه الزائر لتركيا أن تحل الأزمة السورية أولا. فأول من يجني ثمار هذا الحل هو تركيا ليس فقط برجوع اللاجئين إلى بلدهم، بل أيضا بنزع فتيل الاحتقان والسخط الداخلي والتضييق على الحريات، وهي وصفات أكيدة تقود للتطرف والإرهاب والتوتر.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام