الانفجار المقبل قد يقع داخل صفوف المعسكر الواحد

حجم الخط
3

«القدس العربي»:  تحولت منطقة دير الزور الواقعة شرقي سوريا إلى مركز اهتمام كبير دولياً وإقليمياً، بعدما تمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وقوات النخبة العربية من إحكام الحصار على مدينة الرقة المجاورة، بدعم من التحالف الدولي وطيرانه الحربي بشكل مباشر. وتمكنت قوات النظام السوري، بعد تسعة أشهر على توقيع اتفاق أستانة الأول مطلع العام، من حشد كل القوات التي سحبتها من جبهات حماة وإدلب وحلب وريف حمص، وإعادة زجها في معركة البادية السورية ضد فصائل الجيش الحر و«تنظيم الدولة الإسلامية» على محورين مجاورين. وبعد هجوم واسع انطلق من ريف الطبقة (غربي محافظة دير الزور) وريف تدمر الشرقي (جنوبي المحافظة) تمكنت قوات النظام من كسر الحصار عن مدينة دير الزور، المحاصرة منذ أكثر من ثلاث سنوات على يد فصائل الجيش الحر أولاً، ثم تنظيم «الدولة».

فرضية التفاهم الروسي ـ الأمريكي

وعلى الصعيد العسكري لا يزال وضع دير الزور يميل حالياً إلى فرضية التفاهم الروسي الأمريكي حول توزيع مناطق النفوذ والسيطرة غير المعلنة بشكل رسمي، ما يبقي شرق نهر الفرات تحت النفوذ الأمريكي، وغربه تحت النفوذ الروسي. فلا النظام ولا حلفاؤه تجاوزوا ضفة النهر اليمنى إلى الجهة المقابلة، على رغم بعض الشائعات التي كانت سرت حول عبور قوات النظام إلى الضفة الأخرى، وهو ما تحققت «القدس العربي» من عدم صحته.
وميدانياً، بعد كسر الحصار عن مدينة دير الزور، استطاعت قوات النظام والميليشيات الرديفة من الوصول إلى حامية المطار العسكري بعد يومين من إعلانها معركة «وثبة الأسد» التي أشرف عليها مباشرة قائد الفرقة 17 في جيش النظام، اللواء حسن محمد. وتقدمت القوات المهاجمة على محوري هجوم، الأول من أطراف حي الصناعة ومنطقة الجرية، وهو المحور القريب للمطار، ومحور واسع جبتهي من منطقة البانوراما والمحاذي لجبل ثردة التي فشل النظام بإحراز أي تقدم نحوها. واكتفت مدفعيته وراجمات صواريخه بتركيز التغطية النارية عليه، ليتمكن مقاتلوه من كسر الحصار عن المطار، وفتح طريق ضيق في البداية، وإزالة حقول الألغام، ودخول القوة البرية والآليات إليه. ويعتبر جبل ثردة أهم المواقع الملاصقة للمدينة، إذ يشرف من الجهة الشرقية الشمالية على المطار ويحكمه ناريا، ويطل على المدينة من الجهة المقابلة غربا.
وتكبدت قوات النظام عشرات القتلى خلال محاولتها التقدم في الجفرة وهرابش شرقي المدينة، وتوقفت عن أي هجوم، في محاولة لاستعادة أنفاسها بعد نحو أسبوعين من المعارك المستمرة في عمق البادية السورية.

«قسد» وكتائب البكارة

وعلى الجبهة الشمالية لدير الزور، أو ما يعرف محليا بمنطقة الجزيرة، وهي المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، أحزر مجلس دير الزور العسكري، التابع لـ«قسد»، تقدما كبيرا باتجاه دير الزور انطلاقا من الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة. ووصلت كتائب البكارة التي يقودها ياسر الفياض (الدحلة) إلى مشارف مدينة دير الزور من الجهة الشمالية في منطقة الصالحية، بوابة مدينة دير الزور الشمالية من جهة الجسر المعلق. وسيطر مقاتلو المجلس العسكري على منطقة الجحيف الاستراتيجية المرتفعة، وأقاموا عدة نقاط متقدمة تشرف على الطريق الغربي. وتقطع منطقة الجحيف طرق إمداد تنظيم «الدولة» باتجاه جبهة مركدة ورويشد شرقاً، فيما يستميت التنظيم من أجل استعادة الطريق الذي يفصل بين أماكن سيطرته على ضفاف نهر الخابور، في مركدة والصور ومنطقة الكسرة والتبني ومعدان غرب دير الزور.
وفي حديث مع «القدس العربي»، قال قائد في مجلس دير الزور العسكري التابع لقسد، طالباً عدم ذكر اسمه، إن «كتائب البكارة المنضوية في المجلس العسكري سيطرت بشكل كامل على اللواء 113 وكتيبة النيران وجسر أبو خشب، وتقدموا إلى مشارف قرية الصالحية وسوق الغنم من الجهة الشمالية لدير الزور». وأكد المصدر وجود «مقاومة عنيفة، خاصة من مطحنة حبوب دير الزور في الجهة الشمالية التي تبعد عن اللواء 113 مسافة قريبة جدا، حيث قام داعش برصده بقناصات».
وشن تنظيم «الدولة» هجوما بالمفخخات على اللواء 113، تمكن طيران التحالف الدولي من تفجيرها قبل وصولها إلى مقاتلي المجلس، واستهدف الطيران منطقة المعامل ومطحنة دير الزور التي تعتبر أحد أهم مقرات التنظيم في محيط المدينة.
ومن الملاحظ اعتماد التحالف الدولي على أبناء المنطقة من قبيلة البكارة شمال دير الزور حيث تجري المعارك، فيما يتقدم قائد المجلس العسكري، أحمد حامد الخبيل أبو خولة، في قطاع رويشد المحاذي لطريق الخرافي (طريق الحسكة ــ دير الزور الجديد).

«معركة بادية»

وفي اتصال مع «القدس العربي» قلل الناطق باسم قوات النخبة، الدكتور محمد شاكر، مما حصل في ريف المحافظة، واعتبر أن «المعركة التي تجري ليست معركة دير الزور». وقال موضحاً إن «عملية النظام هي معركة فك حصار فقط لا غير، وتقدم النظام من السخنة إلى دير الزور هي معركة بادية، وينسحب الأمر على تقدم مجلس دير الزور على طريق الخرافي الواصل بين الحسكة ودير الزور».
وأضاف شاكر: «لا يمكن أن تبدأ معركة دير الزور دون مشاركة قوات النخبة العربية، بسبب البنية العربية القبلية للمنطقة، وهو ما لا يمكن حدوثه كما فعلت وحدات حماية الشعب في الرقة عندما منعت قوات النخبة من إكمال المشاركة بعد أن وصلت إلى باب بغداد في قلب مدينة الرقة».
وتشير المعارك في دير الزور حتى الآن إلى أن التنظيم، الذي انسحب من ريف حمص الشرقي والبادية، يريد أن يجر جميع «أعدائه» إلى الحرب في مناطق وادي الفرات المكتظة بشريا وعمرانيا، لكونه يستطيع أن يحتمي داخلها، بعكس البادية حيث انكشف مقاتلوه أمام الطيران الروسي لعشرات الكيلومترات.

النفط

ويعتبر النفط والغاز المحركان الرئيسان للسباق بين أمريكا وروسيا على المنطقة الشرقية من سوريا. فإن كانت المياه أول من رسم مناطق السيطرة وحددها شمال سوريا عبر منطقة نفوذ تركية وأخرى أمريكية في منطقة درع الفرات وشرقها، فإن النفط اليوم هو الهدف الأساسي في الحرب على تنظيم «الدولة». فهو يعتبر أحد أهم موارد التنظيم، حيث تقدر عائداته الشهرية منه بنحو 45 مليون دولار من سوريا وحدها، وذلك قبل خسارته حقول الثورة والصفيان والصفيح في ريف الرقة الجنوبي، وحيان وجحار وشاعر في ريف حمص الشرقي.
والحال أن التنظيم لا يزال يحتفظ بأهم الحقول السورية على الإطلاق، والأكبر من حيث الطاقة الإنتاجية، وهو حقل العمر الواقع في منطقة الميادين، بالإضافة إلى حقول التنك والورد والتيم، وهي أيضاً من الحقول الرئيسة التي من المتوقع أن يقاتل التنظيم بشراسة دفاعاً عنها، خصوصا وأنها واقعة في وادي الفرات، ومفتوحة على مناطق سيطرته في العراق.
ويمكن للصراع الدولي في شرق سوريا أن يجد طريقه إلى الحل بالطرق السياسية بين روسيا وأمريكا. فواشنطن لن تسلم حقول النفط لحكومة النظام بطبيعة الحال، لأنه سيعني اعترافاً جلياً وصريحاً من قبلها بعملية تأهيل النظام وإعادة إنتاجه. لذا، فمن من المرجح جداً أن تربطه ربطاً وثيقاً بعملية الانتقال السياسي، وتجعله بنداً تفاوضياً مع روسيا، مما يحقق أيضاً رغبتها بمنع وصل النفوذ الإيراني بين العراق وسوريا.

مستودعات «التنظيم»

ويبدو أن التنظيم لا يزال متمسكا بالمقاومة غرب دير الزور في معدان والكسرة والتبني، رغم أنه بات شبه محاصر تقريبا هناك، وسيكتمل حصاره في حال تقدم مقاتلو المجلس العسكري وسيطروا على الصالحية شمال دير الزور. وبذلك سيتم عزله عن شرق المدينة وتقطع عنه طرق الإمداد بحيث لن تكفيه مستودعاته الكائنة غرب المدينة، والتي تعتبر مستودعات استراتيجية خصوصا في التبني ومستودعات عياش وكتيبة الصاعقة، في وقت لا يبدو واضحاً بعد ما إذا أخلى التنظيم مستودعاته سابقاً أم ما زالت لديه مستودعات احتياط استراتيجي.
صعوبة المعركة في وادي الفرات، والممتد من الأحياء الشرقية في دير الزور وصولا إلى البوكمال على طول يصل إلى 150 كم، لن تسفر عن إعلان سريع بتدشين معركة دير الزور الكبرى هناك، بل من المتوقع أن تلجأ الأطراف الدولية المتصارعة وحلفاؤها من السوريين إلى السيطرة على المنطقة الغربية بين دير الزور والرقة أولاً، مع كثير من ضبط النفس وعدم الاحتكاك بين الأعداء الذين يفصل بينهم نهر الفرات. لكن ما يحتاج إلى جهد كبير من الراعين الدوليين (روسيا وأمريكا) هو المنطقة القبلية المعقدة الممتدة في وادي الفرات والخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، حيث سيترتب على كل من موسكو وواشنطن حث الشركاء المحليين على الانضباط، وهو ما قد ينجح الآن نجاحاً مؤقتاً لكنه سيعود إلى الانفجار بكل تأكيد بعد طرد التنظيم من كامل محافظة دير الزور.
وفي حال جرت الأمور على هذا الشكل، فإن الانفجار المقبل سيكون ضمن المعسكر الواحد بين الحلفاء من عرب وأكراد وأبناء القبائل نفسها التي يحسب بعضها على التنظيم، وبين آخرين مثل قبيلة الشعيطات الذين تعرضوا لحملة تطهير في أكبر مجزرة في تاريخ الحرب السورية اتهمت بها عشيرة أخرى في صفّ أبناء العمومة من قبيلة العقيدات.

 

الانفجار المقبل قد يقع داخل صفوف المعسكر الواحد
قبل معركة دير الزور الكبرى ضد تنظيم «الدولة»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية