اللاعب يانوس: في القومي/ الاثني والديني/ السياسي

ما بين ثورات الربيع العربي، وهذا الواقع العربي الذي لا ندري أيّان سيرسي بنا؛ تتزاحم قضايانا ومشاكلنا العالقة، وليس بإمكان أيّ كان أن يتنبّأ بما يمكن أن تجلبه هذه الأحداث المتعاقبة، أو تقود إليه انعطافات التاريخ. قضايا ومشاكل تقفز من عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد، عبر فجوات فاغرة، ومتاهات فكريّة متشعّبة الأصول والفروع، قد لا يقدر الباحث على تخطيّ عقباتها ورياضة صعابها. بل هي أشبه بمتحجّر دينيّ ثقافيّ اجتماعيّ عرقيّ أو اثنيّ، سراديبه حافلة، ومساربه ممتلئة بمعان ودلالات قد يكون بينها قرب وقد يكون بعد. بل نَحَار في ما إذا كانت مشاكل حقّا، والمثل الصيني يقول: ما من مشكل إلاّ له حلّ، فإذا لم يكن له حلّ؛ فهذا لا يعـدو أحد أمرين، إمّا أن يكون طرحه مغلوطا، أو هو ليس بمشكلٍ أصلا.
ولعلّ أشدّ هذه القضايا والمشاكل خطورة اليوم: الديني/ السياسي، والقومي/ الاثني. أمّا الأوّل، ومداره على الاستقطاب الإيديولوجي بين العلمانيّة والإسلام السياسي في مجتمعاتنا العربيّة؛ فيمكن أن نتمثّل له بالإسلام التركي الذي يعدّه البعض أنموذجا، بالرغم من أنّ تركيا الحديثة سليلة تقليد علماني قويّ وتعدّديّة برلمانيّة. ومنذ عام 1950 كان الإسلام «السياسي» ممثّلا في البرلمان، وإنْ باحتشام. ولعلّ هذا ما يجعل البعض يرفض أيّ كلام على فشل العلمانيّة في تركيا، أو على إسلام متمرّد أو ثائر، ناهيك عن ثورة في تركيا. وحزب العدالة والتنمية وصل إلى السلطة، بواسطة انتخابات ديمقراطيّة. ومن هذا الجانب، فإنّ الأمر يستدعي قراءة العلمانيّة أو مقاربتها، من زاوية جديدة. أي أنّ هذا الفصل بين الدينيّ والدنيويّ أو العَلمانيّ، يمكن أن يجعلنا نعاين العلمانيّة من حيث هي وسيلة أو أداة تسمح للدين بأن تكون له مكانته في الحياة العامّة وفي السياسة؛ وليس باعتبارها قوّة متسلطة تهمّش الدين تماما. فالعلمانيّة بهذا المعنى تتيح للدين نفسه أن يكون مفردة من مفردات التعدّديّة، فلا ينال من مدنيّة الدولة.
نقول هذا بالرغم من اختلاف الآراء حدّ التباين بالجملة في ما إذا كان حزب العدالة والتنمية دينيّا محافظا، أو هو إصلاحيّ إسلامي. بل هناك من ينسبه إلى الإسلام «الراديكالي» أو الأصولي. وهذا التفسير قد يلوح مبسّطا إن لم نقل متهافتا؛ فحزب العدالة والتنمية، حركة سياسيّة، تمتح لا شكّ، بعض مراجعها من الإسلام. بل هو ليس بالحزب الإيديولوجي، وإنّما هو حزب شأن عام، «حزمت» بالتركيّة. ولعلّ هذا الوصف هو الأقرب، والطريق السالك أو الأسهل، لفهم الكيفيّة التي يتحوّل بها الإسلام، إلى قوّة سياسيّة في عالم دنيويّ خالص، أو إسلام اجتماعي على ما يقرّره المتخصّصون في الشأن التركي. ولا أحد يماري في أنّ تركيا دولة مدنيّة، فالمهرجانات والفنون عامّة لم تتراجع، وكذلك نمط الحياة في المدينة. فهذه كلّها تتواصل كما كانت من قبل. إنّما المشكل على المستوى السياسي حيث لا وجود ـ إلى حدّ الآن ـ لبديل قويّ حتى يكون هناك تناوب على السلطة. وهذا من شأنه أن يثير القلق وحتى الخوف من تحكّم الأغلبيّة التي يمكن أن تحدّ من الحريات الفرديّة، أو تتهدّد الأقليّة في نمط حياتها. ومع ذلك فمن المفيد لنا أن نتذكّر أنّ من ميزات الديمقراطيّة، قدرتها على مراجعة نفسها وإصلاح نفسها بنفسها. ومن ثمّة ندرك أنّه لا مسوّغ في الدول الديمقراطيّة لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام، فأكثر قواعدها تتعلق بالحياة الخاصة للمسلم. والشريعة على ما يفترضه دعاة تطبيقها، تشمل ـ إيديولوجيّا ـ كلّ مناحي الحياة؛ حتى تكون متطابقة والإسلام. ووضعها موضع تنفيذ لا يمكن إلاّ أن يكون عموديّا، من أعلى إلى تحت. وهذا أشبه ما يكون بتحكيم الدين في كلّ مناحي الحياة، أي مراقبة الناس بما في ذلك حياتهم الخاصّة. أمّا في تركيا، فإنّ الأمر يتعلّق بالشأن العام. صحيح أنّ هناك نقدًا لهذا «الإسلام التركي» من منظور اشتراكي أو اجتماعي؛ حتى أنّ البعض يقول إنّه لا فرق بين المسلمين الإسلاميّين والرأسماليّين الإسلاميّين سوى أنّ هؤلاء يأتون صنيع الآخرين، ولكن على وضوء. والحق أنّ القضيّة ليست في معرفة ما إذا كان الرأسماليّون الإسلاميّون يتوافقون والعلمانيّة والرأسماليّة واقتصاد السوق، فهم كذلك؛ بل إنّ منهم من هو متناغم مع كلّ هذا العالم الرأسمالي، أكثر من اللزوم، بسبب من استخدامهم المفرط للسلطة التي يمتلكونها، وعدم اعتبارهم للقيم الأخلاقيّة، في معاملاتهم التجاريّة؛ على ضرورة تنسيب هذا الحكم.
أمّا المشكل الثاني مشكل القومي/ الاثني فلا يزال يراوح مكانه في العالم العربي، على صعوبة حدّ الاثنيّة حدّا مانعا، حتى أن ماكس فيبر يقرّ بأنّها تفتقر إلى دقّة المفهوم، وهو ليس عمل التواضع الجمعي كالمصطلح، وإنّما هو عمل الفكر الفلسفي التجريدي. والأقلّيات الاثنيّة ليست الأقلّيات الدينيّة كما قد يقع في الظنّ، وفي العالم العربي فإنّ الأكراد في شمال العراق وسوريا ولبنان، والأمازيغ في الجزائر والمغرب وبنسبة أقلّ في ليبيا وتونس، وهم مسلمون؛ ليسوا أقلّيات دينيّة، وإنّما هي اثنيّة أو ثقافيّة إذ يمتلكون ثقافة عامّة واحدة، وتجمعهم أساسيّات العيش معا، من لغة وفنون وأساطير وعادات وتقاليد. ولكنّ اللغة تظلّ الأساس، ولها الصدر دون سائر المكوّنات. ومن هذا الجانب تلتبس الاثنيّة بالقوميّة في أذهان الكثيرين، بل بالعنصريّة. والقوميّة نفسها كما يقول أدريان هيستنغز من جامعة ليدز، تضرب بجذورها في أصول اثنيّة. والجماعات الاثنيّة يمكن أن تحتفظ باستقلالها الثقافي وحقّها في استعمال لغتها وامتلاك وسائلها المرئيّة والمسموعة، في إطار الدولة الواحدة القائمة. ولكنّها تتحوّل إلى حركات قوميّة كلّما طالبت بما تعتبره حقّها في الحكم والسلطة، والانفصال عن الدولة المركزيّة، وبناء كيانها الخاصّ. وينبغي أن لا نستغرب هذا التحوّل، فالهويّة الاثنيّة حقيقة لا يمكن إنكارها؛ وهي ليست وليدة اليوم، فقد رافقت نشوء الدول الحديثة وقيام المنظمات الدوليّة. ولم تختف تماما من مسرح الأحداث، وإنّما هي بين مدّ وجزر؛ حتى إذا انهار المعسكر الشرقي، ونال الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ما نالها من تشظّ، طفت الهويّات الاثنيّة على السطح، ولكن بلَبُوس قوميّ واضح هذه المرّة؛ وتعدّت ما هو غير سياسيّ مثل المطالبة بتطبيق مبادئ حقوق الانسان، إلى ما هو سياسي: حقّ تقرير المصير. وثمّة اليوم مقاربتان أو مفهومان كما يقول رغيد الصلح: أحدهما منطلقه وحدانيّة القوميّة في إطار الدولة الواحدة، وهو لا يأخذ المطالب الاثنيّة إلاّ في حدودها الدنيا. ومن ثمّة قد يذكي هذا المفهوم خيار الانفصال وما يمكن أن ينجرّ عنه من حروب أهليّة أو إقليميّة. والآخر هو الدعوة إلى دولة متعدّدة القوميّات، بما ييسّر تلبية المطالب الاثنيّة.
 يقول أناتولي أوتكين في كتابه «الاستراتيجيّة الأمريكيّة للقرن الحادي والعشرين» إنّ هذا القرن مهيّأ لظهور مئتي دولة أخرى على الخارطة، وستكون عمليّة نشوئها محور وجود جيلنا، وجيلين آخرين بعده. وقد يلوح العدد مبالغا فيه، ولكن للتاريخ مفاجآته وانعطافاته. بل إنّ غريك فوللر الرئيس الأسبق للمجلس القومي لشؤون الاستخبارات بوكالة المخابرات المركزيّة، كان قد أعلن أنّ نظام الحدود الدوليّة المعاصر الذي لا يعبأ عامّة بالرغبات العرقيّة والثقافيّة، قد عفى عليه الزمن، وأنّ الدول التي لم تتأهّل بعد لتعويض الأقلّيات من سكّانها؛ عمّا نالهم من ضيم في الماضي، فسيكون مصيرها الدمار. بل هو يذهب أبعد، ويرى أنّ الجماعات العرقيّة الناهضة والساعية إلى تعزيز هويّتها الثقافيّة؛ هي الدعامة الأساس في بناء النظام العالمي المقبل حيث السيادة للنزعة المركزيّة العرقيّة، وأنّ عدد الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة سوف يتضاعف ثلاث مرّات خلال هذا القرن. ويتوقّع أمثال هؤلاء من الأمريكيّين أنّ النظام الشيوعي في الصين سينهار مثلما انهار الاتحاد السوفياتي، ولن يكون بميسور بيكين أن تتمسّك ببقاء سكّانها من التبت والأيغور والمنغول في إطار دولة واحدة، وكذا كشمير بالنسبة إلى الهند. ويقول أوتكين إنّ كلّ الحدود الدوليّة الحديثة هي حدود مصطنعة، بما في ذلك الحدود الأمريكيّة «الراسخة» بعد لنكولن؛ و»ما لم تتوقّف هيمنة مبدأ تقرير المصير القومي، وإضفاء طابع الغزو الديمقراطي عليه، فإنّه من اليسير التنبّؤ بمصير التاميل والماي والفلسطينيّين وغيرهم».
 لا غرو إذن أن يكون لهذا اللاعب «الجديد» الاثني الصاعد إلى المسرح العالمي، وجه يانوس كما يقول البعض، وبخاصّة في المجتمعات التي لم تحلّ مشكلة الاستقطاب بين الدين والعلمانيّة؛ يانوس إله الشمس وإله الحرب والسلم، الذي يحمل صولجانا بيده اليمنى، ومفتاحا بيده اليسرى. وكانت أبواب معبده مشرعة في أثناء الحرب، ولكنّها توصد في أيام السلم.

كاتب تونسي

اللاعب يانوس: في القومي/ الاثني والديني/ السياسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية