حق تقرير المصير تفاضلي بالضرورة بين الشعوب

حجم الخط
3

خاض مصطفى كمال ورفاقه حرب الإستقلال التركية على أساس منطق واحد في البداية: إسقاط معاهدة سيفر (1920). هذه المعاهدة التي قضت بالحفاظ شكلاً على السلطنة العثمانية في مقابل تدويل المضائق، وإقامة دولة أرمنية من فان وأرضروم حتى طرابزون، والحاق تراقيا وإزمير باليونان، وإقامة منطقة نفوذ إيطالية على طول الساحل المتوسطي للأناضول، ومنطقة نفوذ فرنسية من كيليكيا حتى سيواس، في ما عرف بـ«أرمينيا الصغرى»، كما نصّت على اجراء استفتاء لتحديد مصير كردستان، بما في ذلك ولاية الموصل. في مواجهة عدد كبير من الأخصام، من جملتهم السلطان العثماني وحيد الدين محمد السادس، تمكّنت الحركة الوطنية التركية من الإطاحة بمعاهدة سيفر، وإبطالها من خلال معاهدة لوزان (تموز 1923)، التي سمحت بالتأسيس لدولة أمة ذات سيادة على الأناضول كاملاً وعلى تراقيا الشرقية، وعلى قاعدة التبادل الإجباري للسكان بين اليونان وتركيا، وأنهت بالنتيجة مسألة الإستفتاء حول تقرير وضع كردستان.
لكن الحركة الوطنية التركية، بقيادة مصطفى كمال، وقبل شهور قليلة من التوصل إلى معاهدة لوزان، التي حقق من خلالها الشعب التركي حقه في تقرير المصير وفي إقامة دولة غير قابلة للتجزئة، على حساب حق تقرير المصير للشعب الكردي في الأناضول، كانت آثرت دعم انتفاضة الشيخ محمود البرزنجي في كردستان الجنوبية التي صارت جزءاً من كيان العراق البريطاني ـ الهاشمي، بل أن مفارز الجيش التركي الكماليّ والمفارز الكردية غير النظامية التابعة له توغلت في شمال العراق، وبالعودة للمستشرق السوفياتي م.س. لازاريف، «في أوائل العام 1923، أصبح الجزء الشمالي الشرقي من كردستان العراق (بما فيه أهم المراكز الاستراتيجية في رواندوز) عملياً تحت سيطرة المفارز التركية ـ الكردية»، بل أن إحسان باشا نفسه الذي قمع الحركة الكردية في ديار بكر، كان الداعم الرئيسي لنصرتها في الجنوب (شمال العراق). أكثر من هذا، في وقت، كان مصطفى كمال قد فرغ للتو من الفصل بين السلطنة وبين الخلافة، ناقلاً صلاحيات الأولى إلى الشعب، ومنتخباً الخليفة، الرمزي حصراً، من البرلمان، نشط أنصاره في كردستان العراق تحت شعارات «الجامعة الإسلامية»، طاعنين بشرعية الملك فيصل الأوّل، العاصي على الخلافة، هذا في حين تعامل فيصل الأول والإنكليز مع تمرّد الأكراد بقيادة الشيخ محمود والتدخل التركي إلى جانبه، على أنّه «عدوان بلشفي».
يختلف وضع العام 1923 عن الحال اليوم. فتركيا، بعد استتباب معاهدة لوزان، وقيام الجمهورية، لم يعد يمكنها أن تنظر إلى إستقلال الأكراد عن العراق إلا كتهديد بإنتقال العدوى الإستقلالية إلى «أكرادها». في الوقت نفسه، وجدت تركيا عملياً، في السنوات الماضية، أنّ تقاطعها مع حكومة اقليم كردستان العراق اقتصادياً (نفطياً) أو سياسياً لا مفرّ منه، بل هم أقرب إليها من أكرادها هي، وهي أقرب إليهم من حكومة بغداد أو من إيران. وهكذا، فإنّ اللهجة الرسمية التركية اليوم حيال مسألة الاستفتاء في كردستان العراق أكثر من مدروسة، بخلاف ردّات فعل عراقية وعربية كثيرة، تدفع الأكراد أكثر نحو قطع كل صلة بـ»مفهوم العراق».
يبقى أنّ وضع العام 1923 يذكّرنا بدرس، المفترض أنّه أساسيّ، وهو أنّ حق تقرير المصير لشعب من الشعوب لا يتكامل بالضرورة مع حق تقرير المصير لشعب آخر. ذلك أنّ التحقيق الكامل لحق تقرير مصير شعب من الشعوب يكون بإستقلاله في دولة ناجزة، والتحقيق الناجز لذلك يكون بإعلانها، من أول نصّها الدستوريّ أساساً، كياناً غير قابل للتجزئة، الأمر الذي من شأنه تعطي نهوض أي مجموعة داخلها بالمطالبة بحقها هي في تقرير مصيرها. وحال الكوكب اليوم هي حال مئات الأقوام والجماعات، وبل والشعوب، التي تطالب بحقها في تقرير المصير، دولة أو حكماً ذاتياً، دون أن يكون بإمكانها تحقيق الهدف الأول، وحتى الهدف الثاني في أحيان كثيرة. لماذا؟ لأنّه لا يمكن أن تقرّر كل الشعوب، وكل مشاريع الشعوب، مصيرها في وقت واحد، مثلما لا يمكن أن تحقق جميع الحركات القومية خرائطها المرغوبة في وقت واحد. هناك ندرة جغرافية أساسية تحكم على هذه المشاريع بالتعارض، وعلى حق تقرير المصير بأن يوازن بين مطلقيته المعيارية، وبين نسبيته في الزمان والمكان. لكنها في نفس الوقت نسبية لها حدودها، فإذا تواصلت من جيل إلى جيل حركة مطالبة بحق تقرير المصير لشعب من الشعوب، لم يعد بالمتسع الإتكاء طويلاً على المبدأ المعياري المقابل، أي نهائية الكيانات الدولتية الملحوظة في دساتيرها، وصار لا بدّ من مراجعة ما.
المزاج العام للأكراد اليوم يدفع قدماً بإتجاه الإستقلال عن العراق. لا يمكن المكابرة على ذلك، ولا انكار حق تقرير المصير للشعب الكردي. صحيح أن دون ذلك مسألة شائكة، وهي أن الأكراد يطالبون بإستقلال يتوسع إلى محافظات ومناطق من خارج إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، خصوصاً كركوك، والعدد الأكبر من هذه المناطق توسع اليها الوجود العسكري لـ«البيشمركه» بالفعل، على خلفية محاربة تنظيم الدولة، وبشكل ينذر بإشتباك عسكري مع الدولة العراقية ذات الصبغة الشيعية، كما مع المجموعتين «العربية» و«التركمانية»، المتضررتين على طريقتهما من الصبغة الشيعية للدولة العراقية «الما بعد بريمرية». لكن الطابع الشائك لهذه المسألة من شأنه أن يدفع أكثر فأكثر نحو التصّلب، والمناداة بكردستان جنوبية مستقلة، من دون الاتفاق على الحدود بينها وبين الكيان العراقي، هذا إذا تجاوزنا رفض العراق وبلدان الجوار لقيام هذه الدولة الجديدة من أساسه.
لا يمكن التأسيس كثيراً على مبدأ «عدم القابلية للقسمة» فيما يعني الكيان الوطني العراقي، خصوصاً بعد ما حلّ بالأكراد على يد البعث الصدامي، وفي نفس الوقت لا يمكن التعامل مع سردية القوى النافذة في كردستان العراق ومنطق «كوني فكانت» كما لو كانت منطلقاً خلاصياً لكافة الشرق الأوسط لا بد من الالتحاق به، لكي يثبت المرء تحرريته وليبراليته. الذاكرة قصيرة، لكن ليس إلى حد نسيان كي تسابق مسعود البارزاني وجلال الطالباني عند صدام حسين في منتصف التسعينيات، عندما ساد التذابح بينهما، طلباً للعون، من الشوفينيين البعثيين، ضد بعضهما البعض. من الصعوبة إدخال هذا الأمر ضمن «البراعات التكتيكية» لحركة وطنية تحررية كي تنال مرادها في خاتمة المطاف.
الحفاظ على رابطة ولو بالحد الأدنى، ولو رمزية، بين كردستان وبقية العراق، يبدو الآن، مصلحة متعددة الأطراف، حتى ولو كانت رابطة كونفدرالية بين كيانين دولتين مستقلّين، وليس فقط بين دولة وكيان حكم ذاتي هو جزء منها. بيد أن هذه «المصلحة متعددة الأطراف» تبدو مثالية أيضاً، وأقل تنازعية أو صراعية مما يتجه الواقع له، وإن كان محرّك هذا التنازع هو الاختلاف بين حجم اقليم الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق، وبين حجم انتشار البيشمركه فيه، وبين خريطة «كردستان الجنوبية» بالشكل المكرّس في الخطاب القومي الكردي. حق تقرير المصير، من حيث هو حق معياريّ بالدرجة الأولى، لا يمكنه أن يجيب تلقائياً، حول مسألة «رقعة تطبيقه» على أرض الواقع. من يجيب عادة على هذه المسائل، هو السياسة، أو العنف، أو التحكيم القانوني، أو خلطة من كل هذا. ليس هناك حق تقرير مصير «بترجمة فورية»، إلا إذا كانت حدود الكيان المراد انتزاع استقلاله متفقا عليها، كما في حالة الانفصال بين تشيكيا وسلوفاكيا. أقل الإيمان الإقرار، بأنّ العلاقة بين أكراد «جنوب كردستان – شمال العراق» وبين (بقية؟) العراق، ليست كالعلاقة بين تشيكيا وسلوفاكيا، لا حين استخدم صدام الكيماوي في حلبجة، ولا حين قصده البارزاني والطالباني بعد حلبجة.
هناك زاوية أخرى للنظر في المسألة أيضاً، تتمثل بالتمييز بين الدولة الوطنية التي هي مراد حق تقرير المصير لأنها ستعطي للشعب المطالب به حقاً معيارياً في كيان «غير قابل للتجزئة»، وبين «دولة القوم» أو الدولة الإثنية، التي يصعب في حالتها الإقرار لها بكيانية دولتية «غير قابلة للتجزئة». طبعاً، يميز الأكراد بين مشروع دولة أمة «كردستانية» وبين أن تكون دولة إثنية كردية. لكن التمييز في حالة الأمم السابق وجودها على وجود دول تجمع شملها، بين هذين البعدين، يبقى تمييزاً محدوداً. تنمية هكذا تمييز، بالتمييز بين حق الشعب الكردستاني في تقرير المصير، وبين حق القوم الكردي في تقرير المصير، ضروري وحيوي، إنّما، في وضع اليوم، هو يتطلب، ربط لحق تقرير المصير هذا بالحفاظ على رابطة مع العراق.. ليس فقط النموذج التشيكوسلوفاكي لا ينطبق هنا، بل كذلك النموذج السوداني.
حقوق تقرير المصير متفاضلة بين الشعوب. لا يمكن المكابرة على هذه الحقوق، طالما أن التقسيم القومي يبقى أساسيا في قرننا أيضاً، وكذلك طفرة الحيويات القومية. في نفس الوقت، وللأسباب نفسها، لا يمكن الاكتفاء بالاحتجاج الأخلاقي على الوقائع الماضية والحاضرة، التي تظل تفيد بأن حق تقرير مصير لشعب من الشعوب هو بالضرورة على حساب جزء أو كل من حق تقرير المصير لشعب آخر.

٭ كاتب لبناني

حق تقرير المصير تفاضلي بالضرورة بين الشعوب

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية