افتتحت يوم الثلاثاء الماضي المناقشات العامة للدورة الثانية والسبعين بمشاركة نحو 130 رئيس دولة أو حكومة. ولقد كان واضحا للجميع أن هذه الدورة ستكون باردة فعلا، لولا النجم الأكبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ما فتئ ينتقد الأمم المتحدة ويتهمها بأنها جهاز بيروقراطي فاشل لا يعمل ويلتهم أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، كرواتب عالية لموظفين لا يعملون شيئا، ويعتبرون الأمم المتحدة مكانا للفسحة وقضاء الوقت الممتع.
تنعقد الدورة في ظل عدد من الأزمات الدولية الكبرى، وأهمها التسلح النووي الذي تمثله كوريا الشمالية، وجريمة الإبادة الجماعية التي تمارسها حكومة ميانمار، والإرهاب الدولي وأزمات الشرق الأوسط من فلسطين إلى اليمن، ومن ليبيا إلى سوريا والعراق، بالإضافة إلى أزمة الخليج والتغير المناخي وأزمة اللاجئين وإصلاح الأمم المتحدة. ومع أن هذه الدورة خالية من أية إثارة باستثناء مشاركة ترامب، إلا أننا سنمر على عينة من هذه الخطابات، ونسلط الضوء على ما قد يخفى على القراء من خارج البناية.
خطاب ترامب- العنجهية في أبشع صورها
شهدت الجمعية العامة في دوراتها المختلفة حركات أو خطابات لا تنسى مع مرور الزمن، من بينها دورة 1960 عندما خلع الرئيس السوفييتي آنذاك نيكيتا خروتشوف حذاءه وبدأ يضرب به على الطاولة، مصرا على أن يقاطع رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان، لأنه كان يهاجم بلاده وعندما لم يُعر رئيس الجلسة أي انتباه لشخص كان يرفع إصبعه وصوته قائلا «نقطة نظام» فاضطر أن يخلع حذاءه لوقف المتكلم. وفي الدورة نفسها ألقى الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، أطول خطاب في تاريخ الأمم المتحدة وطوله 4 ساعات و29 دقيقة.
كما يتذكر الناس جلسة 2009 عندما ألقى العقيد القذافي خطابا استمر 93 دقيقة، حيث هرب المترجم الفوري الذي أحضره معه في الدقيقة 75 صائحا «لا أستطيع أن أتحمل كل هذا». كان ذلك الخطاب الأول والأخير للعقيد، الذي قدمه رئيس الجمعية العامة علي التريكي، وزير خارجية ليبيا السابق بأنه «ملك ملوك أفريقيا وعميد الزعماء العرب». في تلك الجلسة قطّع العقيد القذافي ميثاق الأمم المتحدة ورمى به في وجوه الحاضرين، احتجاجا على سيطرة الدول الكبرى على الأمم المتحدة من خلال استخدام الفيتو، وفرض أجنداتها على البشر. كما رمى بكتاب آخر باتجاه علي التريكي عنوانه «إسراطين» يتضمن حلا شاملا للقضية الفلسطينية، من وجهة نظر «القائد». ويتذكر المهتمون بالأمم المتحدة كذلك جلسة 1975 عندما اعتمدت الأمم المتحدة القرار 3379 الذي ينص على أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري» فقام السفير الإسرائيلي آنذاك حاييم هيرتزوك، الذي فقد توازنه ووقف على منصة الجمعية وقطّع القرار قصاصات صغيره ونثره أمام الحاضرين قائلا بعصبية «سنتعامل مع هذا القرار هكذا».
وستدخل التاريخ الجلسة الأولى للدورة الثانية والسبعين الحالية عندما وقف على المنصة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب يعلن أمام قاعة مكتظة، أنه سيقوم بتدمير كوريا الشمالية تدميرا تاما، إذا ما تعرضت بلاده أو حلفاؤها إلى عدوان. إنها المرة الأولى على حد علمنا يتم تهديد دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، ولم تعتد إلى الآن على الأقل على أحد، بإلغائها من الوجود وقتل 26 مليون إنسان من المفروض أن غالبيتهم الساحقة من الأبرياء. وللعلم فإن الميثاق ينص على عدم جواز استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة. هدد ترامب كوريا الشمالية من قبل، إما على تويتر أو في خطاباته لأنصاره. أما أن يهدد من على منبر الجمعية العامة فهذا شيء مستهجن ومرفوض في القانون الدولي. يبدو أنه نسي أنه يتحدث لممثلي 193 دولة وأن الحاضرين ليسوا جمهورا انتخابيا في تكساس.
خطاب عباس- خطاب اليأس
إن أفضل وصف لكلمة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام الجمعية العامة هو «خطاب اليأس». تشعر به وهو يلقي الكلمة بأنه مجهد وضائع ولا يعرف في أي الاتجاهات يسير، بعد أن فقد البوصلة التي تدله إلى الطريق، ولذلك ظل يكرر خارج النص «وين أروح». لقد تابعت خطاباته في الجمعية العامة منذ تولى منصب الرئاسة فوجدت هذا الخطاب مختلفا. فلأول مرة يهدد بطريقة واضحة بحل السلطة الفلسطينية وإعادة مسؤولية الاحتلال إلى حيث يجب أن تكون، لأن الاحتلال غير مكلف لإسرائيل والسلطة الفلسطينية بغير سلطة. كما كان واضحا أكثر من السنة الماضية في وصف إسرائيل باتباع نظام الأبرثايد. وأشار إلى أن خيار حل الدولتين انتهى أو كاد، وأن حل الدولة الواحدة مرفوض في إسرائيل. إذن لم يبق إلا نظام الأبرثايد الذي دفن في جنوب أفريقيا، ولكنه حي ومزدهر ومتعاظم في إسرائيل. يبدو أن «أبو مازن» يشعر الآن بحجم المصيبة التي جرّتها على الشعب الفلسطيني اتفاقيات أوسلو الكارثية، التي لعب فيها دور المحرك الأساسي. ويبدو أنه يشعر بأن لا حول له ولا قوة لتغيير الأمور أمام الصلف الإسرائيلي والدعم الأمريكي، ولم يبق إلا أن يناشد المجتمع الدولي لتحمل المسؤولية وإلا «وين أروح» كما قال.
خطاب نتنياهو– الاستهتار بالحاضرين
كالعادة يلقي رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي خطابا أقرب إلى المحاضرة الجامعية يعلم هؤلاء التلاميذ عن تاريخ وإنجازات الشعب اليهودي، ثم يحول جل خطابه ضد إيران والاتفاق النووي، ويطالب بإلغائه مدغدغا مشاعر بعض الحضور لدفعهم أكثر وأكثر للارتماء في أحضان إسرائيل. كما تجاهل الخطاب القضية الفلسطينية وقضية الاحتلال والقدس تماما، وكأنها غير موجودة. الجملة اليتيمة التي ذكر فيها بشكل عابر كلمة الفلسطينيين عندما قال إن بلاده «ملتزمة بتحقيق السلام مع كل جيرانها العرب بمن فيهم الفلسطينيون». فلنلاحظ أنه ذكر كلمة سلام من دون أي صفة، واختفت من الجملة الأوصاف التي توافق عليها المجتمع الدولي وهي «عادل وشامل ودائم». ثم إن إسرائيل تريد السلام مع الجيران، وكأن الخلاف على «حبل الغسيل» أو»الأولاد الذين كسروا الوردات». ولاحظوا أن الجيران هنا متساوون، يعني خلافات إسرائيل مع البحرين أو الإمارات هي في المستوى نفسه مع الخلافات مع فلسطين وسوريا ولبنان. ولذا يحلف عليهم الشيخ نتنياهو»أن يتفضلوا لشرب القهوة وأن يمسحوا سوء التفاهمات البسيطة تلك في لحيته، ويقدروا جهده ويفتحوا صفحة جديدة في علاقات جيرة قائمة على الاحترام». فهل هناك عنجهية أكثر من هذا.
خطاب السيسي – كامب ديفيد والسلام البارد
أستغرب أن الرئيس المصري ما زال يكرر ضرورة الاستفادة من تجربة السلام المصري الإسرائيلي، باعتبارها نموذجا يحتذى. أي نموذج يا سيادة الرئيس؟ كامب ديفيد أخرج مصر من دائرة الفعل، وهمش دورها وفتت العرب بعدها. بعد كامب ديفيد تغولت إسرائيل فأعلنت حربا على لبنان وضمت القدس رسميا، وألحقت الجولان بالقانون لإسرائيل، وضربت المفاعل النووي العراقي وضربت تونس مرتين، وتعرض قطاع غزة لأربع حروب، واستعرت الحرب الأهلية في لبنان ودخل العراق حربا مع إيران، ثم قام باحتلال الكويت، وانفصل جنوب السودان وانفجرت حروب أخرى في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وأصبحت مصر عالة على المساعدات الخارجية، وثقلت ديونها وتراجعت محاصيلها وانتشر الفساد فيها و»كوش» على مداخيل البلاد جماعة الشفط بدل النفط، وتعمق الشرخ الطائفي وتم تهريب الأموال إلى الخارج. ولقد حاوت حكومات مصر المتتالية أن تقنع الشعب المصري بجدوى الكامب، كي يطبع علاقاته مع إسرائيل ورفض لأنه شعب محصن وطنيا ضد هذا الاتفاق الكارثي، الذي نشهد نتائجه الآن، خاصة في سيناء المهملة. فأين هو النموذج الذي يتمنى الرئيس على إسرائيل والعرب اتباعه؟ بقي أن نذكر أن الرئيس في كلمته، التي يبدو أنها رد للجميل بعد مديح نتنياهو المفرط قال «أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبا إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي». قد تكون زلة لسان لكن ناشطين مصريين على وسائل التواصل لم يقتنعوا بأنها زلة لسان.
خطاب روحاني- العقلانية
حتي تحلل خطاب الرئيس الإيراني يجب أن تقرأه في سياق ما قاله الرئيس الأمريكي ترامب. وأفضل ما يقال فيه إنه خطاب الاعتدال ضد خطاب التطرف وخطاب المحبة بدل الكراهية وخطاب المحاججة المنطقية بدل الغوغائية وخطاب الصمود بدل الذبذبة والأهم من هذا أنه خطاب الكرامة الوطنية. قال: «لم نخدع احدا، ولم نكن غير نزيهين في تطبيق الاتفاق، لكن طهران سترد بحزم على أي انتهاك للاتفاق».
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام