آيات الوداع الأخير للباحث والأكاديمي الدكتور حجاجي: منتخبات من الشعر النسوي الأندلسي

حجم الخط
1

باريس ـ من الطيب ولد العروسي: توفي الباحث والأكاديمي الجزائري الأستاذ الدكتور حمدان حجاجي يوم 6 اب بباريس بعد صراع مع المرض دام عدة أشهر، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه حيث تم دفنه بمقبرة سيدي إبراهم بمدينة مليانة بولاية عين الدفلى بالجزائر.
ولد الدكتور حمدان حجاجي يوم 8 شباط من سنة 1938 بمليانة، درس في مسقط رأسه ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة والتحق بالمدرسة الثعالبية سنة 1954، إذ كرس حياته للتعليم، وبعد التحاقه بجامعة الجزائر درّس سنوات طويلة كلا من الترجمة، والأدب المقارن، والأدب الأندلسي، كما أعطى دروسا في الأدب الأندلسي بكرسي الكوليج دو فرانس بباريس، ثم عاد إلى الجزائر، غير أن العشرية السوداء التي مرّت بها أجبرته على العودة إلى المنفى، فاستقر بباريس ليكرّس حياته للبحث والتعليم والتأليف، لكونه كان يتمتع بثقافة واسعة ويحسن الفرنسية والإسبانية بالإضافة إلى اللغة العربية، ولم يكن يبحث عن النجومية أو الجوائز، بقدر ما كان يسعد حينما يصدر له كتاب أو ترجمة أو دراسة أو تحقيق، وهو من الباحثين الذين قدّموا إسهامات يعترف لهم بها الكثير من النقاد والباحثين.
صدرت له مجموعة من الأعمال، نذكر منها السير الذاتية لمجموعة من الشعراء الأندلسيين أمثال ‘حياة وأثار الشاعر الأندلسي ابن خفاجة، الصادر في الجزائر، عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1982، و’باقة من نثر وشعر الجنان لابن خفاجة الأندلسي’، الصادر في باريس، عن المنشورات الجامعية والعلمية، سنة 1983، وكتاب ‘شعر وموشحات الوزير بن زمرك الأندلسي، في الجزائر، عن ديوان المطبوعات الجامعية، سنة 1989، و’حياة وأثار ابن زمرك: شاعر الحمراء، في الجزائر، عن ديوان المطبوعات الجامعية، سنة 1989، وكتاب بعنوان ‘ابن اللبانة حياته وآثاره، من تقديم وتحقيق حمدان خوجة، الصادر في الجزائر، عن نشر ‘الثقافات’ كما ألف باللغة الفرنسية صحبة المستشرق الفرنسي أندريه ميكال مؤلفا بعنوان: ‘العرب والحب’ صدر عام 1999، وكتاب في تعليم اللغة العربية عبر النصوص، وترجم ديوان الشعر الشعبي إلى اللغة الفرنسية، كما ألف كتابا حول الشعر الأندلسي، وآخر حول ابن الأحمر الأندلسي، كما نشر العديد من المقالات الأدبية في عدة مجلات متخصصة ومن مؤلفاته أالأخيرة كتاب بعنوان ‘منتخبات من الشعر النسوي الأندلسي’ في باريس عن منشورات ‘بشاري Bachari’ ويقع في 100 صفحة. ويتكون من مقدمة ودراسة حول كل شاعرة، نقدم قراءة له في هذه العجالة …
فلقد عرفت الأندلس حياة فكرية وثقافية وعلمية وأدبية مميزة، وعرف المجتمع الأندلسي حضارة كبيرة ساهم في بنائها الرجال والنساء والمبدعون والمفكرون من كل الجنسيات والشرائح الاجتماعية بل ومن أديان مختلفة، إذ أصبح ذاك العصر حلما للكثير من الناس في عالمنا اليوم، نظرا لما عرفه من تسامح وتقارب وبناء حلم مشترك تسوده المحبة والإخاء والسلم، وعندما نعرف أن هناك أميرا شابا غادر المشرق العربي للالتحاق بالقيروان ثم الاستقرار بقرطبة التي أصبحت عاصمة إمارته، ونحن نقصد بذلك عبد الرحمن الداخل، أي ما أطلق عيه اسم ‘المهاجر’ والذي كان حسب المؤرخين ‘شخصية حيوية استطاع أن يعيد السلم والأمن وكان حلمه هو العمل على نشر الاستقرار وإعادة نفس وتيرة الحياة التي تركها في دمشق’ فبالإضافة إلى تشييد البنايات والقصور المختلفة التي لا زالت قائمة إلى اليوم، أحاط الأمير نفسه بمجموعة من المستشارين في ميادين علمية وفكرية وسياسية مختلفة، وشرع في بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية وسهر على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الإمارة. مما شجع على انتشار مكتبات ونوادي ثقافية ودواوين شعرية حيث أصبحت ‘الموسيقى والشعر ذوق الجميع’ في جميع مدن الإمارة، وهذا ما سار عليه من أتوا بعده من أمراء مثل عبد الرحمن الثاني وعبد الرحمن الثالث الذي جاء بعده المستنصر بالله، ثم الحكم الثاني، الذي كان شغوفا كثيرا بالكتاب، وكانت لديه مكتبة تتألف من 400′ ألف عنوان’ وكان يقتني كل ما يسمع به، بل كلف أناسا من أجل إبلاغه بالكتب والمخطوطات الجديدة، حتى أنه يقال أنه اشترى ‘كتاب الأغاني’ للإصفهاني قبل أن ينتهي المؤلف من كتابته بألف درهم’ وأنه عمل على تأسيس سياسة الكتاب وشجع على بناء مراكز إضافية علمية واستقدم علماء وبحاثة من المشرق والمغرب، وأصبحت تدرس في جامعة قرطبة المواد العلمية كالرياضيات والطب والفيزياء، هذا ناهيك عن الأدب والشعر والعلوم الشرعية، فأصبح الكتاب في متناول الناس، بل يعتبر المستنصر بالله أول من أسس في العالم قنوات وآليات لبناء وانتشار ‘المكتبات العامة’، كما عرف في وقته التعليم المجاني للفقراء، أما الأغنياء فكانوا يدفعون ثمن تعليمهم، كل ذلك من أجل أن يكون للجميع حظ في التعلم، وكانت للمرأة الأندلسية مكانتها كشاعرة وأميرة وسياسية وعالمة ومستشارة في الديوان الأميري، وكل ذلك أتي نتيجة انتهاج سياسة حكيمة تدل على المعاملات الحضارية المتفوقة والرائدة اتجاه المرأة.
فبعد أن قدّم الدكتور حجاجي حمدان نظرة عامة حول الظروف الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي عرفتها الأندلس، شرح منهجية عمله، إذ قدم في هذه المختارات سبع شاعرات، اعتمد الباحث في تقديمهن على شهرة كل شاعرة وعلى الدور الذي لعبته كل واحدة منهن، هذا بالإضافة إلى ‘القيمة الفنية لهذا الإبداع’ كما أضاف لهذه المبدعات شاعرة يهودية وهي ‘الوحيدة التي عثرنا عليها’ كما يقول المؤلف، ومن أجل إثراء الموضوع يتأسف لكونه لم يعثر على ‘شاعرة مسيحية’، وذلك لكي يسجل ‘التعدد الإتني لهذا المجتمع حيث الكل يحسن اللغة العربية’ إضافة إلى ‘اللغات المحكية للجاليات المختلفة، مثل العبرية والبربرية، الرومانية، العربية الدارجة، أي الجزل الذي قام بتقديمه الشاعر ابن قزمان’.
تجدر الإشارة كما يقول المؤلف إلى أن ‘اللغة العربية كانت لغة الوحدة الثقافية، لأنها كانت عهدئذ اللغة الأكثر تطورا وكانت الأكثر قدرة لكونها اللغة الأساس التي كان يتعامل بها العلماء والفلاسفة والشعراء’.
قدم الباحث سيرة مختصرة لكل شاعرة، حيث تحدّث عن حياتها وسنة ولادتها وسنة وفاتها عندما تتوفر له المعلومة، ثم عن مسيرتها الثقافية والأدبية، مقدما بذلك نموذجا من أشعارهن باللغة العربية مترجما إياها إلى اللغة الفرنسية، أي أنه أثبت كل ما عثر عليه ليقدم الإبداعات الشعرية لكل واحدة منهن.
بدأ بأميرة قرطبة وأميرة الشعر الأندلسي ولادة، حيث أعطى موجزا عن حياتها وذكر علاقتها بابن زيدون واهتمامها بالشعر وبخوضها للحياة السياسية والثقافية والفكرية. ولدت سنة 1001 وتوفيت سنة 1087 أي عن عمر يناهز الخمسة والثمانين سنة، وقدم من ضمن ما أثبت من شعرها، بيتين من قصيدها ‘الميعاد الأول’ حيث تقول:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا وبالليل ما أدهى وبالنجم لم يسر.
كما قدم لها مقتطفات من قصائد أخرى.
بعد الشاعرة ولادة تطرّق إلى الشاعرة ‘نزهون القلعية’ والتي قدم لها مجموعة من المقتطفات الشعرية، غير أنه لم يقدم سنة ولادتها ولا موتها، وهو يقول عنها أنها ‘كانت أرستقراطية وكان لها رصيد أدبي وثقافي كبير’. ولها موشحة تحمل اسمها وهي بعنوان: ‘موشحة نزهون بنت الوزير القليعي’ .
أما الشاعرة الثالثة فهي حفصة بنت الحاج، ثم تليها الشاعرة الأميرة بثينة، وحمدة بنت زياد، وقزمونة بنت إسماعيل اليهودية، أم الهناء .
يرى النقاد والمهتمون بالأدب الأندلسي بأن ّ تجربة الإبداع النسويّ في الأندلس تعد تجربة مميزة وفريدة من نوعها، حيث أسهمت الأنثى إسهاماً لا يخفى على أحد في مجال الأدب شعراً ونثراً، وكان العطاء الأنثويّ عطاءً وفيراً لا يقل عن عطاء الرجال في بيئة كاد كل من يعيش فيها أن يقول الشعر، وأن يتعاطى الأدب ..
يعتبر هذا الكتاب أول مؤلف باللغة الفرنسية حول الشعر النسوي الأندلسي، تنقّل المؤلف بين دفات أمهات الكتب العربية بالأساس ثم الغربية ليصل إلى ما وصل إليه، لذا يكون هذا المؤلف بمثابة كتاب تربوي تعليمي يعتمده الباحثون والفضوليون والمهتمون بالأدب الأندلسي، أما الموضوعات التي تطرقت إليها الشاعرات فهي في معظمها حول الحب، ومناجاة الحبيب، إذ أننا نرى نشوء قصيدة جديدة صبغت الأدب الأندلسي، بما تتميز به هذه القصائد من جرأة وحرية وتحد، أي تعكس بشكل جيد المجتمع الذي كانت تعيش فيه هذه الشواعر، كما تعكس أيضا الحرية التي كانت تتمتع بها كل شاعرة في ذلك الوقت.
الجدير بالذكر أن الأستاذ حمدان حجاجي حاصل على دكتوراه دولة في الأدب الأندلسي، اشتغل مديرا لمعهد الترجمة في الجزائر في ثمانينيات القرن الماضي، كما عمل أستاذا محاضرا في ‘الكوليج دو فرانس’ بفرنسا.
كان رحمه الله يتنقل بين مكتبة معهد العالم العربي ومكتبة اللغات الشرقية والمكتبة الوطنية باحثا في أمهات الكتب عن مراجع ومصادر لأعماله، كما كان يشكو باستمرار من ألاعيب وحيل وسرقات الناشرين، إما بعدم اهتمامهم بمخطوطات كتبه، أو طبع بعض كتبه في طبعة ثانية أو ثالثة دون علمه، أو عدم احترام العقود الموقعة بينه وبينهم، فكانت هذه المشاكل ترهقه كثيرا، هو البحاثة الذي تحفّزه مشاريع الكتابة في مواضيع وحول شخصيات عربية وإسلامية مغمورة رغم أنها لعبت أدوارا مهمة في الإبداع الأدبي والشعري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية