من بين التغطيات الإعلامية لتصريحات نائب الأمين العام لـ «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، التي قدم فيها تصريحات مثيرة بالجملة، يلفت الانتباه تقرير على قناة «الجديد»، وهو يسلط الضوء على جزء من خطاب قاسم عندما يسرد «المفاتيح الأربعة للتربية الصالحة»، ومن بينها حديثه عن التربية المدرسية والتشكيك بقدرة المرأة المطلقة على نصح الطلاب باعتبارها هي نفسها كمطلقة تعاني «الخراب» في حياتها، وبالتالي لا تصلح لأن تعطي النصيحة.
تقرير «الجديد» جاء بأحد المشايخ الشيعة الذي أظهر اعتراضاً على كلام قاسم، وإن بلطف واحترام، لكن إلماحة التقرير (أعده آدم شمس الدين) كانت في التطرق إلى «المفتاح الرابع» من مفاتيح التربية، حين تحدث قاسم عن تأثير قادة الرأي، وحين دلف مراسل «الجديد» من هذه النقطة ليقول إنه الشيخ نفسه يفتح باب المحاسبة: «بدنا نعرف مع أي قادة رأي ماشيين».
أما الإلماحة الثانية فكانت في عنونة التقرير التلفزيوني بعبارة «صواريخ الشيخ نعيم قاسم تضرب المجتمع اللبناني»، ما يتلاءم مع كلام معترضين كثر قالوا إن تصريحات قاسم ليست سوى نوع من فكر «داعشي».
القناة نفسها قدمت في وقت آخر قراءة في تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي على تصريحات الشيخ قاسم، فتطرقت إلى الهاشتاغ الأكثر تداولاً «نعيم قاسم البلد»، وتغريدة يقول صاحبها «القاسم المشترك بين العدو الإسرائيلي ونعيم قاسم أن الاثنين بدهن يرجعوا لبنان للعصر الحجري».
حتى الساعة، لم يصدر نعيم قاسم توضيحاً أو اعتذاراً، وليس من المرجح أن يفعل، فلا شك أن خطاب نائب الأمين لـ «حزب الله» هو نوع من خطاب الانتصار، هذا الذي يحرص الحزب على صرفه بكل الاتجاهات الممكنة.
الصمت من أجل النجاة
عثرتُ أخيراً على تطبيق عملي للتعبير القائل «إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب». في المكسيك، بعد الزلزال العنيف الذي ضربها، كانت البلاد بحاجة للصمت، كان ذلك ضرورياً كي يتمكن عمال الإنقاذ سماع صوت وتنفس العالقين تحت الأنقاض، هكذا ولدت إشارة قبضة اليد المرفوعة إلى أعلى، حسب فيديو على «بي بي سي»، وهكذا أصبحت الإشارة التي تدل عادة على التضامن إشارة تطالب بالصمت، من أجل الإنصات إلى بذرة حياة تحت الأنقاض. الصمت من أجل النجاة.
الإعلام المصري والتنكيل بالأحياء
«الجنازة حارة والميت.. عاكف»! هكذا عنونت صحيفة «روز اليوسف» المصرية مانشيتها الرئيسي بعد وفاة المرشد السابق لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، مهدي عاكف في سجنه. بررت الصحيفة عنوانها ذاك بأن عاكف أساء لمصر والمصريين، واعتبرت أنه لا يستحق حملة التعاطف التي أدانت السلطات المصرية على إهمال الرجل التسعيني طبياً فعجّلت في موته.
لا احترام للرجل في سجنه، وهو هناك مجرد سجين له حقوق يجب على الإعلام احترامها، بل والمطالبة بشروط إنسانية لكافة السجناء، كما لا احترام للرجل في لحظة موته، فكل هذه الشماتة المعلنة على الملأ، وبأحط ما تكون الكلمات، إذ يعرف الجميع ماذا يعني المانشيت، الذي يحيل إلى مثل شعبي معروف.
إنه تنكيل بالأحياء، أكثر من أن يكون تنكيلاً بالأموات.
الشماتة بضحايا الإعصار
أثار مشهد الإعصار الذي ضرب شواطئ في الولايات المتحدة أخيراً نبرة شماتة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، على اعتبار أن أمريكا عدو، أو كافر، وأن الإعصار ما هو إلا جند الله الذين جاؤوا للانتقام!
هذا المنطق رأيناه من قَبل عند مشايخ كبار، من بينهم الراحل رمضان البوطي الذي أحال مأساة الفلسطينين، احتلال أرضهم وتشريدهم عن بيوتهم وما ارتكب من مجازر بحقهم، إلى الكفر وقلة التديّن. دعوات لطالما رأينا مثلها إزاء كوارث طبيعية أو غيرها، كوارث عمياء لا تفرّق بين قوميات وأديان، مدنيين وأبرياء آمنـين فـي بيوتهـم.
حدث ذلك مثلاً إزاء اعتداء الحادي عشر من أيلول سبتمبر في الولايات المتحدة، ومن عجب أن نخباً ثقافية، قبل رجال الدين، أعلنوا شماتة بأمريكا، معتبرين ما حـدث هـزيمة لها، أو بـداية هزيمـة.
لا فرق بين كارثة طبيعية أو مدبّرة تستهدف الناس جملة من دون تمييز، ومن دون أن يكون لهؤلاء أي ذنب، وإذا خطر للكثيرين أن يبرروا بأن ذنب هؤلاء انتخابهم لسياسيي بلادهم، والنظر إلى سياسة تلك البلاد على أنها أساس البلاء الذي حلّ بنا في بلادنا من فقر وظلم وغياب للعدل، فلا بدّ من تذكّر أننا أيضاً قد نؤخذ بجريرة حكام لم ننتخبهم، طغاة ومجرمين وقتلة تاريخيين. ليس غريباً أن تأتي تلك الشماتة ممن يحملون تصورات مريضة عن أديانهم، ويرون في الآخر، كل آخر، كافراً أو عدواً يجب قتله.
لكن انظروا كيف نتحدث، وماذا نكتب في يومياتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، أي عنصرية نحمل، ونتشدق بها من دون خجل. نظرة فقط، وسندرك أن الخلل ليس فقط تطرّفاً دينياً، فقد نجد في وصايا الأوّلين عند الحرب نهياً عن قتل طفل أو شيخ أو امرأة، بل وكذلك عن قطع شجرة مثمرة.
إنها أيضاً قلّة تربية، مناهج دراسية مريضة، غياب لثقافة حقوق الإنسان، عدم تقدير للإنسان أياً كان. إن تلك الشماتة تفصح عن مجرمين خطرين يعيشون بيننا، لا يجب التسامح معهم ومجاملتهم، وإلا سنكون جزءاً من ضحاياهم عما قريب.
كاتب فلسطيني
صواريخ نائب زعيم «حزب الله» على المجتمع اللبناني… ماذا قال إعلام السيسي في عاكف… وصمت المكسيك من أجل الحياة
راشد عيسى