كردستان… الانتقال إلى تصريف الفعل المضارع

أعلنت نتيجة الانفصال الكردي بأغلبية ساحقة للاستقلال، وغير ذلك يعتبره الإنسان الكردي خيانة، والنسبة الضئيلة التي صوتت لرفض الاستقلال، ربما مثلت طرف من يهابون مواجهة، ربما من شأنها أن تقوض الحلم الكردي وتطمسه لعقود أخرى، وربما من وجهة نظرهم يعد الاستقلال لأكراد العراق ضرراً محتملاً بأكراد الدول الأخرى، الذين سيتحملون وزر المغامرة الكردية في العراق. فمن المتوقع أن تبدأ تركيا وإيران سياسة جديدة لمواجهة عدوى الحرية على طريقة بارزاني.
تظهر الصورة المقطعية لتاريخ الشعب الكردي بأنه على استعداد لأن يخوض الشوط حتى النهاية، وأمام تردد حيدر العبادي بوصفه ممثل الدول العراقية، التي تحاول أن تحتفظ بتماسكها، فالخطوة الكردية ستشجع على خطوات أخرى إضافية، فردة الفعل المبدئية اقتصرت على المطالبة بانسحاب الأكراد من المناطق المتنازع عليها، ومن المناطق التي تقدمت لها قوات البيشمركه أثناء الحرب على تنظيم «داعش».
كما أن النغمة الجديدة التي بدأت تطغى على الإعلام العراقي، تتمثل في الخشية على تشجيع التقسيم الطائفي للعراق، وهو الأمر الذي سينتج دولتين أخريين إلى جانب الإقليم الكردي، الأولى للشيعة والثانية للسنة.
دولة سنية وأخرى شيعية ليست فكرة مذمومة لدى قطاعات من العراقيين، الذين وجدوا الكثير من الأسباب المقنعة للتفكير في هذه النوعية من الحلول، بعد تجربتهم المخيبة مع بريمر ومن بعده نوري المالكي، ويبدو أن القصة وما فيها لا تتعدى أساساً الوزن الاقتصادي للإقليم وثروته النفطية، ولو تخلى الأكراد عن كركوك ربما، أو غالباً، ستخفت الحمية العراقية التي يبديها البرلمان، بتفويضاته المستمرة لحيدر العبادي من أجل إسقاط الاستفتاء وإخضاع الإقليم للعراق الاتحادي.
التهديد من الجنوب لا يثير قلقاً كردياً فعلياً، فمع أن الولايات المتحدة عارضت الاستفتاء، إلا أنها لن تدعم بغداد لإعادة الإقليم بأي طريقة تتخطى ماراثون التصريحات السياسية والإجراءات الاقتصادية، أما في الشمال فإن تركيا تستعرض الخيارات والتصعيد المحسوب، وسيكون عليها أن تلتزم بمزيد من الحذر، بعد أن أعلنت إيران وسوريا تحفظهما على الاستفتاء الكردي، وبالتالي على نتائجه، وهذه النوعية من المواقف تعطي أصحابها مجالاً واسعاً للمناورة، بينما ستعاني تركيا من أسئلة صعبة تنتظر الإجابات الإجبارية، ويبقى لكردستان الحليف الصاعد الجديد في تل أبيب.
وإذ تقف كردستان العراق اليوم في نقطة الالتقاء الحرجة بين ثلاثة أعراق قومية المزاج، فإنها لا تكترث ولا تأبه لما يمكن أن يوصف بالغضب العربي، لأنه خامل وغير قابل للاشتعال. أما تركيا وإيران فمن المرجح أن تمثل كردستان أرضاً فاصلة تؤجل صراعاً من مصلحة الطرفين أن يظل نائماً ما أمكن، ولذلك فهذه التناقضات يمكن أن تعطي الفرصة للأكراد من أجل المناورة.
بأفول حقبة تنظيم «داعش» يبدو أن حروب الأديان والطوائف أخذت تتراجع في المنطقة، وأن الأعراق ستكون عنواناً لصراع جديد، وهذه النقطة تصب في مصلحة إسرائيل، التي يمكن أن تمرر يهودية الدولة في ظل الخروج من مأزق دولة يهودية في محيط إسلامي معاد، وبذلك ستختلط الأوراق كما يحدث دائماً لمصلحة إسرائيل، والعرق اليهودي المزعوم، الذي يتقن توظيف نفسه في مثل هذه الظروف، سيجد فرصاً ذهبية تتدلى من جبال كردستان، ولذلك فإن وكلاء القلق والتوتر الذين رفعوا راية الإسلام المتطرف، لن يعدموا الوسيلة من أجل إعادة إنتاج أنفسهم في تناقض جديد، وبحيث تصبح العرقية العربية المتعبة والمشتتة، بكل ما تحمله أصلاً من أسئلة حول جدواها أمام الهويات الفرعية ومشاريعها المحلية، مجرد خصم لا يستحق الكثير من الاهتمام. يتوقع في موازاة الخطوة الكردية أن يتصاعد إيقاع التسوية مع اسرائيل، فما يحدث في العراق اليوم يمكن أن يطبق في دول عربية أخرى، ومن يضمن ألا تكون الخطوة الكردية ملهمة للأمازيغ لاستغلال شيخوخة الدولة الجزائرية، أما ليبيا فالوضع أصلاً برسم التدهور لنموذج الأقاليم المستقلة في أي لحظة، والمغرب تلحق به زائدة الصحراء التي يمكن أن تبدأ آلامها بين وقت وآخر، واليمن يحث الخطى نحو البتر بين الشمال والجنوب، وحتى لبنان بمساحته الصغيرة قابل للانقسام والتشظي، فلا يشترط أن يكون جنوب السودان بالأمس، وكردستان اليوم مجرد مشاريع منفصلة، ولا يوجد ما يجعل المتابع يستبعد، ومن دون أن يتورط في نظرية المؤامرة.
إن الأمر في إطار إعادة تشكيل جوهرية للمنطقة، والسوابق التاريخية موجودة وليست بعيدة على الإطلاق، فكان من نتائج التخلص من الشيوعية أن تختفي من على الخريطة دول ذات وزن وتأثير مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، كما أن الشبق الانفصالي يعيد تكرار نفسه في ظروف التأزم الاقتصادي، وتهالك الشعارات القديمة، والأمر يحدث في إسبانيا وبلجيكا اليوم.
ليس من الحكمة في شيء أن يتمسك العرب بالخرائط القديمة التي لا تعبر إلا في حالات قليلة عن وقائع جغرافية واضحة، ولكن من الحماقة بمكان أن يتواصل إنتاج الدول الفاشلة التي لا يمكن أن تستمر من دون أن تتوزع في خانات التبعية المختلفة بحيث تصبح الوصاية، وهي النوع الجديد من الاستعمار غير المكلف والخالي من المخاطر تقريباً، واقعاً لا يمكن تجنبه. الصراعات العرقية المحتملة بعد استنفاد الطائفية والمذهبية لأهدافهما، من المتوقع أن تحدث آثاراً ارتدادية بتعصب عرقي يحصن الهوية الخاصة، بما يسمى بالعرق العربي الذي يقف على ثقافة تتبع الأجداد والأصول، حتى لتبدو أحياناً متوطنة كأحد عوارض الارتهان للماضي، ولذلك فإن تحييد، أو عدم تحييد، مصر بوصفها الفاصل بين عرب الشرق والغرب سيعد أحد العوامل الحاسمة في خلق حالة من المناعة ضد عدوى الاستقلال (الانفصال) الكردي، ومع أن مصر أعلنت عن موقفها الرافض للاستفتاء الكردي، إلا أن ذلك لم يعلن عن فكر قومي عروبي، ولكن أظهر دفاعاً عن العراق بوصفه نموذجا للبيروقراطية المركزية، التي تحرص مصر على إبقائه في المنطقة، ويشكل ثالث أضلاع النموذج الكلاسيكي العربي في الحكم مع سوريا، وربما تخشى مصر أيضاً من أن تصبح الخطوة الكردية ملهمة لقبائل سيناء أو النوبة، أو حتى الأقباط في بعض المواقع لأن يضغطوا بسياسة الأمر الواقع أو السلوك الانتحاري على القاهرة ومؤسساتها.
أفلت السهم من القوس، وبارزاني اليوم يؤكد على ظاهرة ربما تستدعي دراسة سيكولوجية للرجال قصار القامة، وقدرتهم الاستثنائية على الصمود والمكابرة أو المعاندة مع حس المغامرة وغريزة المفاجأة، ومع اختلاف الفوارق والظروف والأشخاص يمكن استحضار ستالين وبن غوريون وياسر عرفات والملك الحسين، ومن قبلهم جميعاً جنرال التاريخ الفرنسي نابليون، ولكن ما يدفع للتشكك في هذه التأملات هو رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي الذي أشبعهم شتماً وتركهم يظفرون بالإبل.
كاتب أردني

كردستان… الانتقال إلى تصريف الفعل المضارع

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية