يقول لنا نقادنا الأشاوس ومنذ عصور غابرة إن الوقوف على الأطلال سنة شعرية، ويقولون لنا إنها جزء من شيء سماه أجدادنا العمود الشعري فسلمنا لهم بتسميتهم وأخذناها عنهم فرحين مستبشرين، وصرنا حين نعتلي منصة التدريس نحدث طلاب عصرنا عن شيء لا يفقهونه كثيرا اسمه: الأطلال؛ نحدثهم عنه بلسان عربي مبين كأننا خبرناه عيانا وعرفناه سماعا.
فنقول لهم إن وقوف الشاعر على الأطلال كان لذكر الحبيبة الظاعنة، بدون أن نقول لهم غالبا لمَ ظعنت؛ ونحدثهم عن أطلال مكوناتُها بسيطة حقيرة إذْ تتألف من رماد ومن «بَعَر الآرام» هم الذين لا يعرفون الرماد، إلا قليلا ولا يعرفون الآرام اسما ولا حتى مسمى، ولا يستسيغون بعرها إن اكتشفوا ما يكون. ونصوّر لهم حُرقة الشاعر، وهو يكتشف أن حبيبته رحلت مع قومها إلى وجهة غير معلومة ولم تترك إلا رسما يوشك أن يندرس، نصور لهم ذلك ونعلم أنهم يمكن أن يخاطبوا حبيباتهم القريبات بنقرة بسيطة على الهاتف الخلوي، أو يرينهن في آناء الليل ويسمعنهن في أطراف النهار. كم هو غريب هذا المدرس الذي يفتح كتابه أو أوراقه ويتلو أفكاره هذه القديمة، وهو يلبس «الجينز» أو ربطة العنق، يتلوها على مسامع شباب يحنقون على حالهم كيف يتركون حرب النجوم والأفلام العاطفية المتقنة ووسائطها السهلة ويستخدمون وسائط تقليدية تحكي لهم عن أطلال نصفها رماد ونصفها بَعَر.
ليس علينا أن نغلق الأبواب على تراثنا الشعري ونتركه بدعوى أن الزمان عفا عليه فهذا ما لا أعنيه من قولي السابق ولا أعني أن العربية ينبغي أن تدرس بوسائط حديثة (يا حبذا لو حدث ذلك) لكني أعني أن مناهجنا هي التي ينبغي أن تتجدد وتجدد أفكارنا عن التراث. المقترح في هذا السياق أن نتوقف عن أن نُعامل مَقطع الطلل باعتباره مقطعا دلاليا يستشف المعنى فيه من توليف العبارات اللغوية المستقلة عن دلالات الأشياء؛ وعلينا أن ننظر إلى المعنى- كما يرى ذلك شارل بيرس- على أنه استعمال للأشياء والأدوات التي سَاهمت في إنتاجه. ففي قولنا إن الطلل هو أثر للحبيبة وأنه يبكيها عليه وغير ذلك من الكلام، إعادة لا روح فيها للمعنى، أي هو بشكل أو بآخر وصف حَشَوِي يشبه تفسير الماء بالماء. لكن القراءة السيميائية هي قراءة لا تقول ما هو الشيء وما وظيفته، ولا حتى ما هي رموزه، بل ترى فيه أدوات ووسائل نظامية تفاعلت في ما بينها لتُنتج المعنى. فبَعر الآرام والرماد مثلا هما علامتان تتفاعلان في ما بينهما لا لإنتاج خطاب الطلل، بل لإنتاج الطلل بما هو واقع. فالرماد مثلا هو أثر مُحيل على النار والبعر أثر محيل على الظباء البيض؛ وهذا يعني أن علامتين من علامات الأطلال تعملان هنا عملا إحاليا واحدا: هما أثران لهما دور إحالي على ما كان يحدث قبل زمن الطلل: نار موقدة وغزال يجاور بالإقامة الحبيبة أو يجاورها بالجمال، ولا يمكن للطلل أن يعمل بمكونيه المذكورين دون مكونيه غير المذكورين، وبهذا العمل يصبح الطلل علامة كبرى على صيرورة الحياة والجمال والحضور إلى ما يقابلها: الموت والقبح والغياب.
قراءتنا العلامية للطلل لا توصلنا إلى دلالة العبارات والتوليف بينها، كما في أي مسار دلالي حَشَوي يهدف إلى أن نمارس فعل قراءة الخطاب؛ بل تهدف إلى إعادة إنتاجه بما هو واقع معيش. يمكن أن ندرس الأطلال بتوظيف سيميائية الفضاء التي لا تقتضي منا أن ننظر إلى الأفكار التي تقال عن الأطلال باعتبارها موضوعا أو خطابا حول الفضاء، بل أن ننظر أيضا في ذلك الخطاب عن الفضاء المنتج بالفعل. ويرى لوفافر أن تفكيك رمز الفضاء لا يكون باعتباره مجرد وسيلة قراءة، أو تفسير له، بل سيكون بدلا من ذلك وسيلة للعيش في ذلك الفضاء، تمكن من فهمه وإنتاجه. وهذا يعني أن نقدنا اعتبر الأطلال مجرد وسيلة قراءة وقلما اعتبره فضاء يمكن فهمه وكذلك العيش فيه. المشكلة عند لوفافر هي في كيفية ربط المعيشة والإنتاج مع الفهم. غالبا ما يقتصر الفهم على التفكير عبر التصورات، وهذا يعني في موضوع الأطلال أن سعينا إلى الفهم جعلنا أسيري مقولات نقدية بعينها وجهت تصورنا للطلل، وخلقت نوعا من الغربة بين الدارس وموضوع الدرس؛ فصرنا نرى العالم من خلال متصورات نقدية لا تعني الرائي كثيرا. والفجوة بين المتصور والمعيش تكبر في كل مرة. إن المعيش في الأطلال عاشه العاشق الواقف مع رفيقيه بشكل كان للجسد دور كبير في إدراكه وفي إنتاجه.
الحركة المركزية للجسد المدرك للأطلال هي حركة الوقوف: في الفعل الطرازي المعلن عنه «قفا»: وهو وقوف ثلاثي جماعي وحين يقف الجسد يكون وقوفه عن الحركة الفيزيائية بداية لعملية ذهنية إدراكية تسمى «المَسْحَ»، وهي عملية تتطلب أن يقارن بين شيء مُدْرك في زمنين: زمن كان فيه الطلل حياة وجمالا وحضورا، وزمان صار فيه إلى النقيض. لكن التوقف ووفق طالع امرئ القيس كان بعد رحلة بحث عن فضاء هندسي بؤري، هو مكان الطلل في فضاء محيطي أوسع منه هو الفضاء الطبيعي الحاوي للطلل. يقول:»قفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل». هكذا كانت حركة البحث عن رسم داخل مكان طبيعي مبهم أو واسع أو غير ثابت فالمِقْرَاةُ مثلا هي في بعض الشروح «غدير يجتمع فيه الماء» في محيط قلما يجتمع فيه الماء. فيقترن المكان الطللي باللحظة الزمنية التي تدركها فيها ثلاثة أجسام واقفة تنظر إلى هذه التفاصيل الصغيرة التي كانت قبل الارتحال والظعن عناصر جوهرية كبيره في مشهد حي موسع: المرأة/ الغزال والنار /الحياة بجميع لذائذها.نحن نعيش بهذه التقنية الإدراكية التي هي المسح إعادة بناء فضاء حي بمكوناته وبمحيطه وبمركزه (المرأة) انطلاقا من علاماته المحيطية (بعر الآرام في عرصاتها كأنها حب فلفل). إن هناك حركة إدراكية ذاهبة من المركز (الحي ـ المرأة ـ الناقة) إلى المحيط (عرصات الحي ، بعر الناقة) وذاهبة من الأكبر باتجاه الأصغر فالدقيق (الآرام فبعر الآرام فحب الفلفل): هناك تصغير للموجودات حتى تصبح علامات على كون نشأ كبيرا وتضاءل.
وقد يكون إدراك الطلل من خلال الجسد بضرب آخر من المسح يسمى فنيا التشبيه: فطرفة بن العبد مثلا يشبه الأطلال بالوشم، ذلك أن رسومه (تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد). المسْح يقارن هنا بين الوشم بما هو تعبيرة علامية جمالية أسطورية، والرسم بما هو علامات دالة على كون متضائل. لكن الرسم في الطلل يمكن أن يطرح ما يطرحه الوشم في اليد: هل نتعامل معه على أنه علامات جمالية أم على أنه علامات أسطورية؟ بعبارة أخرى هل العلامات في الأطلال بمكوناته الجزئية الموزعة على الفضاء المفتوح تعامل على أنها ذات توزيع جمالي اعتباطي أم على أنها ذات ثقل أسطوري غابت حيثياته؟ بعبارة أبسط: هل الأطلال أسطوريا لها وزن كباقي الوشم في اليد أو وزنها العلامي أكثر؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة