نُذُرُ أزمة اقتصادية قد تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي

حجم الخط
2

في أواخر تسعينات القرن الماضي كانت الجزائر من البلدان القليلة التي سددت كافة ديونها الخارجية، لا بل وعرضت على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إقراضهما إن كانا في حاجة للمال. أما اليوم فهي تتجه للاستدانة من الأسواق الدولية لتغطية العجز المتزايد في ميزان المدفوعات. ماذا حدث في أقل من عشرين سنة كي يتغير المشهد من النقيض إلى نقيضه؟
تُواجه الجزائر نذُر أزمة اقتصادية مع استمرار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، والذي يشكل 95 في المئة من إيرادات البلد. وعلى الرغم من توالي أزمات سابقة مرتبطة بتقلبات أسعار النفط، لم تتغير بنية الاقتصاد، لاسيما أن الثروة الزراعية كان يُمكن أن تحد من الاستيراد، لا بل وتُحول البلد إلى مُصدر للمنتجات الزراعية. وبسبب تراجع الإيرادات النفطية قدرت الحكومة حجم العجز في الموازنة بـ 9 في المئة من الدخل الوطني الخام. وتقول الحكومة إنها تسعى للعودة إلى التوازن في غضون خمس سنوات، إلا أن الخبراء الاقتصاديين يشككون في إمكانات استعادة التوازن في مستقبل قريب. كما تسعى السلطات لتوفير الأموال اللازمة لتسديد الديون المتراكمة على الحكومة. وسيتعين عليها أن تنفق 400 مليار دينار (نحو 40 مليار دولار) لتسديد الديون المُستحقة لمؤسسات محلية وأجنبية تملك سندات ديون.
وبالنظر إلى ما أدى إليه خفض الموازنات من اضطرابات وخلخلة للوضع الاجتماعي في أوقات سابقة، تبدو السلطات حريصة على تفادي مثل تلك الانزلاقات بالمحافظة على الموازنات الاجتماعية، بالرغم من الضائقة الاقتصادية، إذ سترتفع الاعتمادات المخصصة للنفقات الاجتماعية في العام المقبل، إلى 1.760 مليار دينار (176 مليون دولار) أي بزيادة نسبتها 8 في المئة عن حجمها في العام الجاري. وستُوجه تلك الاعتمادات إلى دعم الأسر المُعوزة وتحسين المساكن وتعزيز المنشآت الصحية، وكذلك إلى دعم أسعار المواد الأساسية، أي القمح والسكر واللبن والزيوت الغذائية.

علاج جديد؟

ومن المسائل المؤرقة لحكومة أحمد أويحيى أنها مُجبرة على العمل على تجميع 500 مليار دينار (حوالي 50 مليار دولار) قبل حلول شهر تشرين الثاني (نوفمبر) للتمكن من قفل موازنة 2017. وفي هذا السياق اعتمد مجلس الوزراء خلال هذا الشهر علاجا جديدا تمثل بتعديل قانون العملة والقروض، وهو شرط ضروري من الناحية القانونية قبل اللجوء إلى «التمويل غير التقليدي» من أجل تسديد ديون مُستحقة. أما العلاج الثاني الذي تتجه الحكومة إلى اعتماده فيتمثل في تعديل قانون النفط قبل نهاية العام الجاري، بُغية استقطاب استثمارات أجنبية تساهم في إنعاش الاقتصاد المتعثر. ومهدت لهذه الخطوة انتقادات لاذعة للثغرات التي قيل إنها موجودة في القانون الحالي. وكان عبد المؤمن ولد قدور رئيس مجلس إدارة مجموعة «سونتراك» النفطية انتقد أخيرا عدم تلاؤم القانون الحالي مع التطورات التي أبصرها قطاع المحروقات في العالم ولا مع الأهداف التنموية التي يتضمنها القانون نفسه على ما قال.
وحض ولد قدور على الإسراع بإدخال «إصلاحات عميقة» عليه. ويتوقع المسؤولون أن تُحفز تلك التعديلات مستثمرين أجانب على المجيء للاستثمار في الجزائر، ما يؤدي لتكثيف الاستخراج من خلال استكشاف حقول جديدة، وإعطاء ضوء أخضر للمجموعات الراغبة باستثمار غاز الشيست، وهو نشاط لا يتعرض له قانون المحروقات الحالي. ويقول أعضاء في الحكومة الجزائرية إن تكثيف استثمار مصادر النفط والغاز سيزيد من حجم الصادرات ويُعوض عن تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية. ويرمي قانون العملة والقروض المُعدل أخيرا، والذي سيتم تنفيذه في غضون الخمس سنوات المقبلة، إلى تمكين الحكومة من الاقتراض من بنك الجزائر (المصرف المركزي) لمجابهة العجز المتوقع في الموازنة وتسديد الديون المستحقة لمصارف ومؤسسات عمومية محلية، وضخ أموال في «الصندوق الوطني للاستثمار». وتعهد أويحيى أمام أعضاء البرلمان بالاستمرار في العمل على تحويل بعض تلك الديون إلى استثمارات، إلى جانب ترشيد النفقات العمومية للوصول إلى تحقيق التوازن بين الايرادات والنفقات في الموازنة. ولوحظ أن الحكومة لجأت لتخويف الرأي العام من تداعيات أي موقف رافض للاقتراض من بنك الجزائر، مؤكدة أن الوضع الاقتصادي سيء وأنه يحتاج إجراءات غير مسبوقة، مستدلا بتجارب مماثلة من اليابان وبريطانيا والولايات المتحدة.

قبل 29 سنة

يُعتبر تراجع أسعار النفط تحديا بالغ الحساسية لأي حكومة في الجزائر، لأن تأثيراته يمكن أن تهز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، على غرار ما حدث قبل ثلاثة عقود عندما أدى انهيار أسعار النفط في الثمانينات إلى انتفاضة واسعة ضد حكم الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1988، وإقرار التعددية السياسية وتكريس حرية الإعلام. لكن على الرغم من توالي حكومات تكنوقراطية طيلة التسعينات لم توضع خطط لتنويع مصادر الدخل، فيما نمت فئات طفيلية استفادت من تفكيك المؤسسات العمومية، وربطت علاقات متينة مع قيادات عسكرية لتحتكرا معا أسواق الاستيراد.
وأقرت الجزائر في الفترة الأخيرة تشجيعات جبائية جديدة لتنشيط الصناعة عن طريق السماح باستيراد قطع وتجميعها في مصانع محلية، إلا أن نسبة الادماج في هذه المصانع لم تتجاوز 20 في المئة، ما جعل وزير الصناعة والمناجم محجوب بدة يعتبر العملية استيرادا مُقنعا للتخلص من تسديد ضريبة الاستيراد. وتشير الإحصاءات الصادرة من الحكومة إلى أن العجز التجاري بلغ 20 مليار دولار، فيما تجاوز عجز ميزان المدفوعات 26 مليار دولار، غير أن رئيس الحكومة أحمد أويحيى يُقلل من خطورة هذه المؤشرات مُعتمدا على حجم الاحتياط المراكم من العملات الدولية، الذي قال إنه «ضمانة لاستقلال الاقتصاد الوطني». غير أن ذاك الاحتياط ما انفك يضمر إذ تراجع من 193 مليار دولار في أيار (مايو) 2014 إلى 105 مليار دولار في شباط (فبراير) 2017، ما يُؤشر إلى ان السنة المقبلة ستكون أعسر من الحالية على الصعيد الاقتصادي. ويُرجح خبراء ماليون أن غياب حلول عاجلة لتصحيح العجز سيؤدي إلى عدم قدرة الحكومة على تأمين النفقات الاجتماعية، مع ما يمكن أن يجره ذلك من استتباعات على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، أو لجوئها إلى الاقتراض من السوق الدولية، مع أنها ستكون غير قادرة على تسديد خدمة الدين في الأمد المتوسط، وستُضطر إلى مزيد من الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية، مقابل إجراءات تقشفية غير شعبية أسوة بالإجراءات التي أدت إلى انتفاضة 1988. 

العملة الدنيا

ويتفاقم هذا الوضع مع تراجع قيمة الدينار الجزائري لاسيما إزاء الدولار الأمريكي واليورو، إذ بات اليورو الواحد يُعادل في المعاملات الرسمية 129.39 دينار، أما الدولار الأمريكي الواحد فيعادل 109.71 دينارا، بغض الطرف عن قيمته المتدنية في السوق الموازية التي تخضع لمعايير أخرى. ويُعتبر الدينار الجزائري الأدنى قيمة قياسا على العملات المغاربية الأخرى بما فيها الدينار التونسي والدينار الليبي. وتُلقي هذه المعضلة بظلالها على القدرة الشرائية للمواطنين، إذ يؤدي تراجع قيمة العملة المحلية إلى ارتفاع الأسعار، وخاصة أسعار المنتجات المستوردة، وزيادة التضخم، ما يُهدد في دوره الاستقرار الاجتماعي والسياسي. قصارى القول إن مفتاح الاستقرار السياسي يتمثل في إيجاد حلول للتحديات الاقتصادية الكبيرة التي يُجابهها البلد، من دون اللجوء إلى الاقتراض من السوق الدولية بأحجام كبيرة، لأن هذا الخيار لن يزيد الوضع إلا تعقيدا وعُسرا.

نُذُرُ أزمة اقتصادية قد تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي

رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية