الحكومة ترفع شعار «إبدع… إنطلق» في مؤتمرات الشباب وتحجب مئات المواقع الإلكترونية التي تختلف معها فكريا

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : استمرت جميع الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 10 أكتوبر/تشرين الأول تخصيص كل صفحاتها تقريبا للحديث عن فوز منتخب مصر لكرة القدم على الكونغو، والتأهل لمونديال روسيا العام المقبل، سواء في شكل تحقيقات وأحاديث، أو مقالات وتعليقات لم تقتصر على المحررين والمعلقين الرياضيين، إنما على جميع الكتاب وأصحاب الأعمدة اليومية والمقالات. وكان طبيعيا أن تبتعد تعليقاتهم عن سير المباراة، إلى تناول أثارها النفسية والسياسية وفرحة عشرات الملايين الذين نزلوا في جميع المدن إلى الشوارع والميادين للاحتفال بالفوز، بدون أي اعتراض من الشرطة، ولم يقع أي حادث منهم، واعتبار ذلك دليلا على ثقة النظام في نفسه وفي الجماهير. وكذلك السخرية من الذين تنبأوا بأن النظام لن يسمح لهم بالاحتفال في الميادين. كما استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي أعضاء المنتخب ووجه لهم الشكر ثم شكر محمد صلاح الذي أحرز الهدفين وإدخاله السرور إلى قلوب أبناء الشعب.
ولوحظ أن الكثير من التعليقات ومانشيتات بعض الصحف أعطت بعدا دينيا للمباراة وفيها مبالغات غير مقبولة بالمرة وخطيرة، فمثلا كان مانشيت جريدة «عقيدتي» هو، «محمد صلاح عاشق القرآن يقود مصر إلى المونديال». والمشكلة هنا أنه يمكن التجاوز عن هذا الوصف عندما نفوز بكأس البطولة ونهزم الفرق التي سنقابلها، بينما الحقيقة أننا سنواجه منتخبات قوية لن نستطيع الفوز عليها، فهل معنى ذلك أن الكفرة انتصروا على فريق المسلمين المؤمنين؟ أيضا كان مانشيت جريدة «روز اليوسف» هو «من يقدر عليكِ يا مصر؟» وهناك من سيقدر على منتخب مصر ويهزمه ويخرجه من البطولة، فهل ذلك هزيمة لبلادنا ونظامها؟
طبعا كلنا نتمني لو فزنا بالكأس، ولكن هذا الشطط سيؤدي إلى حالة نفسية غير مريحة في حالة الهزيمة.
ومن الأخبار الأخرى التي وردت في صحف أمس، عملية التصويت في المكتب التنفيذي لليونسكو وجاء ترتيب المرشح القطري أولا والفرنسية ثانيا ومشيرة خطاب ثالثا، في الجولة الأولى، بدون أن يحقق أحدهم الأغلبية، وذلك في انتظار جولات أخرى.
وأشارت الصحف إلى تكريم الرئيس لعدد من أبطال حرب أكتوبر وأسرهم وللسيدة جيهان السادات، التي ألقت كلمة وظهرت كالعادة ثابتة ومتمكنة وأنيقة، ولا تزال الكتابات تتوالى على شكل صور ومقالات وتحقيقات وأحاديث عن انتصارات الجيش في حرب أكتوبر وعبوره أكبر مانع مائي في التاريخ بإمكانيات عسكرية أقل كفاءة مما لدى الجيش الاسرائيلي، وإنزال الهزيمة الساحقة به في الأيام العشرة الأوائل من الحرب. وإلى ما عندنا من أخبار متنوعة.

صلاح والمونديال

ونبدأ بالموضوع الذي يستحوذ على اهتمامات الأغلبية الساحقة، وهو فوز مصر على الكونغو والتأهل لمونديال روسيا، ففي الصفحة الأخيرة من «الأخبار» كانت يوميات فرج أبو العز بعنوان «صلاح قلب الأسد» وقال في إحدى فقراتها: «إشارات كثيرة جعلتني لم أشك لحظة في أن عناية الله تعالى ستحملنا إلى مونديال روسيا 2018، رغم الظروف القاسية التي واجهها لاعبونا و104 ملايين مصري بعد هدف التعادل المفاجئ، الذي لا يصد ولا يرد لمنتخب الكونغو في الدقائق الأخيرة لمباراة الحلم المونديالي، دموع الشاب المصري الذي ظهر على الشاشات لحظة التعادل كانت كافية لتفتح أبواب السماء لينطق كل المصريين في أرجاء مصر والخارج يا رب تنصرنا شفاعة لدموع هذا الشاب، الذي لم يتمالك نفسه وخرّ دامعا محتميا بعلم بلاده، بينما انطلق الجميع بالدعاء لرب العالمين. وقفة صلاح الذي أمسك بالكرة واستحلفها بالله رب العالمين ألا تخذله، ولا بد أنه حادث معشوقته المستديرة، بأن ضربة الجزاء التي تصدى لتسديدها ليست كأي ضربة، بل ضربة تحمل أحلام شعب بأكمله تملكه حلم الوصول لكأس العالم بعد حرمان دام لنحو 28 عاما، بعد أن هبت عدالة السماء على ستاد برج العرب خرج المصريون عن بكرة أبيهم في أفراح واحتفالات امتدت حتى الصباح، وستستمر لحين انطلاقة بداية المونديال. أشكرك يا رب على نعمتك فقد أسبغت رحمتك وعنايتك على شعب عظيم ذي حضارة عريقة، في أشد الاحتياج لفرحة تعينه على تحدياته. شكرا للاعبين الأبطال الذين قاموا حتى آخر ثانية، شكرا للجمهور العظيم الذي تحمل مشاق الذهاب للاستاد منذ العاشرة صباحا لمساندة منتخبه الوطني. وشكرا لأجهزة الدولة التي ساندت المنتخب ويسرت كل أمور مشاهدة كبيرة واسعة للمباراة الحلم، وشكرا للرئيس السيسي الذي بادر فور الانتصار بتهنئة المنتخب لاعبين وإدارة فنية وكذلك الشعب بالعبور للمونديال».

إخلاص النية

وفي الصفحة العاشرة من «الأهرام» قال جميل عفيفي في بابه «نظرة استراتيجية» تحت عنوان «28 عاما انتظرناك تكبر»: «28 عاما جلس الشعب المصري ينتظر ذلك الطفل ليولد، ثم بدأ ينظر إلى مراحل طفولته وصباه وشبابه ينتظر ذلك الطفل ليكبر، وبعد 27 عاما استطاع ذلك الطفل الذي انتظرته الملايين أن يحقق النصر ويصل بالمنتخب المصري إلى كأس العالم في روسيا، انه اللاعب الأسطوري محمد صلاح. انتظرناه طويلا ذلك الفتى ليرسم على وجه المصريين الفرحة والسعادة التي غابت كثيرا، حقق ما فشل فيه الكثيرون من قبله، ورغم صغر سنه حمل على كتفيه مسؤولية جسيمة وهي إسعاد 100 مليون مصري، ولو كان جانبه الحظ لسادت التعاسة والحزن بين أطياف الشعب المختلفة. محمد صلاح قصة حقيقية ونموذج واضح للنجاح. بالإصرار والعزيمة والمثابرة استطاع أن يحقق لنفسه نجاحات لم يحققها أحد من قبله، كما إنه استطاع أن يحقق لبلده الكثير والكثير، ولم يبخل عنها أبدا وكان مخلص النية لذا كان نجاحه باهرا. إن الحديث عن هذا الأسطورة سيطول لسنوات وسنوات، وستتناقل سيرته ومسيرته الأجيال من المصريين والعرب، بل دول العالم المهتمة بكرة القدم، عن هذا الفتى المتواضع والمخلص والشريف. والسؤال هنا لماذا لا يتخذ الشباب المصري محمد صلاح نموذجا في حياتهم، ليس في كرة القدم فقط، ولكن في جميع مناحي الحياة، فكيف هذا اللاعب أصر على أن يصل إلى العالمية ويخوض العديد من التجارب ليصل إلى الهدف الذي يطمح إليه، ولماذا يجلس الشباب يندبون حظهم على المقاهي بدون أن يبذلوا أي مجهود ويرغبون في أن تصل الفرصة إليهم، بدون أن يسعوا هم لها. أعتقد إذا أخلص الشباب المصري في عملهم ووضعوا هدفا نصب أعينهم سيتم تحقيقه، وبالطبع سيعود ذلك بالنفع على الدولة والشعب كل في مجاله كما فعل صلاح في مجاله وحقق هدفه وهدف الشعب المصري».

لا فروق بين الجميع

وأخيرا إلى الصفحة الأخيرة من «الشروق» ومقال الدكتور زياد بهاء الدين وكان عنوانه «عن السعادة الكروية» وقوله فيه: «طوال الساعات التالية كان الشعور العام أن مصر أعادت اكتشاف سمات ومشاعر كثيرة افتقدناها في الآونة الأخيرة، وهكذا احتفل الناس في بيوتهم وفي الشوارع والميادين وعلى المقاهي، وفي قرارة أنفسهم بشكل صاخب أحيانا وخافت وبسيط في معظم الأحوال، كل بطريقته وكل بما ينسجم مع طبيعته والاحتفالات التي أعقبت الفوز كانت للجميع بلا تفرقة ولا تمييز وبلا كراهية ولا أحقاد، وخلال الساعات التالية الجميلة لم يفكر المبتهجون فيمن يكون مسلما ومن يكون مسيحيا، ولم يخطر على بال أحد أن يستنكر مشاركة الفتيات في التشجيع والابتهاج، أو يعتبر ذلك خروجا على الأصول والآداب العامة، ولم يسخر أحد من ذي اللهجة الصعيدية أو الإسكندرانية أو الأسوانية، ولم يفكر المحتفلون في الشوارع ما إذا كان من يقف بجوارهم من نظام مبارك أم من شباب الثورة، أو من ذوي الميول الإسلامية أو المدنية، أو غيرها. حتى الدولة التي لا تقبل أو تسمح بتجمعات الشباب من أي نوع خاصة في ميدان التحرير رفعت يدها عنهم مساء الأحد، وتركتهم يعبرون عن سعادتهم ويتنفسون نسيم الحرية ولو لساعات قليلة، هذه السعادة الكروية ليست ظاهرة مصرية فريدة، بل تعرفها معظم بلدان العالم، إلا من كان منها واقعا تحت سحر رياضة جماعية أخرى، ولهذه السعادة أسباب معروفة: إن كرة القدم لعبة ديمقراطية يلعبها الجميع، سواء في نادٍ خاص أو في الشارع، وسواء بأحذية وملابس غالية، أم بالأقدام الحافية، وإنها رياضة تسمح لكل شخص بالمشاركة بطريقة ما، سواء باللعب أم بالمشاهدة، أم بإبداء الرأي وإنها مجال يمتاز بالشفافية الكاملة؛ لأن اللاعبين ليست في حياتهم أسرار، بل كل واحد معروف الموطن والمنشأ والسكن والدخل، ومتى تزوج ومن أنجب وبأى ثمن تم بيعه من نادٍ إلى آخر، ولأنها ساحة للتنافس لا تنفع فيها الواسطة ولا المحسوبية ولا معرفة المسؤولين ذوي النفوذ لأن الجمهور لا يرحم من لا يلعب بحماس ومهارة، لكل هذا فإن السعادة التي يجلبها الفوز في مباريات كروية كبرى تجد مصدرها ليس فقط في الشعور بالتفوق والنخوة الوطنية، بل في قناعة كل فرد من الجمهور بأنه كان مشاركا بطريقة ما، وإنه جزء من النصر الذي تحقق وصاحب الدعوة في الاحتفالات التي تجري في الشوارع، وليس مجرد متفرج. لا أود إفساد هذه المناسبة السعيدة بتحويلها إلى قضية سياسية حتى لا نفقد بهجة اللحظة، ولكن دعونا نتذكر أن هذه السعادة الكروية كما أنها حقيقية وصادقة وجامعة، فإنها أيضا لا تدوم طويلا، وسرعان ما تحل محلها مصاعب وتحديات الحياة اليومية وهموم المستقبل، ولذلك فالأهم من الاستمتاع بها للحظات أو ساعات قليلة هو التفكير في ما يعيد للمجتمع تلاحمه وتماسكه ويعيد للشباب حماسه ورغبته في المشاركة، ويساعدنا على تجاوز حالة التوجس والانقسام التي نجح فريقنا القومي ونجح محمد صلاح في مساعدتنا على تجاوزها ولو لفترة وجيزة».

الثقة المفقودة

ومن كرة القدم إلى مي عزام في «البديل» ومقالها عن الثقة المفقودة بين المصريين والحكومة: «لو كنت مكان النظام الحاكم، لفكرت كثيرا وطويلا قبل بدء إجراءات المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس وما ستسببه من أضرار لمصداقيته أمام العامة. من أخطر الأمور التلاعب بعقل المواطن وعواطفه، مثلما تعلمنا من حكاية راعي الغنم الذي كان يصرخ طالبا العون من أهل قريته لإنقاذ غنمه من الذئب، تكرار صرخات الغوث الكاذبة جعلت أهل القرية لا يستجيبون لصرخاته الاستغاثية حين تعرض قطيعه لاعتداء حقيقي من ذئب. تكرار الأكاذيب يفقدك ثقة مستمعيك، حين تنطق بالحقيقة، منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني وحتى شهور قليلة مضت، كانت حماس منظمة ملعونة في الإعلام المصري، كان يكيل لها التهم، فهي وراء تهريب الإخوان من السجون أثناء ثورة يناير، وضليعة في الحوادث الإرهابية التي تعرض لها جنودنا في سيناء، السلاح والإهاربيون يتم تهريبهم إلى سيناء عن طريق الأنفاق الموجودة في غزة وتحت أعين حماس، كما أن الرئيس الأسبق محمد مرسي ما زال يحاكم بتهمة التخابر مع حماس، وأصدرت محكمة مصرية حكما بتوصيف المنظمة بأنها إرهابية، والإعلاميان اللذان ذهبا لغزة وقابلا إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس هما نفسيهما من تحدثا عن حماس بكل سوء وحملاها دم المصريين الذين استشهدوا في سيناء جراء العمليات الإرهابية الآثمة. هذا التحول بعيدا عن السياسة وتقلباتها يضع النظام المصري والإعلام المحسوب على هذا النظام في مأزق حقيقي، ويفقده المصداقية والمهنية في التعامل مع الأمور، وهذا المأزق لا ينسحب على ما فات ولكن ما هو آت، وما سيؤدي إليه من نتائج سيئة في المستقبل، فحين يصرخ هذا الإعلام الذي يعد صوت السلطة التنفيذية، مستنجدا بالناس حقا وصدقا لن يجد من يصدقه تماما مثلما حدث مع الراعي الكذوب. السلطة التنفيذية تحاول أن تهيمن على كل السلطات في الدولة: التشريعية والقضائية والصحافة والإعلام، في زمن تسعى الدول المتقدمة للتخفف من المركزية، لإعطاء فرص أكبر للإبداع في كل المجالات، فالإبداع هو الثروة والثورة معا، ولكن حكومتنا الرشيدة تسعى لفرض مقاس سرير بروكست على الجميع. هل يمكن للشعب أن يصدق الحكومة التي ترفع شعار «أبدع.. إنطلق» في المؤتمرات التي تنظمها للشباب، وهي في الوقت نفسه تُضيق على الناس حرية التعبير وتحجب مئات المواقع الإلكترونية التي تختلف معها فكريا؟ إذن كيف يكون الإبداع والانطلاق إذا كان الاختلاف فقط ممنوع والمطلوب شعب من الماتركس يتم التحكم فيه عن بعد. كيف يمكن لدولة أن تستقيم أمورها وشعبها لا يثق في حكومته ونظامه الحاكم؟ وهو ما اعتبره حكيم الصين كونفوشيوس أسوأ الأمور على الإطلاق وأخطر من الحروب الخارجية. انهيار الثقة بين الشعب والنظام ينتقل إلى أسفل الهرم، لتعم عدم الثقة بين كافة أطياف الشعب، ليحل الانقسام محل الوئام، وفي ظل ذلك لا تحدثني عن الإصلاح الجريء، أو محاولات ترميم الثقوب بكفالة وكرامة، البداية دائما هي بناء البشر لا الحجر، إلا إذا كان الهدف الخفي هو تحويل الشعب إلى قطع من الحجارة لا حول لها ولا قوة تستخدم في بناء سور العاصمة الإدارية».

جوهر معاناتنا

«حينما تتخطى الأفكار وبعض القرارات كل ما هو عقلاني‏،‏ لا يملك الغالبية سبيلا سوى الاستسلام اليائس أو الجنون بكل ما يمكن أن يسفر عنه من تداعيات‏،‏ أو الغضب الأعمى وغالبا لا تختلف ردود أفعاله كثيرا عن الجنون إلا في تفاصيل صغيرة‏. هذا ما تراه فابيولا بدوي في «الأهرام المسائي»‏. فمنذ فترة طويلة حتى من قبل الإعلان عن فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية، صرح السلفيون بأنهم سوف يخوضونها، وأنهم لا يريدون أي شيء سوى لجنتي الشؤون الدينية والتعليم. وقد حذرنا مما يمكن أن ينتج عن هذا، وأن هذه المطامع ليست بالهينة، فإذا ما تمت السيطرة من قبل السلفيين على هاتين اللجنتين أو إحداهما، ففي هذا خراب فكري ما بعده خراب. ثم دارت الأشهر بل السنوات، ليحظ أحد نواب حزب النور على أمانة سر لجنة التعليم في البرلمان، وليته كان بالتعيين ولكنه كان بالانتخاب، ما يعني أن خطر الانغلاق لا يقف عند عتبة عدد نواب حزب النور أو المنتمين للتيار السلفي، بل يتخطى هذا بكثير. عن أي تحديث في المنظومة التعليمية يمكن أن نتحدث اليوم، وأي مناهج تلك التي سيتم تغييرها؟ مع التحفظ التام على أن تغيير المناهج لا علاقة له بتغيير هذه المنظومة التي تحتاج إلى تجريف كامل وليس مجرد رتوش أو تعديلات، فهي مهترئة من الأساس، وكل ما يمكن أن يبنى على باطل فهو باطل. هل يجد الكثيرون في وجود نائب من حزب النور على قمة لجنة التعليم أمرا عاديا لا يجوز الالتفات إليه؟ كان يمكن أن يمر الأمر، ونتوهم أنه قد قضى مادام بالانتخاب، حال كنا نتوسم خيرا كثيرا وانفتاحا ووسطية لا حد لها في مؤسستنا القائمة على الشؤون الدينية، لأنها حينها ستقف أمام كل محاولة للسيطرة على العقول وتوجيه الأجيال الناشئة إلى وجهات بعينها، ولكن للأسف هذا غير حقيقي بالمرة. يكفي التدليل على ذلك، بلقاء تلفزيوني هذا الأسبوع لعضو في مجمع البحوث الإسلامية حول الأعراف المنتشرة في العديد من المناطق العربية، ترفض توريث المرأة، أو بمعنى أصح منحها حقها الكامل في ميراثها تتصرف به كيفما شاءت. وعلى الرغم من أن المسألة اجتماعية بحتة، إلا أن العصبية ولهجة التعالي على المحدثين الآخرين، والاستهانة المتعمدة بكل الآراء الأخرى، أشارت بوضوح إلى مدى رؤية عدد ليس بالقليل من شيوخنا لتفاهة مناقشة قضية خاصة بحقوق المرأة. الأدهى أن الشيخ أحال كل شيء إلى القضاء وأكد طوال حديثه ضرورة احترام القوانين والاحتكام إليها، حتى وقع في فخ أسقط كل الأقنعة، حينما قالت إحدى المتداخلات أن هناك الكثير مما تغير في مجتمعاتنا، فنحن لا نقطع يد السارق ولا نجلد شارب الخمر ولا يوجد بيننا رق وجوار وعبيد، فمن ثم نحتاج أيضا لوقفة من المؤسسة الدينية لمحاربة هذا الظلم. فما كان من الشيخ الجليل إلا أنه قفز على كل ما كان يتشدق به لينهي النقاش قائلا: لو قطعنا يد سارق واحد لما سرق أحد بعد ذلك، راميا بذلك بكل القوانين عرض الحائط، متهما إياها ضمنيا بأنها السبب المباشر في استمرار السرقة، وبديهي أن نظرته هذه تنسحب على بقية الحدود بدون استثناء. من يمكن أن يخلخل هذه الدائرة التي تكاد تطبق علينا من كل جانب، وكيف يمكننا التخلص من العنف والإرهاب والتشدد والانغلاق، وهذا حال نوابنا وشيوخنا وبعض مسؤولينا؟»

مشيرة واليونسكو

وإذا كانت مصر حققت الفوز على الكونغو وضمنت دخول المونديال فإنها تأمل أيضا في الفوز بمنصب مدير اليونسكو الذي رشحت له السفيرة مشيرة خطاب، وجاء ترتيبها الثالث في الجولة الأولى بعد المرشح القطري والمرشحة الفرنسية، ويداعبها الأمل في الفوز في الجولات المقبلة وهو ما أثار استغراب الدكتورة غادة شريف أستاذة الأورام في كلية الطب في جامعة القاهرة، قالت غادة في مقالها الأسبوعي كل ثلاثاء في «المصري اليوم»: «من سخريات القدر يا حمادة أننا في الوقت الذي ندفع فيه بمرشحة جليلة لمنصب مدير عام اليونسكو، تجد الدولة تقوم بإغلاق بعض سلاسل المكتبات بحجة تمويلها للإخوان، أو احتوائها على كتب تدعو للتطرف، وفات السادة المسؤولون أن المتطرف لا يقرأ! من ناحية أخرى تجد الدولة تتعمد ترك المدارس الحكومية مكدسة بالتلاميذ يجلسون فوق بعضهم بعضا، هذا التربص بالقراءة والتعليم يشعرني بأن دولتنا الحالية سليلة المغول الذين أحرقوا مكتبة بغداد. أحيت سوزان مبارك مكتبة الإسكندرية ودشنت مبادرتي القراءة للجميع ومكتبة الأسرة، أما الآن فكما ترى أن الدولة استحوذت على منافذ الإعلام التي كانت سببا لتثقيفنا في الماضي فحولتها إلى منافذ للترفيه والهشك بشك، في الوقت نفسه الذي تجاهلت فيه سرقة آلاف القطع الأثرية من المتحف ولم تفتح حتى أي تحقيق يسكت العوازل ويفرح القلب الحزين! وبعد كده جاي تقولي يا حمادة أنك تساند مشيرة خطاب لرئاسة منظمة اليونسكو؟ أبقى سلملي على خالتك الست سنية عندما نرى الدولة تغلق المكتبات لن يكون صعبا أن نخمن طريق التخلف الذي تريده الدولة لنا».

حرب أكتوبر

وإلى أبرز ردود الأفعال على ذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول لمدير مكتب عبد الناصر للمعلومات سامي شرف الذي نشر له في «الأهرام» ماهر مقلد يوم الاثنين في عموده «نقطة تحول» في الصفحة السادسة قائلا عنه: «سامي شرف مدير مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للمعلومات يداوم يوميا على قراءة جريدة «الأهرام» وفي مرات عديدة يبدي ملاحظة على معلومة أو يرد بالتعقيب على كاتب رأي تناول في مقاله الفترة الزمنية التي كان فيها مسؤولا عن المعلومات في رئاسة الجمهورية، ويحتفظ بذاكرة قوية ويستدعي الأرقام والتواريخ بشكل يدعو للتأمل، وهو يعيش بكل التفاعل مع حقبة الرئيس جمال عبد الناصر ويدافع عنه بكل الحزم في مواجهة انتقادات الغير، كما لو كان نذر نفسه للدفاع عن قرارات عبد الناصر، هو الوفاء للرئيس الذي عاش معه 17 عاما لا يفارقه إلا في ساعات النوم القليلة، ويعرف عنه أكثر من غيره، بحكم طبيعة العلاقة والعمل والمواقف التي شهد فيها كيف كان يتصرف في المواقف المصيرية؟ أو كيف كان يتعامل مع الضغوط الخارجية والداخلية؟ الملاحظة البارزة عند الحديث عن سامي شرف ترتبط بموقفه من الرئيس الراحل أنور السادات، فهو لايزال واقفا في الشط الآخر، لا يعترف له بالإنجازات وهي ملاحظة رئيسية عليه قد تكون أهم مبرراتها فترة السجن التي تعرض لها في عهد السادات. كل من يعرف سامي شرف يشهد له بأنه يعيش القضايا التي تمر بها المنطقة ويتابع بطريقة منهجية الأحداث ويربط بين التفاصيل وهي ثمة جيل تمرس في الحياة وتلقى مستوى تعليميا راقيا».

هيئة «النهي عن الحب»

وعلى طريقة أغنية الفنان والمطرب الراحل عبد الحليم حافظ في أغنية «حب ولعب» في فيلم يوم من عمري مع زبيدة ثروت وعبد السلام النابلسي، لا تزال الخلافات مستمرة وإن بشكل أخف بالنسبة لحادثة طالب وطالبة كلية الحقوق في جامعة طنطا اللذين أعلنا خطوبتهما وتبادلا القبلات علنا وسط تهليل وفرح زملائهما، وما أحدثه ذلك من ضجة ومطالبة باتخاذ إجراءات لحماية التقاليد داخل الجامعات، وإصدار بعض رؤسائها تعليمات بمنع الطالبات من الدخول بالملابس غير اللائقة والبنطلونات الممزقة من عند الركبة أو الساق، وهو ما استفز غضب الأديبة سحر الجعارة فقالت في مقالها في جريدة «الوطن» تحت عنوان «جامعات منع الغرائز من المنبع»: «في كلية الحقوق جامعة طنطا كان المشهد أسوأ، محمد مناع قرر أن يفاجئ خطيبته بإعلان خطبتهما وسط زملاء الجامعة، وأعدّ المفاجأة بدون علمها، بعمل احتفال لها في الجامعة وقال (في برنامج العاشرة مساء) إنه قام بقراءة فاتحته منذ أكثر من شهر، وإنه قام بحضن خطيبته ثم اعترف بخطئه وطلب العفو من عميد كلية حقوق، مؤكداً أن مستقبله سوف يضيع بعد قرار فصله من الجامعة مع آخرين شاركوه الاحتفال، فقد تحركت هيئة «النهي عن الحب» وأعلن القائم بأعمال رئيس جامعة طنطا الدكتور إبراهيم سالم تحويل طلاب واقعة الخطوبة في حرم الجامعة إلى التحقيق، مؤكداً أن العقوبة قد تصل إلى «الفصل» بعد قيام الطالب والطالبة بإعلان خطوبتهما أمام طلاب كلية الحقوق، حتى لو كان ما قام به محمد فعلاً فاضحاً، فهل تكون العقوبة ضياع مستقبله ويتم تحويله إلى النيابة، وكأنما قرر العميد تحويل الطالب إلى «مجرم» لأنه دنس «الحرم الجامعي» بحضن بريء في وسط مجموعة تحتفل بالخطوبة! وكأن السادة حماة الفضيلة لا يعرفون أن طلبة الجامعات الأجنبية في مصر لا يصافحون بعضهم بعضا، بل يقبّلون الزميلات ولا يعلمون بانتشار «الزواج العرفي» داخل الجامعات ولا بالمخدرات التي تباع علناً داخلها، ويغمضون أعينهم عن الأساتذة ممن يتحرشون بالطالبات أو يتلقون «رشوة جنسية» مقابل تسريب الامتحانات».

هيبة الحرم الجامعي

ولم تدرك سحر أن هناك من ينتظرها في الصفحة الثالثة عشرة من صحيفة «الجمهورية» على أحر من الجمر وهو طلعت الغندور ليرد عليها قائلا تحت عنوان «من يعيد هيبة الحرم الجامعي؟»: «بعد خروج الحرس الجامعي من الجامعات المصرية تمت الاستعانة بموظفين إداريين معظمهم غير مؤهل للعمل الأمني، ولا يملك سلطة تطبيق القانون بشكل فعال، وبالتالي تدهورت الأوضاع داخل الجامعة وأصبحت في غاية الصعوبة، ولم يعد هناك فرق بين داخل الجامعة وخارجها، ما أفرز حالة من الفوضى والسلوكيات المرفوضة، أثرت بشكل كبير على قدسية المكان وأدت إلى تراجع المستوى التربوي والتعليمي. لا يخفى على أحد أن الحرم الجامعي مليء بالعديد من التجاوزات والسلوكيات غير الأخلاقية، ويحتاج إلى وقفة صارمة لوقف ما يحدث فوق السطوح والأماكن الخلفية والطرقات في غير أوقات المحاضرات، وبعض الطلبة يتخيل خطأ أن الجامعة مكان للتنزه وقضاء وقت جميل وإقامة الاحتفالات في ظل فراغ أمني وحرس مدني غير قادر على السيطرة، ولا يتميز بالهيبة التي كان عليها الحرس الجامعي، ناهيك عن شيوع ظواهر ومفاهيم غريبة في البيئة الجامعية كلمة فاصلة: من أجل هذه الحالات وغيرها التي لا يتسع المكان لحصرها، تبرز أهمية الاستعانة بضباط القوات المسلحة المتقاعدين الذين خدموا البلاد ولديهم من الخبرة والعلم ما يجعلهم قادرين على تحمل المسؤولية في حفظ الأمن داخل الجامعة ولهم من الهيبة ما يعينهم على فرض الالتزام والتفرقة بين الحرية والمسؤولية من أجل صالح العملية التعليمية، وعلى صناع القرار أن ينتبهوا جيداً للعلاقة بين التعليم والتربية ودعم القيم وإنقاذ هيبة الحرم الجامعي».

«مشروع ليلى»

وأخيرا إلى الدفاع عن قوم لوط للمرة الأولى وهو ما تولاه خالد مريب في مقال له أمس الثلاثاء في الصفحة العاشرة من جريدة «البوابة» في مقال عنوانه «دفاعا عن فرقة مشروع ليلى» فقال: «قامت الدنيا في مصر ولم تقعد عقب ليلة فنية أحيتها الفرقة اللبنانية المعروفة باسم «مشروع ليلى» وما زالت ردود الفعل تتواصل حول شائعات بمنع الفرقة من الغناء في مصر مرة ثانية، الفرقة التي اجتهدت على خشبة المسرح وقدّمت أجمل ما لديها من أغنيات متقنة، تحولت في لحظات طائشة إلى مرمى سهام الجميع. لم يجتهد واحد من المهاجمين لكي يستمع إلى أغنيات الفرقة وموسيقاها، ويشتبك نقديًا مع ذلك المنتج الفني الذي تم تقديمه على خشبة المسرح، ولكن استسهل الجميع السُباب والشتيمة والصريخ والمطالبة بالمنع والذبح. وعلى كل حال حسنًا فعلت مؤسساتنا الرسمية بعدم اشتباكها في تلك الموجة الحمقاء ضد فريق كل تهمته الغناء المختلف، وتقديم الأغنية البديلة في أبهى صورها. مصر التي علمت الدنيا لا يمكن لها أن تنساق خلف حملة جهولة لتصادر حق الغناء من فريق استطاع أن يكون سفيرًا لبلاده في عشرات الدول، فبينما كان المتسكعون على الإنترنت في مصر يهيلون التراب على فرقة «مشروع ليلى» كانت الفرقة في طريقها عقب حفلة القاهرة مسافرة إلى أمريكا، لكي تقدم هناك عددًا من الورش البحثية لدارسين يعرفون معنى الموسيقى والغناء، ويعرفون قيمة ما يقدمه فريق «مشروع ليلى». يعرف الموسيقيون بمصر قيمة وقامة فرقة «مشروع ليلى». كما تعرف فرق الأندر غراوند في مصر أهمية فريق «مشروع ليلى»، ولكن الخرس الذي أصابهم في أعقاب الهجوم الحاد على الفريق يجعلنا نتساءل عن الضمير الفني لديهم نتساءل عن المنافسة الشريفة المُنتجة. الخرس والصمت المشبوه يحذف من رصيد مبدعينا، بل يجعل صورتهم سيئة أمام جمهورهم في الدول المجاورة، فالمنافسة تعتمد على التجاور وتقدير القيمة والشهادة الحق في اللحظات الصعبة، أما الصمت فلا يمكن تفسيره إلا بالصراع الرخيص المتنافس على شباك التذاكر. أعتقد أن جمهور «مشروع ليلى» في مصر سيكون حارسًا لاحتفالات الفريق المقبلة لو قُدر للفريق أن يعود إلى شاطئ النيل من جديد، وأعتقد أن الثغرة التي نفذ منها مشبوه ليرفع علما خارج السياق سوف يتم سدها لتبقى مصر المبدعة أرض الحضارة والتقدم».

الحكومة ترفع شعار «إبدع… إنطلق» في مؤتمرات الشباب وتحجب مئات المواقع الإلكترونية التي تختلف معها فكريا

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية