المجزرة البشعة في لاس فیغاس، التي نفذھا الأمريكي ستیفن بادوك، والتي وقعت في 2 أكتوبر 2017 حین كان أكثر من 25 ألفا یحضرون حفلا موسیقیا للمغني جیسون ألدین، أسفرت عن مقتل 59 شخصا و527 جریحا، كانت الأعنف منذ أحداث 11 سبتمبر في نيويورك.
المجزرة لم يطلق عيها وصف «الإرهابية»، ولم يطلق على المنفذ كلمة «إرهابي» مع أنها من أشد المجازر فتكاً من حيث عدد الضحايا. تحدث الشارع الأمريكي عن المرتكب، بأنه لربما مختل نفسيا، أو حاقد على المجتمع لقصة ما، وغير ذلك من التعليلات. تصوروا لو كان المنفذ عربيا أو مسلما، لأصبحت العملية إرهابية ولأصبح الجاني إرهابيا! هذا ما تساءله الكاتب الأمريكي المعروف توماس فریدمان، في مقال نشره في صحیفة «نیویورك تایمز» وقال فيه: ماذا سیكون رد فعل الرئیس الأمريكي دونالد ترامب والمشرعین في الكونغرس، في حال كان مطلق النار مسلماً، ویتبع تنظیم «داعش» الإرھابي؟ ما قلناه يؤكد ما يسعى إليه الغرب والكيان الصهيوني من ربط الإرهاب بالإسلام والعرب.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، قالت أمريكا حينها، إن العدو الجديد للحضارة الغربية هو الإسلام. في عالم القطب الواحد، أصبحت المقاومة المشروعة للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة إرادتها، بقرارين واضحين من الأمم المتحدة، «إرهابا». كان المقصود، دمغ المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، لأن آخر شعب محتل في العالم، هم الفلسطينيون! أما ما ترتكبه دولة الكيان الصهيوني من جرائم حرب، ففي العرف الأمريكي وبعض الغربي، هو دفاع عن النفس. للعلم، وصف المقاومة بالإرهاب جاء بعد مؤتمرين حضرهما مخططون استراتيجيون أمريكيون وإسرائيليون، في كل من واشنطن والقدس المحتلة.
مع الاعتراف ببشاعة ما يرتكبه المتطرفون العرب والمسلمون في كافة أنحاء العالم، ولكن لماذا يجري الربط بين العرب والمسلمين والإرهاب؟ في الوقت الذي يرتكب فيه أعمالا إرهابية أناس من قوميات وأديان مختلفة! تشير وثائق الخارجية الأمريكية، إلى أن الغالبیة الساحقة من أولئك الذین ارتكبوا الھجمات الإرھابیة في الولایات المتحدة وأوروبا، لیسوا مسلمین، وأن نسبة الھجمات الإرھابیة التي ارتكبت فيهما من أفراد مسلمین على مدى السنوات الخمس الماضیة أقل من 2%، كما أشارت «یوروبول»، وھي وكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الاوروبي، بأن الغالبیة العظمى من الھجمات الإرھابیة في أوروبا، ارتكبت من قبل الجماعات الانفصالیة الأوروبية. فعلى سبیل المثال، في عام 2013، كان ھناك 152 ھجوما إرھابیا في أوروبا، اثنین منھا فقط بدوافع دینیة، بینما 84 عملية إرهابية كانت بدوافع مبنیة، على العرقیة والقومیة أو الانفصالیة، فمثلا في الیونان قامت الحركة الیساریة المتشددة والمعروفة باسم «القوات الثوریة الشعبیة» في أواخر عام 2013 بقتل اثنین من الیمینیین من أعضاء حزب سیاسي یدعى «الفجر الذھبي». بینما في إیطالیا، ھناك مجموعة «الفوضویة» تورطت في ھجمات إرھابیة عدیدة، بما في ذلك إرسال قنبلة لأحد الصحافیین، وعلى ذلك قس. المقصود القول، إن الإرهاب ليس له قومية أو دين.
من ناحية ثانية، اعتبرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن أقلية الروهينجا في بورما تتعرض لعملية «تطهير عرقي»، ورغم أن مجلس حقوق الإنسان شكّل بعثة دولية مستقلة للتحقيق في العنف الذي تتعرض له هذه الأقلية، إلا أن السلطات البورمية رفضت دخولها إلى أراضيها. وقال المفوض السامي: إن ما يجري هو تطهير عرقي، وبورما لا تقیم وزنا للمبادئ الأساسیة للقانون الدولي. وتابع «تلقینا تقاریر عدة وصوراً التقطت بالأقمار الاصطناعیة لقوات الأمن ومیلیشیات محلیة، تحرق قرى بكاملها للروھینجا، ومعلومات تتمتع بالصدقیة حول إعدامات، خارج إطار القضاء، بما في ذلك إطلاق النار على مدنیین فارین». كما أكدت الأمم المتحدة على أن حوالي نصف مليون (من مجموع مليون) من الروهينجا دخلوا أراضي بنغلاديش هربا من التطهير العنصري.
نسأل، ماذا فعل المجتمع الدولي لإرغام بورما على التوقف عن إجرامها؟ وهل نظمت الولايات المتحدة مثلا، حملات قصف جوي على القوات الحكومية البورمية لوقف جرائمها؟ السؤال الآخر، يا ترى لو كان هؤلاء من المسيحيين أو اليهود، أكان رد الفعل الدولي على ما هو عليه؟ ثم ماذا باستطاعة المجتمع الدولي أن يفعل لإعادة الهاربين إلى وطنهم؟ نعم، نحن في القرن والواحد والعشرين، ويحدث فيه تطهير عرقي لبشر؟
على صعيد آخر، سن الكنيست الصهيوني عشرات القوانين العنصرية في السنتين الأخيرتين، وتقوم قوات الاحتلال بجرائم قتل حتى لمجرد الشك بفلسطيني أو فلسطينية بأنه يحمل سكينا، وأثبتت الكاميرات أن جنود الاحتلال يلقون سكاكين بجانب جثث الشهداء الفلسطينيين بعد قتلهم بدم بارد. أيضا أصدر عدد من الحاخامات اليهود فتاوى جديدة على مرأى ومسمع كل دول العالم، تنص على الآتي: «يحق للجندي اليهودي قتل الفلسطيني لمجرد الشك فيه». «اقتلوا الفلسطينيين والعرب وأبيدوهم حتى أطفالهم بلا رحمة. للحفاظ على إسرائيل». وفتوى أخرى تنص على «كل الأغيار – غير اليهود- خاصة في إسرائيل يتوجب أن يعملوا في خدمة اليهود».
الكنيست بصدد سن قوانين «تجيز لإسرائيل ضم أراضي الضفة العربية» سيقدمه شيلا إلدار إلى الكنيست. مشروع قانون آخر يجيز للمحاكم الإسرائيلية محاكمة وسجن الأطفال الفلسطينيين دون سن 14 وغيره من القوانين. هؤلاء الحاخامات شكّلوا قبل عشر سنوات حركة وأطلقوا عليها اسم «هسنهدرين هحداشا» (مَجْمَع الحاخامات الجديد). أسس هذه العصابة الحاخام عيدان شتاينليزتس، الحاصل على «جائزة إسرائيل» و»وسام الرئيس الإسرائيلي»، وهما يعدان أرفع الجوائز الإسرائيلية. هذه الحركة رسمت هدفا واحدا لها: تنمية فكرة القتل والعنف والإرهاب في نفسية الأجيال الجديدة من اليهود.
نتساءل: كم من الحقد ينزرع في عقل ووجدان القاتل كي يقوم بارتكاب جريمته؟ هذا في حالات القتل الفردية… فما بالك بحالات إرهاب الدول؟ قرأنا عن سفاحين كثيرين في التاريخ مثل هتلر. موسوليني. جنكيز خان. إيفان الرهيب وغيرهم! لكن هؤلاء مثّلوا حالات فردية، في ما يتعلق بإرهاب الحركة الصهيونية وتمثيلها السياسي الإسرائيلي، فهو ما زال قائما على مدى ما يقارب السبعة عقود.. الفرق بينه وبين فاشية أولئك..أنه عنف مُعتنق (أيديولوجيا)، عنف ليس من قبل زعيم أو بضع زعماء في الكيان، بل من غالبية الصهاينة.. فمثلا هناك إحصائيتان أجرتهما جريدتا «هآرتس» و»يديعوت أحرونوت»، تؤكد نتائجهما على أنه في عام 2025 فإن النسبة المؤيدة لأحزاب المتطرفين الأصوليين الفاشيين من اليهود الإسرائيليين ستبلغ من 59% – 62%. إن حرق طفل وقتل جريح عديم القدرة على الحركة هو «مابعد فاشية»! فكيف تقدم عليها كائنات بشرية مُفترض أن لها إحساسا ومشاعر؟
إسرائيل حاولت وتحاول الربط ما بين إرهابها وعنفها والمقدّس.. أي أن تجعل من كل مذابحها وجرائمها بحق شعبنا وأمتنا مسألة مرتبطة بالإله.. وهو الذي يبررها وفقا لمعتقدات الحاخامات التحريفيين، بحيث تبدو مسألة ربانية، ما على اليهود إلا اعتناقها وممارستها فعلا على الأرض.
للعلم، تمثل النصوص التوراتية، والوثائق اليهودية، ومجمل نتاج الفكر الديني الصهيوني في مراحل مختلفة من التاريخ، نموذجا فريدا للدوغمائية الإرهابية العنفية الصهيونية، بحيث، لم يكف الحاخامات اليهود عن تغذية تلك الأساطير القبلية المؤسسة للسياسة الصهيونية باستمرار حتى هذه اللحظة، بالتالي أصبح العنف والقتل اليهودي للأغيار (غير اليهود) بالنسبة إلى المتدينين اليهود ذا مضمون عنصري استعلائي مقدس.. «شعب الله المختار» وكافة المقولات التضليلية الأخرى! معروف أن السلطة الدينية والحاخامات يشكلون الحاكم بأمره في مصدر التشريع لليهود. أرأيتم كيف يعتبرون أن جرائمهم مقدّسة؟ ولهذا يوغلون في بشاعة اختراع وارتكاب طرق ووسائل قتلهم الفاشي الأسود لأبناء شعبنا وأمتنا! نسأل كل المعنيين: لماذا لا يتم التركيز على الإرهاب الصهيوني؟
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد