سلطة الأب
كان كافكا المواطن الأكثر قلقا بين معاصريه . فهو قلق إزاء يهوديته وعائلته وصداقاته القليلة وعـمله .
يومياته و رسائله الى «صديقه غير الوفي» ماكس برود تعبر بـوضوح أكثر مـن غـموض أعـماله. فرويديا، كان كافكا يعاني من سلطة الأب في عائلة يهودية نظامها العائلي التزمت في كل شيء .
في الوقت ذاته فإن براغ، رغم كآبتها ، كانت تنفتح على أوروبا ثقافيا بما في ذلك العادات الاجتماعية المتحررة . كافكا بقسمات وجهه كان يميل إلى القبح مما جعله انطوائيا، وحياته القصيرة في أغلبها ، كانت بين عمله وعزلته .
أمسيات قليلة شارك فيها كافكا الكاتب الوسط الأدبي البراغي. أغلب روايات كافكا غير منتهية أو توحي بغموض أكبر في نهاياتها. ربما كانت روايته القصيرة «التحول» التي ترجمت الى العربية بعنوان «المسخ» أكثر روايات كافكا شخصية . ربما ، وأكرر الأحتمال ، أنها سيرة حياته كما يراها ، نهايتها المزبلة.
المحاكمة أيضا ، تنتهي بشبه مزبلة ، مكان خارج المدينة ، حفرة لرمي الأنقاض حيث يلقى كمصيره مرددا مفردة : كالكلب .
يهودية كافكا مفتاح أعماله كلها من التحول والمحاكمة والقصر وقصصه القصيرة خصوصا مستعمرة العقاب ، تعبيرات عن عزلة يهودية، الغيتو اليهودي ، بمعناه التاريخي والثقافي والجمالي كان يفزع كافكا ويطحن داخله.
العائلة اليهودية بسلطة الأب الفرعونية والتزمت الديني للمجتمع اليهودي الصغير في براغ ضاعف من شعوره بالعزلة المفروضة تاريخيا على اليهود ، خصوصا أن أوروبا في تلك العقود كانت تعيش معاداة اليهودية كثقافة وقبل قضية دريفوس .
جذور الأخيرة في عقلية القرون الوسطى، في الحروب الصليبية ، في «البروغروم» الروسي والسواتر التي وضعتها مجتمعات الضيافة حول اليهود . عالم كافكا خال من النور، الطبيعي والصناعي.
أبطال شكسبير كانوا يصرخون دائما النور .. النور وأبطال كافكا يعيشون في الظلام شبه صامتين. بين عقدة الأب وعقدة قتل موسى واختفاء قبره كانت مشاعر كافكا تنمو دون عاطفة عشقية. «لبيدو» مقموع وشك دائم « في محله» في عالم يحيط به دائما .
غرفة كافكا في براغ تطل على المدينة كلها لكن هل كان كافكا ينظر منها إلى العالم؟ كافكا اليهودي لا يهودي باستعارة تعبير إلبولندي اليهودي اسحق دويتشر . يومياته و رسائله لصديقه الخائن ماكس برود تكشف أن كافكا يشبه سيغموند فرويد في ضآلة عواطفه العشقية. جميلة في المقالة هذه المقارنة مع السياب .
جبار ياسين – فرنسا