مصر: حجب ‘الجزيرة’ لا يخدم دولة القانون

حجم الخط
20

شهدنا خلال الشهرين الماضيين جدلا ساخنا وحملة اعلامية شرسة في مصر على وسائل الاعلام الغربية وقنوات عربية تعتبرها الحكومة المؤقتة والسلطات العسكرية ‘مضللة’ وتمثل الاتجاه السياسي الذي تتحرك ضده. وترافقت هذه الحملة على الاعلام مع نقد شديد ولاذع لسفراء اجانب، وصل لحد اتهام صحيفة ‘الاهرام’ للسفيرة الامريكية آن باترسون بانها ‘جزء من مؤامرة مع اعضاء جماعة الاخوان المسلمين ومسلحين اجانب لزعزعة استقرار مصر وتقسيمها الى دولتين’.
ومع تعقيدات الازمة في مصر، برزت حساسيات حادة من مواقف الدول، فقط لانها تدعو لحلول سياسية وسطية او تدافع عن شرعية رئيس منتخب.
هذه الاجواء شهدت نهجا متحيزا اصبح يدفع الصحافيين انفسهم الى اقصاء زملائهم عن المؤتمرات الصحافية فقط لانهم ينتمون الى هذه القناة او تلك، وشهدنا مؤخرا تحركا قضائيا لتكريس التصرفات الخاطئة التي تقدم عليها احزاب سياسية او جهات رسمية ضد نوع معين من الاعلام، حيث شهدنا صدور حكم قضائي باغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر بعد ايام من مداهمة مقرها وضمن حملة طالت ‘الجزيرة الانكليزية’ واعتقال ثم ترحيل ثلاثة صحافيين اجانب يعملون بها.
التشويش على قناة الجزيرة اليوم ليس الاول، فقد كانت الشبكة هدفا للسلطات المصرية في بداية الثورة عام 2011، قبل الاطاحة بالرئيس المخلوع حسني مبارك، هذا الاجراء طال في حينه فضائيات اخرى منها ‘العربية’ و’بي بي سي’.
وكانت ‘الجزيرة’ في نفس الوقت هدفا للنظام السوري وقبله لنظام الزعيم الليبي معمر القذافي.
الحملة في مصر ضد الرأي الآخر تداعت لها مؤسسات صحافية وبشعارات فجة على شاكلة ‘مصر تحارب الارهاب’، ويبدو الاعلام المصري اليوم سواء كان منه الخاص او ‘العام’ اكثر ميلا لان يكون بعين واحدة، وهذا لا يفيد الحقيقة، ولا يخدم الاهداف النهائية لاي محاولة لاقامة دولة مدنية ونظام للجميع، بل على العكس يؤجج الانقسام الذي شكا ويشكو منه الجميع منذ الانتخابات الرئاسية، فما نشهده حاليا هو تعزيز لطرف ضد آخر، وايضا محاولة لاعادة انتاج النظام السابق، ولكن بنسخة منقحة. الخطر الآخر في هذا المنحى هو ان الاقصاء الاعلامي للاطراف الاخرى بالمجتمع يعكس ايضا اتجاها الى اقصاء سياسي لم ينجح في اي مكان ولن ينجح طبعا في مصر.
هذا النهج الذي اتخذته الحكومة المؤقتة في مصر ليس من العلامات البيضاء في تجربتها، بل هو علامة سوداء، كونه تحت عنوان تكميم الافواه التي تريد ان تعبر عن رأي آخر، فيما تحاول هذه الحكومة ان تجري ما تسميه مصالحة وطنية، فكيف يمكنها ذلك اذا كانت تضيق بالآراء المخالفة وهي التي تقول ايضا بانها تريد دستورا يحترم الحريات ويعتبرها حقا للجميع؟
لكن بعيدا عن كل هذه الاعتبارات، الم يصبح التشويش على القنوات امرا من العهود البالية واسلوبا من اساليب الانظمة المستبدة؟
ليس بهذا الاسلوب يمكن مقارعة الرأي الآخر، ولا بهذه الطريقة يمكن تصفية الحسابات مع ‘الجزيرة’ واية قناة اخرى، فالخيار الامثل هو ان تكون كل الآراء معروفة ومطروحة علنا وبكل حرية، وليقرر الرأي العام ما يشاء في ضوئها. اما ان تلجأ جهة عسكرية او سياسية الى محاولة حجب وسائل الاعلام التي لا تستطيع التحكم بها، واخفاء اي قناة عن المدار الفضائي، فهذا يعني ان هذه الجهة لا تشعر بالاطمئنان الى وضعها او الى ما تطرحه من خيارات على الشعب المصري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية