لا للمثقف نعم لـ …..

حجم الخط
2

هل فشل الكاتب العربي في سبر أغوار مجتمعه؟ أم أنّه فعل ولكنّ هناك من سمم نتاجه للقارئ؟ ثمة دوما ثغرات في تاريخنا الأدبي الطويل، لم يتسنّ لنا أن نطّلِع عليها لأسباب كثيرة، وإن فعلنا فلم تكن الظروف ملائمة لفتح سجالات لمناقشتها والغوص فيها ومعرفتها جيدا.
لقد تدرّج الكاتب العربي من الكتابة عن مجتمعه، حاملا لواء النضال من أجله إلى أن وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام يدافع عن نفسه، فأصبحت الكتابة تدور في الطاحونة التي وقع فيها والتي لا تتوقف عن طحنه. فما الذي حدث بالضبط؟
هل عشنا النّهضة حين كان العالم الغربي غارقا في حروبه؟ أم أنّ تنويريي الثقافة العربية تحكموا في زمام الأمور آنذاك، حين مُنِحت لهم فرص لفرض رؤيتهم على مجتمعاتهم برعاية أنظمة أغلبها ملكي، ونحن نعرف أن العائلات الملكية آنذاك كانت متعلّمة وتحترم العلم والثقافة والفن والمثقفين، رغم الصفات السيئة الأخرى التي تحسب عليهم، فكان ذلك التكامل والانسجام بين الفئات الحاكمة والفئات المثقفة متوفرا؟ بغض النظر إن كان بعضهم زير نساء أو مبذرا، أو سكيرا أو ما شابه ذلك.
كان نتاج تلك الفترة غزيرا وذا قيمة، ولم نكن نعرف بالضبط هل الحركة الثقافية كانت مزدهرة في العواصم فقط، أم أنها كانت ظاهرة عمّت أطراف البلدان العربية؟ هل كانت طبقية بورجوازية أم طالت الطبقات الشعبية في كل مكان؟ وإن كنا نعرف أشياء كثيرة عن تلك الحقب التي وصفت بـ»الذهبية» إلاّ أن تفاصيل كثيرة غابت عنّا لأننا لا نملك أو لم نطلع على كل ما كتب عنها. الصحيح والمؤكد أن «ثورات» الإصلاحيين التي قام بها ضباط «أحرار» ـ سواء في العراق أو في مصر على سبيل المثال- كانت لإنهاء فساد ملوك لهم من التقاليد الثقافية ما لا يملكونه هم أنفسهم. لم ينهوا الحكم الملكي إلا بمباركة خارجية، وبحمامات دم نُظِّفت سريعا، وتمت بما يرضي الغاضبين، ثم أطلقت حملات التأميم التي قاموا بها بدون أن تؤتي ثمارها، إذ ظلّت مجرّد مهازل جرّدت أصحاب الأملاك والخبرات من أملاكهم ومنحتها لأناس لا يعرفون قيمة الشيء الذي بين أيديهم، وللأسف كان القطاع الثقافي واحدا من تلك القطاعات المهمة التي بات مصيرها بائسا بعد تلك الانقلابات، لدرجة أن انفلات برغي واحد من كرسي في مسرح، الذي كان يحتاج لخمس دقائق لإصلاحه في العهد الملكي أصبح يحتاج لتقرير يرفع من مسؤول لمسؤول للحصول على موافقة لإصلاحه، وعلى مدى أيام وأشهر والتقرير يتجوّل بين أروقة المباني الوزارية ومكاتبها ليحصل على توقيعات موافقة حتى يصبح الكرسي في خبر كان..
غير ذلك نعرف أن تلك الأنظمة الجديدة صنعت «مثقفا» يناسبها، مثقفا «نصف فاهم» مطيعا، ومتحمسا للبرامج العسكرية المفروضة على الجميع ومنحته سلطة لم يكن يحلم بها، ولعل أول شيء فعله هو «فرم» المثقف الحقيقي بتقارير كانت ترفع للجهات العلوية، لتقليم أظافره ولسانه، إن تطلب الأمر وأجنحته حتى يدجن أو يموت. كانت تلك «الثورات» التي أسعدت الشعوب الفقيرة مجرّد حلم وردي لم يدم طويلا، أُسدِل بعده ستار أسود أدخل بلداننا شيئا فشيئا في مراحل التقهقر التي بلغت أوجها مع بزوغ «الربيع العربي» الذي لا نعرف إلى اليوم هل سنرى أزهاره؟
نعيش اليوم الأسوأ على الإطلاق، مراحل غلق الأفواه، وتجريد الإنسان في هذه الرقعة من أرض الله من كل حقوقه، ولأن السجون امتلأت أصبحت المنافي هي الحل للتخلص من المعارضين المزعجين، والحرب للتخلص من القطعان التي تمشي خلف زعماء تحقن الجميع بالوعود الكاذبة. في الحقيقة لا توجد في العالم كله معارضة محترمة، فالمعارض قبل أن يجابه نظاما ظالما يجب أن يكون بمستواه من الدهاء واللؤم وحب الذات وإلا فالكفة ستترجح للنظام القائم .
المثقف الحقيقي المخذول يمر اليوم ليس فقط بفترة خيبة، بل بأعظم صدمة يمكن عيشها على الإطلاق، حين حُمِّل مسؤولية كل ما حدث، فسئم منه المجتمع ومن تنظيره ومن أفكاره، حين علت أصوات من ناضل من أجلهم تطلب منه الخرس، وحين أصبح ما يؤرق هذا المواطن المسكين هو كيف يحصل على قوت يومه ويحمي عائلته، وما يخيفه ليس الديكتاتور الذي يحكمه، بل الفقر والجوع والمرض وقطع مسافات في الخلاء بحثا عن الأمان. ما يخيفه هو أنه أصبح بدون بيت، وبدون وطن، رقما في سجلات اللاجئين يتاجر به أناس لا يعرفهم، يحددون له لقمة عيشه بأقل بكثير مما كانت حصته أيام الديكتاتور …
انتقلت عمليات «تقليم الأظافر والأجنحة» من أقبية البنايات المخابراتية إلى الشارع الفسيح، ليصبح المجتمع سيد هذه الوظيفة، ولم يعد هذا المتنور المسكين سوى غريب في أرض لا يعرفها، سوى الهارب الذي يبحث عن جحر يأويه، عن طائرة تحمله خارج أسوار وطنه ليعيش بسلام، فكل كلمة يتلفظ بها قد تؤدي إلى اتهامه بتهمة ما. الصورة المهزوزة اليوم لمثقف خسر كل حروبه لا تبدو واضحة تماما. إذ من الممكن أن تتلقفه آلات بطش جديدة، فلا نهايات سعيدة في الأفق، تبشر بما تمنّاه وكتب من أجله. إنّه الضائع الذي إن خيّر اليوم بين لقمة العيش ومبادئه سيختار لقمة العيش، هو الحبيس داخل قوقعة لغته الوحيدة، ومهنة لا يتقن غيرها، ومخزونه الفكري الثابت، وخلفيته الثقافية الفريدة من نوعها، التي تشبه المتاهة، كلما ركض داخلها ازداد تعبه بدون أن يصل لمخرج.
مثقف لا سرب حقيقي له يحلّق معه، إنه العصفور الوحيد الذي تتربص به بنادق الصيادين محترفين وهواة، ولا ملاذ دافئ له، حتى في منفاه تلاحقه شرور مجتمعه وعيون مراقبيه، وأكاد أجزم أنه اليوم هدف الجميع لإسقاطه، خاصة أنه لم يقتنع بعد أن تحرره من مخالب القوات السياسية في بلاده سيجعله أكثر قوة. لا مجال لذهابه بعيدا، وهو عاجز عن رسم خط واضح لنفسه، عاجز عن إعطاء صورة محترمة تسوّق له، فهو تارة يتسلق أبواب رجال السياسة وتارة أخرى يتملق أثرياء الخليج وحاشياتهم. بات الأمر مقززا بشأنه، فاضحا لفشله إلى أبعد حد، باستثناء فئة قليلة اتخذت من البراري البعيدة حلبة لانطلاقها، لكنها تقريبا غير مؤثرة، حيث ضجيج الحروب الطاحنة بين رجال يريدون السلطة.
قرن مضى، بدون أن نرى فيه إنجازاتنا العظيمة، فكل منجز مرّت عليه محدلة ما وحوّلته إلى ركام. مئة عام انحدرنا فيها من قمة الهرم إلى أبعد نقطة في قعره.
في مطلع هذا القرن يقف المثقف في مواجهة جسد يحتضر وهو يشعر بالخجل من عجزه، وتلك الجملة الأخيرة المنبعثة من فمه كالنار تحرق رأسه بكل محتوياته عديمة الفائدة، ولكنّها تستقر في أذنه «خذ أفكارك الغبية وأعد لنا الديكتاتور».. أخيرا يسمعها بعد مئة عام من الانحطاط، فكيف سيتصرّف؟

شاعرة وإعلامية من البحرين

لا للمثقف نعم لـ …..

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية