القضية السورية في لعبة السمسرة العالمية

كان استخدام الأسلحة الكيماوية في الصراع القائم في سورية يوم 21 اب/اغسطس الماضي نقطة تحول جوهرية في القضية السورية، إذ كشرت الولايات المتحدة عن أنيابها ولوحت بتوجيه ضربات عسكرية ضد نظام بشار الأسد، الذي تجاوز ‘الخطوط الحمراء’ التي وضعتها الولايات المتحدة والمتمثلة في استعمال الأسلحة الكيمياوية. وللإشارة فإن هذه ‘الخطوط الحمراء’ سبق للإدارة الأمريكية أن زعمت بأن النظام السوري تجاوزها خلال شهر حزيران/يونيو الماضي، فعبّر آنذاك الرئيس الأمريكي أوباما عن عزمه تقديم الدعم العسكري للجيش السوري الحر، الذي يمثل الجناح العسكري للمعارضة السورية، والمدعوم من الولايات المتحدة وحلفائها. وقد صرح أوباما بأن ذلك الدعم كان يهدف إلى إحداث ‘توازن’ في موازين القوى، وليس إسقاط نظام الأسد.
ما يمكن استنتاجه أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط نظام الأسد، بل هدفها هو إجبار النظام الأسدي على تقديم تنازلات سياسية وإستراتيجية عميقة، تسمح بحل الأزمة، وفي نفس الوقت ضمان مصالح أمريكا ومن يدور في فلكها. فإسقاط نظام الأسد سيعيد إنتاج الأزمة وسيدخل المنطقة في دائرة مفرغة من الصراع بين التنظيمات الجهادية بنسختيها السنية والشيعية، وما لذلك من تأثير على أمن إسرائيل والمصالح العالمية الحيوية في المنطقة، من طاقة ومسالك تجارية وأنشطة اقتصادية. هذا من دون أن ننكر سعي الولايات المتحدة إلى ردع الأسد ومن ورائه حزب الله وإيران حتى لا يقع التمادي في استعمال الأسلحة الكيماوية وبالتالي تهديد إسرائيل.
الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام معادلات صعبة، فمن جهة هي لا تريد إسقاط نظام الأسد تجنبا لسيناريوهات أكثر انفلاتا، وتجنبا للدخول في تدافع عنيف مع الأشقاء الخصوم من روسيا والصين، نظرا للمصالح المتشابكة معهما، فالجانب الروسي أظهر شراسة في مساندته للنظام السوري. ومن جهة ثانية نجد كلا من الائتلاف الوطني السوري المعارض وإسرائيل والسعودية والإمارات وتركيا تطالب بسحق نظام الأسد، لأنه سيمثل في المستقبل تهديدا جديا لاستقرار المنطقة، فهذه الدول تبحث عن تعزيز أمنها ومصالحها بكسر شوكة إيران وحزب الله في المنطقة، باعتبار أن نظام الأسد، وفي حالة تعافيه من الأزمة، سيمثل حصان طروادة لمزيد تعميق نفوذ إيران، إضافة إلى لجوئه إلى الثأر عبر إثارة التناقضات في تلك البلدان، فنظام الأسد بارع في هذه اللعبة، كما أن خروج الأسد من هذه الأزمة سيعزز محور المقاومة، وسيجعله يميل كليا نحو الشرق، وهذا ما يمثل تهديدا كاسحا للنفوذ الأمريكي والتركي والخليجي والأطلسي عامة… ومن جهة ثالثة تتفق فرنسا مع الولايات المتحدة في توجيه ضربة عسكرية ردعية لنظام الأسد، من أجل إجباره على تقديم أكبر قدر من التنازلات السياسية والإستراتيجية، ففرنسا لها حنين لمستعمرتها السابقة، فهي تبحث عن نصيبها من الكعكة السورية في إعادة الإعمار وعقود الطاقة وغير ذلك من المصالح، خاصة أن لدى فرنسا مصالح واسعة في لبنان تسعى لحمايتها والامتداد من خلالها نحو سورية.
تعقيدات القضية السورية جعلت الرئيس أوباما يتمهل، إذ أعلن في خطاب ألقاه يوم السبت الماضي أنه سيحيل مسألة توجيه ضربة عسكرية إلى سورية للتصويت على الكونغرس الذي سيستأنف أشغاله يوم 9 ايلول/سبتمبر القادم.

تقاليد الحرب الباردة بثوب جديد
القضية السورية تخفي صراعات تخوضها محاور عالمية كلاسيكية. وكالعادة فإن شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية هي غطاءات وأدوات في هذه المعارك. فالحشد العسكري والنشاط الدبلوماسي الأمريكي المكثف يهدف إلى كسب نقاط استراتيجية في المنطقة، فكان الهجوم الكيماوي الأخير فرصة حتى تكسب الولايات المتحدة موافقة الرأي العام العالمي، على المستويين الشعبي والدبلوماسي، وحتى تساهم في تعزيز ذلك المحور الكلاسيكي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الخير الغربي) في مواجهة المحور الثاني الذي تقوده روسيا وحلفاؤها والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الشر الشرقي)، على الرغم من أن المحور الشرقي استغنى عن شيوعيته، إلا أن تقاليد الحرب الباردة مازالت متواصلة، لكن مع عديد التغييرات التي فرضتها العولمة وموازين القوى الجديدة، إذ لم يعد خافيا أن الصين خرجت من تقوقعها وبدأت بالزحف في آسيا والشرق الأوسط وافريقيا، كما أن روسيا تستعيد ثقلها العالمي يوما بعد يوم، هذا بالإضافة إلى وجود مجموعة البريكس التي تضم اقتصاديات صاعدة، من دون أن ننسى خروج مصر من المحور الإخواني الأطلسي الذي يدور في فلك الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني، ورجوعها ولو نسبيا إلى تقاليدها الناصرية، التي قد تتبلور على المستوى المتوسط والبعيد بانتهاج سياسات وطنية متوازنة بين الشرق والغرب، ما قد يحول مصر إلى مركز ثقل ونموذج يحتذى في افريقيا والعالم العربي. فالولايات المتحدة وجدت الفرصة مناسبة للعب دور الملاك المنقذ الحريص على السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، مقابل تقديم روسيا وكل من يدور في فلكها في ثوب ‘الشر’. وبالتالي وجدت الولايات المتحدة المجال للانقضاض عسكريا واستراتيجيا على القلب النابض في الشرق الأوسط، حتى تكون جاهزة وناضجة للعب دور أعمق في المنطقة.

‘ كاتب من المغرب العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية